“الدا الحسين” مع بومدين!
تشاء الأقدار هذا العام، أن تتزامن ذكرى رحيل الرئيس الأسبق، هواري بومدين، مع وفاة رجل تاريخي آخر، وأحد زعماء الثورة، الحسين آيت أحمد، لتنطفئ شمعة أخرى في شمعدان التاريخ، وتسكت “علبة سوداء” أخرى، لم تفتح نفسها، ولم يفتحها غيرها.
غدا، 27 ديسمبر، هي الذكرى الـ37 لوفاة محمد بوخروبة، “الموسطاش” الذي سكن في مرحلة من مراحل الجزائر المستقلة، قلوب الجزائريين، حتى وإن لقي “معارضة صامتة”، تطوّرت بعد رحيله، إلى “علنية” من طرف قلة من التاريخيين والسياسيين والاقتصاديين!
قدر الجيل الجديد للجزائريين، أن رجالات الثورة و”شهود التاريخ”، يكادون ينتهون، في صمت، وهذا هو المثير والخطير، لكن الأخطر، أن يلتزم هؤلاء “واجب التحفظ”، ويُضربون عن الكلام، وعن إبداء شهاداتهم، وكلّ ذلك لأسباب وظروف يعرفها أصحاب الشأن جيّدا!
“الدا الحسين” آخر الراحلين، من “جيل الثورة”، وقبله كان قد رحل بومدين وبوضياف وبن بلة وكافي والشاذلي وبن خدة وبيطاط، وغيرهم من “آخر الثوار” ممّن صنعوا التاريخ وشاركوا في نيل الاستقلال، لكن هناك أطيافا من “جيل الاستقلال”، لا يعرفون إلاّ القليل عن هؤلاء الرجال، أو ما يعرفونه عنهم، قرأوه في حفنة كتب ومؤلفات!
“جيل الاستقلال” لا يتحمّل المسؤولية، وربما حتى “جيل الثورة” لا يتحمّل كذلك وزر هذه المعضلة التي تضربنا في العمق، ولذلك، اختلفت الروايات وتضاربت الشهادات، وبلغت في أشواط منها، إلى حدّ التنابز والتبارز والتراشق بالتهم، بما أظهر وجها آخر لأولئك العمالقة، وأساء لبعضهم، على ألسنة وأقلام البعض الآخر منهم!
لا يُمكن أبدا إخفاء التاريخ إلى الأبد، ودفنه مع الموتى والشهداء والمجاهدين، الذين ساهموا في صناعته بالسلاح والسياسة والمواقف الثورية الخالدة، وها هو رحيل حسين آيت أحمد، الثوري المعارض، وزعيم الأفافاس، الذي اختار اللجوء الاختياري، يُضاف إلى سلسلة من المغادرات التي أضرّت بمرآة الجزائريين وأحيانا كسرتها فكسرت القدرة على رؤية ما حدث في الماضي الحديث!
الذين عرفوا بومدين، يُحيون ذكرياته الجميلة، كلما عاد الـ27 ديسمبر، ويتذكرون كيف كان الصغير قبل الكبير، يفرّ هاربا إلى البيت لمتابعة خطاب الرئيس، ومن هؤلاء الأوفياء، من مازال إلى اليوم يحتفظ بصورة “الموسطاش”، وهذا نموذج فقط، لمختلف الشخصيات الراحلة، فلكل منها مؤازرون ومدافعون ومتضامنون، فقد ماتوا، لكنهم أحياء في القلوب!
رحم الله آيت أحمد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان.. الدعوى أيضا لبومدين في ذكراه، ولكلّ الزعماء والقادة، الذين “عاشوا ما كسبوا، ماتوا ما خلاو”.