-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مقطع خيرة.. مذابح عشوائية وسط القذارة

الرخلة والماعز بديل الجزائريين على موائد رمضان

نادية سليماني
  • 4870
  • 0
الرخلة والماعز بديل الجزائريين على موائد رمضان
الشروق

تدافع على لحم “الرخلة” والماعز.. وطوابير على الدّجاج الحي، وتدافع على خضر وفواكه الحقول.. أمّا من استطاع الظفر بمكان ركن لسيارته، فذلك من المحظوظين.. هي يوميات منطقة مقطع خيرة، خلال كل رمضان. والمميز هذا العام، أن التدافع والإقبال كان كبيرا جدا وعلى غير العادة، وبشهادة التجار وأهل المنطقة، إذ يبدو أنّ غلاء اللّحوم في القصابات وانهيار القدرة الشرائية، جعل الجزائريين في رحلة بحث عن “منفذ للزوالية” قد يضمن لهم تمضية رمضان في أريحية.

الماعز و”الرخلة” بـ 1200 دج والدجاج بـ330 دج

“مقطع خيرة”.. بقعة بيع فوضوية تحوّلت إلى منطقة تجارية بامتياز.. يتدافع عليها المواطنون مع أوائل أيام رمضان من كل سنة، قادمين من الولايات القريبة، الجزائر العاصمة وتيبازة وعين الدفلى والبليدة.. والكل يُمني نفسه بالظفر بقطع لحم طازجة بأسعار مناسبة.
جزائريون يقطعون كيلومترات عديدة يبحثون في ضواحي المدن الكبرى عن منفذ أمل، قد يعينهم على ملء القفة بسعر يناسب قدرتهم الشرائية المنهارة في ظل غلاء الأسعار.

الزحمة المرورية تبدأ من منطقة تسالة المرجة
الدخول إلى منطقة مقطع خيرة ببلدية دواودة، في أولى أيّام رمضان، بمثابة المغامرة الكبرى.. إذ غادرنا ولاية الجزائر العاصمة صباحا، بأريحية، وبطريق مفتوح نسبيا.. لكن، بمجرد أن وطأت أقدامنا منطقة تسالة المرجة، صادفتنا زحمة مرورية خانقة جدا.. بالكاد تتحرك السيارة نصف متر وبشق الأنفس.. خرجنا من المنطقة.. وفي ظل حركة مرورية خانقة، شغلتنا عنها رؤية مظاهر الفتيات البائعات، اللواتي نصبن طاولاتهن مع أول يوم رمضاني على حواف الطريق، وهن يعرضن “المطلوع” الساخن وأكياس “الشاربات”.

انتشار ذبائح مجهولة.. على طول الطريق
وغير بعيد عنهن، أشخاص نصبوا شبه خيم ببضعة أعمدة خشبية، تتوسطها نعجة أو “رخلة” أو معزة مذبوحة، معلقة في الهواء الطلق، فترى السائقين يطلون من نوافذ مركباتهم مستفسرين عن نوعية “الذبيحة” وسعر الكيلوغرام وقلّة من تنزل للشراء، لأن مقصدهم الرئيسي هو منطقة “مقطع خيرة” غير البعيدة.

الدجاج الحي بين 270 دج و330 دج
واصلنا الطريق، ولاحت لنا من بعيد طوابير لمواطنين، وسيارات متوقفة على جانب الطريق.. إنها مستودعات بيع الدجاج الحيّ ومعها بضعة سراديك “عرب”، وكانت أسعارها في المتناول.. إذ لا يتعدى سعر الكلغ 330 دج للدجاجة العادية، أما الكبيرة في السن، وكما يقال عنها بالعامية “الشارفة”، فبـلغ سعر الكلغ منها 270 دج..

خضر وفواكه الحقول في المتناول.. و”المضاربون” حاضرون
وغير بعيد عنهم، تهافتت العائلات على شراء الخضر والفواكه الطازجة، التي يعرضها أصحابها في طاولات بعد جنيها مباشرة من الحقول، وحقيقة كانت أسعارها في المتناول، وهي أقرب إلى أسعار الجملة أحيانا، فسعر برتقال العصير 60 دج، البسباس 25 دج، الطماطم 80 دج، الثوم “يابس” 400 دج للكلغ، الفول 40 دج..
أمّا أصحاب طاولات أخرى، فحاولوا “الاستثمار” في الإقبال الكبير للمواطنين، ورفعوا أسعارهم بصورة كبيرة، فاقت حتى أسعار التجزئة بالمدن.. إذ شاهدنا رجلا من الجزائر العاصمة في نقاش حاد مع بائع كان يعرض خضره بأسعار قاربت 200 دج للكوسة و100 دج للبسباس، وقال له المواطن: “كنت أتسوق صباحا في سوق لعقيبة ببلكور، وكانت الأسعار منخفضة جدا.. أنتم تسرقون المواطنين مستغلين لهفتهم”.

