-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخلافة الراشدة.. رافضوها وأنصار الملك العضوض

صالح عوض
  • 2498
  • 0
الخلافة الراشدة.. رافضوها وأنصار الملك العضوض

بينما كنت أحاول ترتيب أفكاري لكتابة هذه الحلقة من سلسلة مقالات عن الخلافة الراشدة فاجأتني “عاصفة الحزم”، فما كان لي إلا أن أبتعد ولو مؤقتا عن قضية شعب وأمة ابتليت ببعض الحكام والمثقفين أصابهم الحول، فغابت عن بصيرتهم القدس والسبيل إليها فلم يجدوا سوى الحروب الداخلية لتأكيد وجودهم..

وفي الوقت ذاته وصلتني تعقيباتٌ وردود على الحلقات السابقة أهمها ما كان من باتنة عاصمة الأوراس الأشم من الأخوين الأستاذين الكريمين محمد بن عبد الله وصالح بن عمر، ومن غزة قلعة الصمود والمقاومة من الأخ الاستاذ الكريم عبد اللطيف أبو هاشم.. كما تلقيت اتصالات من عديد الإخوة في الجزائر وفلسطين والعراق ومصر.. وشعرت أن الموضوع جدير بمزيد من التعميق لما أضافه الأخوة لي من أفكار وتنبيهات ولفتات حقيقية وتيقنت بأن عملية التدبر والتفكير في الأمة جادة وقوية.. وأن ذلك من شأنه أن يشكل منظومة فكرية متينة متوازنة لانطلاق عالميتنا الإسلامية الثانية.

إنني أعتقد أن التوحد حول الخلافة الراشدة كمرجعية عملية متواصلة لعهد النبوة نقطة مفصلية وحجر ارتكاز في إعادة الصواب إلى ضمير الأمة ووعيها.. وفي تكملة الجملة ينبغي أن لا يفترق وعي الأمة وضميرها إزاء صور مشوّهة لنظام حكم الملك العضوض.. ولقد سبق لأئمة الأمة وعلمائها أن رفضوا الهرقلية والقيصرية كمنهج لنظام الحكم.. وواجهوا ذلك ببسالة ولقي كثير منهم من الحكام العنف الذي وصل في أحيان كثيرة إلى القتل والسجن.

وهكذا وانطلاقا من روح القرآن الكريم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقوم الناس بالقسط نؤكد مع دعوتنا الى اعتبار الخلافة الراشدة جامعة لأمة الإسلام اليوم، فإننا أيضا نؤكد أن ذلك لا يعني عصمتها ولا يعني أبدا عصمة رجالها.. ولا يعني عدم إمكانية تجاوزها في حركية الأمة مستقبلا بما هو أكثر نضجا وعطاء واستيعابا في مجالات عديدة.. ونعلن كذلك عدم شرعية الملك العضوض وهذا لا يعني أبدا أن حركية الأمة تعطلت في ظله بل ظلت كثير من مؤسساتها تعمل وتقاوم وتفرز قامات علمية وجهادية عظيمة..

ثم إن رفض الملك العضوض لا يعني أبدا وقوفا عدائيا من بني أمية لأنهم بنو أمية! فمثل هذا الموقف لا يمكن تصنيفه إلا على قائمة التنطع والعنصرية.. فمن بني أمية معاوية بن يزيد الرجل الصالح التقي النقي رضي الله عنه الذي رفض أن يرث حكم المسلمين بقانون الوراثة وانسحب منها إلى الابد، ومنهم الحاكم المسلم الرائع النموذجي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي رد المظالم ونصح للأمة وأوقف شتم آل بيت النبي وطهّر بيت المال من أيدي اللصوص حتى قال كثير من المؤرخين إنه كان الخليفة الراشد الخامس بما أحدثه من انقلاب على نهج الملك العضوض كما كتب في ذلك الدكتور عماد الدين خليل..

وقبل هؤلاء جميعا منهم سيدنا ذو النورين عثمان بن عفان مجهّز جيش العسرة رضوان الله عليه ومنهم رجال كثيرون ونساء كثيرات أحسنوا لربهم ودينهم.

قد يسأل سائل: وما الموقف ممن يرفض الخلافة الراشدة؟ بل ما الموقف ممن يسيء إلى صحابة رسول الله ونسائه أمهات المؤمنين عليهم رضوان الله؟ وهنا نقول بوضوح إن الخلافة الراشدة لم تكن منصوصة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأشخاص معينين ولم يوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنص قطعي الدلالة لأحد من المسلمين بالإمامة، وإنما هي نصوص تحمل أوجها في التأويل.. ورغم ذلك التقى المؤوّلون على نظام سياسي واحد وأسهموا جميعا في بناء الخلافة.

 وهنا نقول لرافضي الخلافة الراشدة لستم على طريق أحد من صدر الإسلام وأنتم مخالفون لنهج الإمام علي كرم الله وجهه الذي كان في صميمها ثم كان إمامها بلا شك.. وفيما لا نقول بعصمة لصحابي، إلا أنه ينبغي أن لا يفهم من ذلك أن هناك تهاونا في ردع الجهلة السبابين الشتامين، وعلى الجميع أن يدرك أنه لابد من تعزير بعقوبة محددة لكل من يتطاول على صحابي على اعتبار أن ذلك جريمة يُحاسب من يقترفها بحكم القانون كما صدر بذلك قانون في إيران من قبل مرشد الثورة الخامنئي.. هناك فرقٌ كبير بين التحقيق في التاريخ والافتراء على التاريخ والكذب ثم السب والشتم..

أما أمهات المؤمنين والسيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما في المقدمة، فذلك خط أحمر لكل من تطاول على طرفها فله العقاب والإدانة والشجب.. وفي الوقت نفسه ينبغي أن لا يتورط أحد في تزيين باطل وبغي حصل، فلتُذكر الحقائق كما هي بعد التمحيص والتدقيق من دون مغالاة ولا تنطّع فلا يمكن أن نمر على مظالم وعدوان واضح دون إدانته والإشارة إليه أنه باطل.

وهنا لا يُعتدّ بكلام المشتتين لصف الأمة أولئك الذين لم يقفوا عند تأجيج الصراع بين السنة والشيعة بل وبين السنة أنفسهم بعناوين ما أنزل بها من سلطان.. ولا يعتدّ بكلام المتنطعين المدعين بأنهم شيعة آل بيت النبوة فيما هم يشتمون ويسبون كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فإن هؤلاء وأولئك من صنف واحد ومصدر تحريكهم واحد.

 أما الجهل المتعصب أو الجهل المركب على توجيهات من قبل الأعداء.. فكثير من المحطات التلفزيونية والإعلامية التي تبث سموم التفرقة تنطلق من تحت عباءة الاستعمار وفي عواصمه وكما قال الإمام الخميني: (الأيدي القذرة التي بثت الفرقة بين الشيعي والسني في العالم الإسلامي لا هي من الشيعة ولا من السنة.. إنها أيدي الاستعمار التي تريد أن تستولي على البلاد الإسلامية من أيدينا، والدول الاستعمارية، الدول التي تريد نهب ثرواتنا بوسائل مختلفة وحيل متعددة هي التي توجد الفرقة باسم التشيع والتسنن).. في الحلقة القادمة سأقف عند التجربة الرائدة من أجل توحيد أبناء الأمة من اتباع المذهبين الكبيرين والتقريب بينهم.. لمناقشة منهجها وأساليبها وآفاقها.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!