-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الرئيس السّابق.. وبداية الشوط الثاني

الشروق أونلاين
  • 875
  • 0
الرئيس السّابق.. وبداية الشوط الثاني
ح.م

ليلة الثلاثاء الثاني من شهر أبريل 2019، الموافق للسادس والعشرين من رجب سنة 1440، وفي تمام السّاعة السابعة وخمسين دقيقة قرّر رئيس الجمهورية الجزائري السيّد عبد العزيز بوتفليقة تقديم استقالته لرئيس المجلس الدستوري بإخطاره رسميّا أنّ عهدته قد انتهت، وشاءت الأقدار أن تتزامن استقالته مع ذكرى الإسراء والمعراج. وقبل أن يُودِع الرّجل الذي حكم الجزائر عشرين عاما رسالة التّنحية بين يدي رئيس المجلس، كانت الجماهير قد سبقته إلى السّاحات العامّة معلنة سعادتها بتحقيق الخطوة الأولى على طريق الألف ميل.

ـ باتت الجزائر، لأوّل مرّة، منذ عشرين عاما، بلا رئيس.

ـ وبات الشّعب في السّاحات العموميّة محتفلا بباكورة غرس الحراك.

ـ وبات “صنّاع القرار” يخطّطون لما بعد الضّربة الأولى.

ـ وتحدّث ألف محلّل عن الحراك، وإرادة الشّعب، وقوّة الاحتجاج السّلمي، وصلابة الجيش الوطني الشّعبي الذي انحاز إلى شعبه ضدّ من سماهم بـ”العصابة”.

ـ وانبهر العالم بما يحدث في جزائر المعجزات (نهاية رئيس أسطورة بستّ مليونيات سلميّة..)

ولكنّ الغريب الذي لم يجد له أحدٌ تفسيرا، هو “روح” هذا الحراك: من حرّك هذه الجماهير كلها، بهذا التّنظيم والإبداع والتآزر والكرم والتّوقيت والشّعارات والهتافات.. بغير رأس ولا لسان ولا تفاوض ولا استجابة لتنازلات السّلطة؟ من جنّبه خطرَ الوقوع في محاولات الاستدراج إلى العصيان المدني أو التصادم مع قوات الأمن؟ من ألهمه التوجّه المباشر إلى المؤسّسة العسكريّة بغريزة “الهمّ المشترك”. فقد كان الشّعب يبحث عن ملاذ آمن لا يسرق حراكه، وكانت قيادة الأركان تبحث عن شعب يقظ صامد يعرف أنّ نقطة الالتقاء بينهما تكمن في التّعاون على زحزحة كابوس مشترك، هو “إسقاط الخامسة”. ثمّ العمل ـ بعد ذلك ـ على رسم خطط المستقبل في أطر دستوريّة للخروج الآمن من ظلمة النّفق، وطيّ صفحة طويلة من الإساءة للوطن والأمّة وكرامة المواطن التي حوّلتها البطانة إلى مسخ بلغ حدّ “عبادة كادر” يحضُر نيابة عن الرّئيس، ويترشّح نيّابة عنه، وهو غائبٌ في مشفاه وراء البحر.. ويقول لنا المتعصّبون لفخامته: ما شأنكم أنتم في مرشّحنا؟ نرشّحه صحيحا ومريضا، ونصوّت عليه حيّا وميّتا.. فنافسونا أنتم بمرشّحكم!

كانوا على مثل اليقين أنّ فارسهم فائز، بلا برنامج، ولا حملة انتخابيّة، ولا مشاركة، ولا تصويت.. يكفي فقط أن تقبل بعض الأرانب الدخول معه في السّباق لتكون العمليّة شرعيّة، والبقيّة يتولاّها “طيور الليل” في لعبةٍ سمجة تحوّلت إلى رياضة وطنيّة تتكرّر في كل موعد انتخابي، على نحو أفقد السياسة حافزها، والنضال دافعه، والاقتراع غايته السّاميّة، في اختيار أفضل الرّجال وأقدرهم وأكفئهم، وأكثر البرامج قدرة على تحقيق العدل والرّفاه والمساواة بين المواطنين وتحسين الخدمات والارتفاع بمستوى الدّخل الفردي.. فالذي تمّ تكريسه، بعد أوّل انتخابات تعدّدية زمن الجبهة الإسلامية للإنقاذ سنتيْ 90 و91 من القرن الماضي، هو نهاية عهد بالشّفافيّة، ليصبح التّزوير بعدها “مصلحة وطنيّة”! لأنّ “عصابة تزوير” نشأت على ريوع المحروقات، فصارت تعتقد أنّ الجزائر ملكيّة خاصة بها، فهم وحدهم أصحاب الوطن، وهم وحدهم الوطنيّون المخلصون، وهم من يعرف مصلحة الوطن.. وغيرهم “متعاونون فنّيون” لا حقّ لهم إلاّ في الحدّ الأدنى من العيش، أما الجزائر فملكيّة “المجتمع المفيد”.

