-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قطعان ماعز وأغنام منتشرة في المناطق المتضررة

الرّعي المبكّر في الغابات المحروقة يهدّد تجددها الطبيعي

نادية سليماني
  • 101
  • 0
الرّعي المبكّر في الغابات المحروقة يهدّد تجددها الطبيعي
ح.م
تعبيرية

بعد أن التهمت النيران مساحات واسعة من الغابات، بدأت الطبيعة تستعيد تدريجيا اخضرارها، فبين جذوع الأشجار المتفحمة وتحت طبقات الرماد، أخذت براعم خضراء صغيرة تشق طريقها نحو الضوء، معلنة على تجدد دورة الحياة الغابية القادرة على استعادة نفسها، ولو ببطء.
غير أن هذا التعافي الطبيعي الهش بات يواجه خطرا جديدا قد لا يأتي هذه المرة من ألسنة اللهب، وإنما من قطعان الماشية التي تدخل إلى المناطق المحروقة بحثا عن الكلأ، فتقضي على البراعم الصغيرة قبل نموها.
فالماعز والأغنام، التي تجد في الأعشاب والنباتات الغضة غذاء سهلا، يمكن أن تلتهم البراعم والأغصان الفتية التي تمثل النواة الأولى لتجدد الغطاء النباتي، كما أن حركة القطعان فوق التربة الهشة قد تعرقل نمو النباتات وتزيد من تدهور الأراضي المتضررة. وتصبح المخاوف أكبر عندما يتعلق الأمر بالماعز، المعروف بقدرته على الوصول إلى الأغصان والنباتات الصغيرة.
وبين حاجة المربين إلى توفير المراعي لماشيتهم وضرورة حماية الغابات المحروقة، تبرز أهمية تنظيم الرعي ومنع دخول القطعان إلى المناطق المتضررة خلال فترة التعافي، حتى تمنح الطبيعة فرصة لاستكمال مهمتها واستعادة خضرتها. فالغابة التي نجت من النار قد لا تنجو من الرعي الجائر.
وبحسب الصور والفيديوهات المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، أطلق بعض المربين قطعانهم للرعي داخل المناطق المحروقة، وشرعت القطعان في التهام كل ما تصل إليه من براعم صغيرة ونباتات بدأت تتجدد من تحت الرماد. فالغطاء النباتي بهذه المناطق لا يزال هشا ويحتاج إلى الحماية حتى تستعيد الأرض والغابة عافيتها.
وفي الموضوع، حذرت هدى سميرة جعفري، خبيرة ومستشارة في القطاع الزراعي، من هذه الممارسة، مؤكدة أن القضية لا ينبغي أن تطرح بمنطق المنع فقط، وإنما من خلال معادلة متوازنة تحمي الغابة من جهة، وتحمي المربي الذي فقد جزءا من موارده وحظيرته ووسيلة إنتاجه بسبب الحرائق من جهة أخرى.
وأوضحت الخبيرة أن ظهور الحشائش والبراعم الجديدة بعد الحريق يعد مؤشرا على بداية التجدد الطبيعي، لكنه لا يعني أن المنطقة أصبحت جاهزة للرعي.
وأشارت إلى دراسة علمية أجريت في شمال شرق الجزائر على 729 شجرة من البلوط الفليني، بحيث أن نفوق الأشجار بلغ 44 بالمائة في نهاية السنة الثانية، قبل أن يرتفع إلى 53 بالمائة بين السنة الثانية والخامسة، خاصة في المواقع التي عرفت ضغطا رعوية مرتفعا.
كما أظهرت الدراسة تأثيرا سلبيا للرعي على نمو البراعم القاعدية التي تحتاجها الأشجار لاستعادة قدرتها على التعافي، ما يجعل الرعي المبكر والمكثف خطرا على الغطاء النباتي في مرحلة شديدة الحساسية.
وبحسب محدثتنا، لا يتوقف الخطر عند الأشجار، إذ إن حركة القطعان فوق التربة المتضررة من النيران يمكن أن تزيد من تدهورها وانجرافها، خصوصا بالمناطق المنحدرة ومع بداية موسم الأمطار.

