الحوثيون و”داعش” والحروب العربية ـ العربية
ستكون 2015 سنة الحروب التي وقودها العرب في اليمن بسبب “الميليشيا الحوثية” والانقلاب على إرادة الشعب اليمني، وفي العراق وسوريا ستكون الحرب بقرار أمريكي وبجيوش عربية من العراق والأردن على ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، فهل سيعد العرب ضحاياهم من العرب الذين يريدون الانتقام لضحاياهم في العراق بعد سقوط صدام حسين منذ أكثر من 14 سنة.
الاستبداد حاضن للإرهاب
ولد الإرهاب في أحضان “الدولة البوليسية” العربية وترعرع بين أيدي الاستخبارات الأمريكية في حربها على أفغانستان لتحريرها من الاتحاد السوفياتي سابقا، وتحوّل إلى “قاعدة” بعد سحب السعودية الجنسية من المرحوم أسامة بن لادن، وتمدد في الدول التي أوقفت مساراتها الانتخابية، وتعزز بعد احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق، ووجد في الفوضى التي صاحبت ربيع الشعوب مرتعا له وتبلور مفهوم جديد له وهو “الولاء” للدولة المموّلة بالمال أو السلاح، وحين اغتالت أمريكا أسامة بن لادن واخترقت جماعته ظهرت “الميليشيات المسلحة” بعضها حمل شعارا إسلاميا وبعضها الآخر تستر تحت شعارات “الثورة“، لكن الثورات المضادة في الوطن العربي أوجدت مناخا جديدا لميلاد تنظيمات مسلحة أخرى تحمل مشاريع “دولة” في دولتي العراق وسوريا، وكانت “داعش” أيقونة هذه التنظيمات، بعد أن قام الغرب بحملة تضليلية لتضخيمها وإيهام الرأي العام الدولي والإسلامي والعربي بأنها تحظى بشعبية لدى “الشباب المسلم” في بلدانهم.
الكثير يحاول تحميل “الربيع العربي” ودوله ما يجري الآن في الوطن العربي من مشاكل، والقليل من يحمّل أمريكا مسؤولية احتلالها للأقطار العربية ودعم المعارضة بالسلاح لإسقاط أنظمة، والأهم هو تجاهل الدور الصهيوني في إنشاء التنظيمات المسلحة.
قاد الغرب حربا ضد من يبدي رأيه في الكيان الصهيوني ويطعن فيما يسمى بـ(المحرقة _ الهولوكست)، وهناك عشرات القضايا المرفوعة ضد المفكرين والكتاب الفرنسيين بسبب كشفهم للحقائق، لكن حين تطعن وسائل الإعلام في الدين الاسلامي ونبيّه ويقدم في صور تحمل من البذاءة والألفاظ المسيئة للإنسانية يتحرك الغرب للدفاع عن أصحابه تحت مسميات “حرية الصحافة” أو “حرية التعبير“، فهل القضاء على ” داعش” ينهي الإرهاب في العالم العربي أم يحوّله إلى حرب “عصابات” وبذلك ينقلنا إلى الجيل الثالث للإرهاب بعد أسامة بن لادن وأبي بكر البغدادي؟
هل الانقلاب تصحيح ثوري؟
يبدو أن انقلاب 19 جوان 1965 الذي سماه بومدين تصحيحا ثوريا أصبح اليوم أيقونة للانقلابات في الوطن العربي بالرغم من أنه لم يكن دمويا مثلما حدث في مصر ويحدث الآن في اليمن، فقد شجع الإخوة في السعودية الحوثيين على قيادة الحرب ضد “إخوان” اليمن لكن حركة الإصلاح تجنبت الدخول في المواجهة فاستغل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح الفرصة ودعم الحوثيين لإسقاط “المرحلة الانتقالية” وتمكنت ميليشيا الحوثيين من الهيمنة عسكريا على العاصمة وإصدار” إعلان دستوري” لتشكيل مجلس وطني من 551 شخص ومجلس دولة على الطريقة الجزائرية على أن تكون اللجان الثورية الحوثية هي التي تعين الأعضاء وتشرف على العملية، وهكذا يصبح عبد المالك الحوثي الرئيس الفعلي لليمن وميليشياته هي الحارس الأمين للسلطة، والمثير للاستفهام أن الأمم المتحدة وأمريكا ودول الخليج اعتبرته انقلابا على الشرعية بينما ايران كانت أول دولة تزكيه.
ما لم يتوقعه الحوثيون هو أنهم بدأوا يفقدون احترامهم في الشارع اليمني فقصة الانقلاب بدأت حين ظن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح أنه قادر على اللعب بورقة الحوثيين للعودة إلى السلطة ولو عبر أحد أفراد عائلته، وحين توهم الحوثيون أنهم اللاعب الوحيد على قبيلة الرئيس علي عبد الله صالح، وكل واحد منهما يعتقد أنه اللاعب والآخر ملعوب عليه.
والحقيقة هي أن السعودية حين تحركت باتجاه عبد الله صالح تغير موقف حزبه، فرفض أعضاء البرلمان أن يكونوا في المجلس الانتقالي، وهكذا تراجع كل طرف إلى حجمه الطبيعي والعودة إلى طاولة الحوار تحت إشراف الامم المتحدة.
خطورة ما قام به الحوثيون أنهم دفعوا بالبلاد نحو المجهول إذ وضعوا أنفسهم في خدمة “الجهة” التي تدعمهم وعرضوا خدماتهم لأمريكا والخليج على طريقة غريمهم المخلوع، وأنهم حماة أمريكا ودول الجوار من القاعدة.
إن انقلاب الحوثيين على مسودة الدستور ومخرجات الحوار كانت بسبب “خديعة” تتحمل مسؤوليتها القوى الوطنية بسبب صمتها، وكذلك الرئيس والحكومة بسبب عدم الإسراع في تشكيل قوة لحماية الثورة من بقايا النظام السابق، والحرب القادمة ستكون“عربية _ عربية” في اليمن والعراق وسوريا تحت قيادة التحالف الأجنبي، فهل يستيقظ الحكام العرب للخطر المحدق بهم وبالوطن العربي؟