السياسة العالمة
ذكر الأستاذ مالك ابن نبي – رحمه الله – في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” أن السيد شوان لاي، رئيس وزراء دولة الصين الشعبية، حضر مؤتمر باندونغ في 1955 في أندونيسيا، ووقف خطيبا أمام الحاضرين فقال متحدثا عن سياسة بلاده: “إن سياستنا لا تخطئ، لأنها علم”.
نحن – بصفتنا مسلمين – لا نؤمن إيمانا مطلقا بمقولة شوان لاي؛ ولكننا نؤمن يقينا بكلام رسول الله – عليه الصلاة والسلام- القائل في حديثه الصحيح: “كل بني آدم خطاءون”، وأنه لا يحيط بكل شيء علما إلا الله، الذي وسع كل شيء علما.
إن ما يعنيه رئيس وزراء الصين هو الخطأ النسبي، الذي هو من طبيعة البشر العاديين، وهو هامش معقول للخطإ في كل مخطط ومشروع.
إن الدارس لمسيرة الصين الشعبية على مدى ستين سنة يستيقن أن شوان لاي لم يكن “يبرّح” في “هملة انتخابية”؛ وإنما كان يتكلم كلام رجل دولة مسئول، يعرف ما يقول حتى لا يصير سخرية الساخرين وهزء المستهزئين في الداخل والخارج..
لقد كانت دولة الصين عندما صرح مسئولها الأول عن تنفيذ سياستها التنموية تبيت يقظى للتفكير في توفير “صحن من الرز” أو “رغيف من الخبز” لكل فم من تلك الملايين من الأوفاه، التي كان الغربيون يسخرون منها، ويسمونها “النمل الأزرق”… فإذا بتلك الدولة بعد ستين سنة من التخطيط العالم المحكم، والتنفيذ الصارم يصير ذلك “النمل الأزرق” “مجتمعا عملاقا”، يصغي إليه عماليق العالم قبل أن يصرح بكلمة..
لم يقل شوان لاي إننا نمثل نسبة كذا من سكان العالم، ولم يقل إننا نملك كذا وكذا من ثروات العالم، ولكنه نسب نجاح سياسة بلاده إلى أمر عظيم عند كل الشعوب الحية، هو العلم، الذي هو أهون الأمور وأحقرها عند سرّاق الحكم عندنا، وهو العلم.
إن ما سمعناه – نحن الجزائريين- منذ استرجاع الاستقلال إلى يومنا هذا هو جملة عهد بها كل حاكم متسلط علينا إلى خلفه، وهي: “ما نحتاجوش اللّي يعطينا دروس”.. وهم كما صرح الأخ علي يحي عبد النور لا يملك أمثلهم “نيفو” الثانوية العامة.. ولهذا لم “يكسروا” رؤوسهم بالتفكير والتخطيط؛ وإنما جاءهم “فيلسوفهم” الكبير بمبدإ “المفتاح في اليد”، فمارسنا بذلك ما سماه الأستاذ ابن نبي “سياسة التاجر”، بدلا من أن نتصرف – كما قال- تصرف “التلميذ” أمام المعلم، حيث سيصير هذا التلميذ بعد أمة معلما.. ولهذا لدغنا من جحر واحد أكثر من مرة..
وبسبب هذا الجهل لم نحسن وضع كفاءاتنا في مكانها.. حتى إن شخصا وضع في مكان، فلما وقعت الفضائح لم يجد سوى أن يقول: “كنت غبيّا”… ولا يزال يمارس…