هؤلاء القوم هم الذين صنعوا مآسي الجزائر باستحواذهم على الثّروة والسّلطة، وتحويل الوطن إلى مزرعةٍ خاصّة لها واجهة يراها المواطن ولا يعرف ما يجري في السّرايا، فكلّ شيء يُسيَّر بالغموض إذا كان الوطن في بحبوجة، فإذا تأزّمت الأوضاع غادروا، بغير عودة، إلاّ إذ استدعوا إلى مهام أخرى. وبعضهم يعود وحده ويترك أسرته في محلّ إقامته وراء البحر، فإذا حزبته الخطوب طار على أول رحلة من أرض “الوطن الأمّ” إلى الوطن البديل بانتظار دعوة توجَّه له مرّة أخرى للركوب والحلْب مادامت ضرع بقرة النّفط والمحروقات مدرارا، فإذا صوّح الزّرع وجفّ الضّرع استخرج جواز سفر بديل وتحدّث بلسان جنسيّة أخرى واتّهم الشّعبَ الجزائري بما لا يليق ذكره.

هذا الشّعب الذي استقال من السياسة وكره السياسيين، وأغلق كل المنافذ ذات الصلة بالانتخابات، وأدرك ـبعد تجربة مؤلمةـ أنّ الاقتراع لم يعد طريقاً للتّغيير، وأنّ النّضال الحزبي تعَبٌ ولهو ولعب.. وأن ” اللعبة مغلقة” حتّى لو صوّت معك يأجوج ومأجوج، وأنك أمام واحد من خياريْن:

ـ إما أن تنخرط معهم على أمل أن تغيّر من داخل النّسيج بعض ألوان خيوط الرّداء المتهالك الذي لا ينفع معه التّرقيع، لكثرة ما فيه من فتوق..

ـ أو اعتزال الشّأن العام والعضّ على أصل شجرة وانتظار معجزة تتنزّل على الأمّة من السّماء.

خلال عشرين عاما، أو أقلّ من ذلك بقليل، استقال الشّعب من العمل السياسي والنّقابي والحزبي والجمعوي.. وقاطع المواعيد الانتخابيّة وفضّل مراقبة حركة الحياة عن بُعد، فترسّب في لاشعوره إحساسٌ بالإفلاس، والضّياع، والهوان، والاحتقار، وفقدان الأمل.. حتّى صارت “الحرقة” هي السبيل الوحيد للفرار من وطن تحوّل ـ في نظر كثير من الشباب ـ إلى سجن كبير، لا مستقبل فيه لشاب يحلم بالعمل والسّكن والزّواج والسيارة والعيش الرّغيد.. ويكره أن يُحتقَر في وطنه أو أن يُعيّر بما لم تقترفه يداه. ولم يطُل الانتظار؛ فقد صنعت الأقدار من “العهدة الخامسة” عدوّا مشتركا لجميع من مسّتهم المهانة وشعروا بأن وطنهم يُسرق، وأنّ مستقبل أبنائهم يوأَد، والآفاق يتمّ سدّها يوما بعد يوم حتّى صار الاعتقاد السّائد في ثقافة نهازي الفرص: أنّه لا يوجد في الجزائر كلها سوى رجل واحد: هو عبد العزيز بوتفليقة، والبقية أصفار على الشّمال.

وفي لحظة لم يحسب لها أحدٌ حسابا، زحفت الجماهير على السّاحات العامّة، فتوحّدت المشاعر والعواطف والهتافات والغاية.. وتوالى سقوط أحجار الدّومينو.. إلى أن ناطحت قيادةُ الأركان رأسَ الهرم، فأعاد التاريخ كتابة جملة رائعة سقطت من دفتر ثورة التّحرير المباركة مفادها: إذا التحمت إرادة الشّعب بإرادة الجيش هدّت الجبال. وإذا تآخى الحراكُ مع قيادة الأركان سقطت الأوثان؛ ففي ستّ جُمعات أدركت قيادة الأركان أنّ إرادة الشّعب من إرادة خالقه (جلّ جلاله)، وأنّ الحراك في تصاعد عددي ونوعي، وأنه مصمّمٌ على قلع جذور من سمّاهم “العصابة”، فجاءه رجعُ الصّدى من وزارة الدفاع في خمس جمل تشبه الأوامر القتاليّة:

ـ نقف مع الشّعب حتّى تتحقّق مطالبه كاملة.

ـ لا مجال لمزيدٍ من تضييع الوقت.

ـ لا يمكن السّكوت عن عصابة تمتهن الغشّ والتماطل والتّحايل والنّهب..

ـ مباشرة تفعيل المادة: 102 وأختيها 07 و08 من الدستور.

ـ الأشخاص إلى زوال والوطن باق.

فاز الحراك، في الجولة الأولى، أمام جمهوره بأربعة أهداف نظيفة لفائدة تصفيّات كأس “الجمهوريّة الجديدة”، وأقصى لاعبين كبارا من المنافسة الوطنيّة، لأنّ فريقه كان منسجما، وجمهوره كان مليونيّا، واصطفافه مع المؤسّسة العسكريّة سمنًا على عسل.. لكنّ الجولة الثّانيّة ستكون طويلة، لأنها جولة بناء جديد، بتصوّر مُبدع، وبرعاية شعبيّة لا تقبل بأقلّ من التّغيير الجذري الذي لا تشاركه فيه الوجوه القديمة، ولا مكان فيه لمن استخفّ بإرادة الشّعب.

مفهوم “العصابة” عند الحراك وعند المؤسسة العسكريّة ليس واحدا؛ فقيادة الأركان تمتلك القائمة الاسميّة لمن سمّتهم “عصابة” تضمّ مجموعة من الأشخاص يعملون على إطالة عمر الأزمة لمصالح شخصيّة، ويقومون بعمليّات نهب وتبديد ثروات الأمة وتهريب الأموال والفرار إلى الخارج..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!