ساعة من الزمن لقطع 50 مترا بمدخل “مقطع خيرة”.!
بضعة أمتار تفصلنا عن الدخول إلى مقطع خيرة، قد لا يستغرق قطعها دقائق معدودة فقط، لكننا قطعناها في قرابة ساعة كاملة من الزمن، لأن الزحمة كانت خانقة جدا، والعائلات قادمة من كل مكان. وسعيد الحظ من يظفر بمكان لركن سيّارته وسط الأوحال والأتربة ودماء المواشي المذبوحة المختلطة بمياه الأمطار.
وهي الظاهرة التي استغلها الشباب القاطنون بالمنطقة، لتنصيب أنفسهم حراس “باركينغ” بمبلغ 50 دج، ويا ليتهم تمكنوا من تنظيم السيارات والشاحنات الكثيرة. فالركن كان بطريقة عشوائية ومعرقلة للغير، المهم أن تظفر بمكان وكفى.

البائع يذبح.. والمواطنون يحجزون وينتظرون
بعدها ينتشر الرجال المصحوبون بزوجاتهم وحتى أبنائهم على طول عشرات محلات بيع اللّحوم، بمقطع خيرة، فالبعض رأيناهم متجمعين حول رجل يذبح “رخلة “، وكل واحد حجز جزءا من لحمها.. وتتعالى صيحاتهم: أنا حجزت الكتف، وآخر: الأحشاء، والثالث يصيح: لا تنسني في الفخذ.. وينتظرون بصبر “غريب” انتهاء عملية الذبح والسلخ لأخذ حاجتهم بسعادة.

غلاء اللحوم ينتقل إلى مقطع خيرة!!
وما لاحظناه، أنّ الأسعار لم تكن في المتناول، مقارنة بالزحمة الكبيرة عليها، فلحم النعجة الذي كان يتراوح ما بين 900 دج إلى 1000 دج، قفز إلى 1200دج، لحم الخروف بين 1600 دج إلى 1700 دج، وهي نفس الأسعار بالمدن الكبرى. لحم الماعز 1200 دج. وكان الطلب عليه كبيرا بمقطع خيرة، ولحم البقري ما بين 1400 دج و1500 دج.
أما الأحشاء، التي كانت تنظف في المحل، فتراوحت أسعارها ما بين 700 دج و900 دج، و”البوزلوف”، الذي يشوط بالمكان وعلى أفران صغيرة، مشتعلة، فوصل سعره إلى 1000 دج.

تجّار يبيعون لحم “النعجة” على أنّها “رخلة”!
ويستغل بعض الباعة في مقطع خيرة جهل بعض المواطنين بنوعية اللحوم، فيبيعونهم لحم “نعجة” على أنه “رخلة”، إذ شهدنا شجارات وملاسنات بين زبائن وباعة، يشككون في نوعية الذبيحة.
وبالمقابل، يوجد باعة بالمكان مشهود لهم بالنزاهة والصدق، ومنهم عمي “بن عيسى”، الذي يقصده المواطنون من كل مكان، لثقتهم في لحومه.
وعلى بعد عشرات الأمتار، السوق البلدي المغطى، الذي يبيع بدوره لحوم الذبائح بمختلف أنواعها. والغريب، أنّ إقبال المواطنين كان قليلا جدا على المكان، لا ندري السبب؟ رغم أن المكان مهيأ ونظيف، وحتى الأسعار متشابهة. حيث وصل سعر لحم الرخلة أو كما يسميها الباعة “نعجة مش والدة”، 1200 دج للكلغ.

الأمطار تُحوّل المكان إلى بركة مياه وأوحال
وتسبّبت الأمطار المتهاطلة خلال اليومين الأخيرين، في تحويل مقطع خيرة إلى بركة كبيرة من المياه والأوحال، التي جعلت المواطنين يسيرون بحذر، وجميعهم نالوا نصيبهم من الأوحال وحتى السقوط أحيانا، بسبب الأرضية الزلقة. وزادها جريان وديان حمراء من دماء الذبائح، لغياب قنوات صرف وبسبب الذبح العشوائي، ما جعلها تختلط بفضلات الأحشاء، فشكلت رائحة مُنفرة ومقززة جدا، ما جعل بعض المتسوقين يغلقون أنوفهم أثناء الشراء.
واستغرب الجميع عدم اهتمام وتهيئة السلطات المحلية للمكان، عن طريق تزفيت الطرق، وتخصيص أمكنة للذبح وركن السيارات، خاصة وأن المنطقة تتحول مع كل رمضان إلى منطقة تجارية بامتياز. مع رفع أكوام القمامة التي شكلت جبالا بالمنطقة، وغالبيتها تضم عظام المواشي وفضلات الأحشاء و”الهيدورات”، فتخيل حالتها عندما تطل فوقها شمس محرقة..!!
عند مغادرتنا المكان، أكد لنا شاب من حراس الباركينغ، أن منطقة مقطع خيرة، أياما قبل رمضان، كانت شبه مهجورة إلى درجة كان “أصحاب المحلات يتوسلون المواطنين للشراء”، على حد وصفه. وهو ما جعله يستغرب هذا الإقبال “المهول” للمواطنين، وكأن “اللحم يوزع مجانا”، وقال: “ارجعوا إلى المكان بعد مضي أسبوع من رمضان، وستلاحظون الفرق.. تناقص كبير للوافدين، وتراجع الشراء، لأن الجميع اشتروا اليوم ما يكفيهم لمدة 15 يوما أو شهرا كاملا”، واصفا الظاهرة بـ “اللهفة الكبيرة للمواطن، مع بداية رمضان”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!