الرسالة الوحيدة التي وصلتني!
وصلتني ليلة 05 جويلية رسالة وحيدة من صديق عزيز ابن شهيد، دأب على إرسالها إلي في كل مناسبة وطنية.. وحده وليس هناك غيره مَن يُرسِل إلي مثلها. نص هذه الرسالة يقول: “المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، اللهم ارحمهم وأسكنهم فسيح جناتك”. وحده مَن لا ينسى في خضمِّ هذه الانشغالات تذكيري بالترحم على أرواح الشهداء عبر الرسائل النصّية في كل مرة.
كلنا نرسل الرسائل إلى بعضنا البعض بمناسبة وبغير مناسبة، ولكننا لم نفكر قطّ في تذكير بعضنا البعض في مثل هذه المناسبات الوطنية بفضل الشهداء علينا وبالحد الأدنى الذي ينبغي أن نقوم به تجاههم: الدعوة لهم بالمغفرة والرحمة، في سر والعلن، بعيدا عن كل تلك البروتوكولات الاحتفالية، وكل تلك التهاني الرسمية أو تلك الرسائل التي تُقرأ هنا وهناك عبر وسائل الإعلام المختلفة، وكادت تُصبح نسخة لبعضها البعض.
نحن الجزائريين، أفرادا، بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية، وبعيدا عن الرسميات، أصبح لزاما علينا أن نتذكر ونُذكِّر بعضنا البعض بتضحيات هؤلاء الذين مكّنونا من حرية غالية لم نقدِّرها حق تقدير، ومن بلد شاسع مثل الجزائر لم نعرف كيف نجعل منه جنة فوق الأرض. ومن ثروات طائلة لم نُحسن استغلالها.. بل ومن قدوة في التضحية لم نسر على دربها.
اليوم، نحن منشغلون بمشكلاتنا اليومية، بقضايا لم تكن أبدا اهتماما رئيسا من اهتماماتهم، غارقون في حساباتنا الضيِّقة التي لا تنتهي، غير قادرين على التفكير الجماعي في مستقبل بلدنا.. يهمُّنا سقوط فلان أو صعود الآخر، أكثر ما يهمُّنا سقوط الوطن أو صعوده… قليلون هم مَن يهمهم اليوم أن تكون لبلدنا غايات استراتيجية كبيرة تُضاهي الغاية التي ضحى من أجلها الشهداء.. قليلون هم مِمَّن بقيت تُراودهم فكرة حب الوطن والتضحية من أجله، والعمل من أجل سعادة الآخرين بصدق وإخلاص.
وهؤلاء هم مَن ينبغي أن يمنحونا الأمل في المستقبل.
هذه الفئة القليلة التي لا تزال تُذكِّرنا بتضحيات الشهداء من تلقاء نفسها، ومن غير بروتوكولات رسمية، هي التي ينبغي أن نعقد عليها العزم لبناء بلدنا. في أي مكان كانت ينبغي أن نُعيد إليها الاعتبار لتنهض بهذا الوطن.
إننا اليوم، مثل الأمس تماما، وقبل أكثر من نصف قرن من الزمان، بدل أن نغرق في اليأس من المستقبل، علينا أن نَتَّحد لأجله، بدل التشتت حول أهداف فردية واهية ينبغي أن نُعيد رسم أهداف استراتيجية كبيرة لبلدنا… الجزائر أكبر من أن تكون غايتها بناء سكنات أو تركيب سيارات أو محاربة جماعة المخدرات. بلدنا ينبغي أن يكبر طموحُها إلى مستوى تضحيات شهدائها، وألا تبقى رسالة صديقي مبادرة فردية وحيدة منه، بل علينا جميعا أن نرفع أيدينا إلى السماء ونقول بلا تردد: رحم الله الشهداء وإننا لكم أوفياء… وشكرا لك صديقي على هذه الرسالة الوحيدة، وكل عام والجزائر بألف خير.