حتى الحيوانات في خطر
وتلفت جعفري، إلى أن الرعي داخل المناطق المحروقة لا يمثل خطرا بيئيا فقط، بل قد يشكل تهديدا لصحة الحيوانات أيضا. فقد تبتلع المواشي الرماد أو بقايا مواد محترقة، خاصة في حال شملت النيران منشآت أو مواد بلاستيكية ومخلفات مختلفة، كما قد تتعرض لتهيج في الجهاز التنفسي نتيجة استنشاق الغبار والرماد.
وقد تواجه القطعان كذلك مخاطر الجروح بسبب الجذوع المتفحمة والأغصان الحادة، أو اضطرابات غذائية نتيجة الاعتماد على نباتات جديدة وغير مألوفة، فضلا عن نقص الماء والعلف والمعادن، وفقدان مصادر الظل والحماية.
وتشدد الخبيرة على أن اللون الأخضر وحده لا يكفي للحكم على سلامة المرعى، بل ينبغي تقييم النباتات والمياه والتربة وشدة الحريق ومصادر التلوث المحتملة والحالة الصحية للقطيع.

القانون يمنع الرعي في المناطق المحروقة
وتؤكد جعفري أن الإطار القانوني واضح في هذا المجال، حيث ينص القانون رقم 23-21 المتعلق بالغابات والثروات الغابية على تنظيم الرعي في الملك العمومي الغابي، كما تمنع المادة 75 الرعي في المناطق المحروقة وفي القطع التي تخضع للتجديد الطبيعي، ضمن الحالات المحددة قانونا.
وبالتالي، فإن إطلاق القطعان داخل الغابات التي احترقت حديثا لا يمكن التعامل معه باعتباره ممارسة رعوية عادية، بل يجب احترام فترة الحماية والتقييم قبل إعادة فتح أي منطقة أمام الرعي.
وترى الخبيرة أن المنع وحده ليس حلا، لأن المربي المتضرر يحتاج إلى بدائل حقيقية، خاصة إذا فقد الحظيرة أو المرعى أو جزءا من قطيعه.
وتقترح في هذا السياق توفير دعم علفي انتقالي، وتهيئة مراع بديلة آمنة، وتوفير المياه، وتسريع تقييم وتعويض الخسائر، إلى جانب وضع مخططات محلية لتدبير الرعي بمشاركة مصالح الغابات والفلاحة والسلطات والمربين.
كما تشدد على أن التعويض بالمواشي وحده لا يكفي، لأن إعادة القطيع دون إعادة بناء الحظيرة وتوفير الماء والعلف قد تدفع المربي إلى بيع المواشي أو إطلاقها في مناطق محظورة.
وتدعو جعفري إلى عدم اعتماد تاريخ موحد لإعادة فتح المناطق المحروقة أمام الرعي، وإنما إخضاع كل منطقة لمعاينة ميدانية تدرس درجة احتراقها، ومستوى التجدد الطبيعي، وكمية العلف، واستقرار التربة، وطبيعة التضاريس، والحالة الصحية للقطيع والحمولة الرعوية الممكنة.
وبناء على ذلك، يمكن تصنيف المناطق إلى أخرى حساسة يمنع فيها الرعي، ومناطق قابلة للرعي المحدود والمراقب، وأخرى ذات قدرة رعوية يمكن استغلالها وفق شروط علمية وقانونية.
وتخلص الخبيرة، إلى أن حماية الغابة وحماية المربي “ليسا هدفين متعارضين، وإنما يتطلبان إدارة متكاملة لما بعد الحرائق، تجمع بين استعادة الغطاء النباتي وحماية التربة، وضمان صحة الحيوانات، ودعم المربين وإعادة بناء وسائل إنتاجهم، حتى لا تتحول مرحلة تعافي الغابة إلى بداية لخسائر جديدة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!