-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

السياسة‮ ‬والأخلاق

‬فوزي أوصديق
  • 5943
  • 10
السياسة‮ ‬والأخلاق

لا شكَّ أن هذه العلاقة بين المصطلحين تثير إشكالية كبيرة في الوسط السياسي والاجتماعي، فطالما أشغل هذا الجدل حولهما حكماء وفلاسفة وسياسيين منذ الأزل. إلا أن الوقت الراهن يدفعنا بشكل كبير لمناقشة هذه القضية. فالكل يدرك أن السياسة يجب أن تقوم على الأخلاق أولاً، وبعدها تتوالى بكل جوانبها حسب ضروراتها وأولوياتها. وسيد الأخلاق في السياسة العدل بين الجميع، كي لا ينمو القهر والاستبداد في تسييس الشعوب، مما يولّد التطرّف والعنف، وبالتالي تتشوّه كل المُثُل الخيّرة والقدوة الصالحة، وتفقد الثقة بين الجميع. فإذا كانت أخلاقنا‮ ‬تدفعنا‮ ‬للتعامل‮ ‬المثالي‮ ‬مع‮ ‬الأفراد،‮ ‬فمن‮ ‬الأوْلى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬السياسة‮ ‬أخلاقية‮ ‬في‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬المجتمعات‮ ‬كونها‮ ‬تمثّل‮ ‬أفراداً‮ ‬مجتمعين‮.‬

أستهلُّ‮ ‬حديثي‮ ‬باقتباس‮ ‬ٍ‮ ‬لبيتٍ‮ ‬قاله‮ ‬أمير‮ ‬الشعراء‮ ‬أحمد‮ ‬شوقي‮ ‬‭:‬

إنما‮ ‬الأممُ‮ ‬الأخلاقُ‮ ‬ما‮ ‬بقيتْ‮       ‬فإنْ‮ ‬همُ‮ ‬ذهبتْ‮ ‬أخلاقهم‮ ‬ذهبوا

و بالرغم من بديهية دوران هذين المصطلحين حول نفس المحور، إلا أننا نشهد تباعدهما وتنافرهما في وقتنا الراهن، فالمجتمع يرى أن الأخلاق سامية جدا، بينما ومن خلال انعكاس بعض السياسات المستبدة، يرى أن السياسة شر وانتهاز واستغلال للشعوب. حيث بات منتشرٌ أن الأخلاق الحميدة في زمن هذه السياسات المستبدة لم تعدْ تجدي نفعاً، فالكذب أجدى من الصدق، والنفاق أجدى من الصراحة، ممّا شوّه الرابطة الوثيقة لهدف السياسة والأخلاق، ألا وهو منفعة البشرية وخيرها. إلا أنه ورغم إيمانه بهذا الاعتقاد المشوّه يدرك أنه بذلك ينتقص من قيمته المعنوية‮ ‬وبالتالي‮ ‬يفقده‮ ‬من‮ ‬رصيده‮ ‬في‮ ‬الطمأنينة‮ ‬الداخلية‮ ‬أيضاً‮.‬

و لو عدنا إلى الوراء قليلاً، أو دعونا نقول ـ لو عدنا  إلى مبادئنا الإسلامية ـ سندرك أن أيديولوجية الدين الإسلامي تسبق بكثير نظرية الأخلاق في عهدنا، حيث وأنه استناداً لمبادئه “لا أخلاق بلا دين”. واستطاع الإسلام من خلال فهمه للعمق الإنساني الكلي الشعور الذي يدفع الفرد للتفكير فقط بالحالة النفعية في تسيير حياته، وأن يتبع سياسة  فاقت رغم قدمها ما نعايشه من ثقافة السياسات المختلفة. فالشر والخير هما  محوران من أهم محاور  الأخلاق، وبالتالي فإن الظلم والعدل من أهم محاور السياسة، إذاً فكلٌّ من الأخلاق والسياسة محتويان بعضهما الآخر، وكل منهما تابع للآخر، ويمثّل مبتدأ الآخر ومنتهاه، ولن نستطيع الفصل بينهما لأنهما أساس بناء المجتمعات السليمة والمتقدّمة. ونرى ذلك يتجسّد في أغلب المجتمعات الغربية من حيث اتصال الفضائل السياسية والفضائل الأخلاقية في العمل، لأنها تتلاقى في مصبّ النظام العادل. وهنا تكمن حكمة النظم السيساسية كي تحقق أول وأهم مطلب داخلي للأفراد وهو الحرية، التي تحافظ على حريات الآخرين. وبالمقابل فإن استقرار الرضى جرّاء التوافق والمعاهدة على أسس التراضي بين المجتمع وسائسيه، تفرض الاحترام المتبادل بينهما، فالسياسة تصون كرامة الفرد وحقوقه، والمجتمع يُرسي مناخاً أخلاقياً سليماً، مما يضمن لجوء كل منهما لمفهوم مشترك اسمه “سياسة الأخلاق” فالسياسة أصلاً تعني إرشاد الناس وتوجيههم وسوسهم لإصلاح أمورهم، ولكن للأسف نراها الآن اتّخذت مجرىٍ مختلفاً، فباتت تنْظُمُ سجلاّتٍ من القوانين المادية، بحجة أن الأخلاق باتت دفينة مدينة أفلاطون الفاضلة والتي انقرضت أو اندثرت. فبات من المهم جدا إدراك السياسات الحالية لمسألة أنه مامن غاية تسمو فوق غاية حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة.و هذه الغاية يجب أن تكون منطلق كافة السياسات. فلإنسان هو غاية الحياة وهو منطلق الحياة. وقهر السلوكيات الخاطئة من قبل السياسيين لا يجب أن يكون بردّات فعل خاطئة، بل يجب أن يكون مبنيّاً على أُطُرٍ ديمقراطية وأخلاقية تضمن التوافق بين الغايات والوسائل. والفصل بين السياسة والأخلاق يقود إلى تقويض أركان المجتمع الإنساني‮ ‬وهنا‮ ‬يحضرني‮ ‬قول‮ ‬مالك‮ ‬بن‮ ‬نبي‮ ‬رحمه‮ ‬الله‮ :‬

‭” ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬العلم‮ ‬دون‮ ‬ضمير‮ ‬خرابُ‮ ‬الروح،‮ ‬فإن‮ ‬السياسة‮ ‬بلا‮ ‬أخلاق،‭ ‬خراب‮ ‬الإنسانية‮. “‬

وما‮ ‬نريد‮ ‬إلا‮ ‬الإصلاح‮. ‬والله‮ ‬وليُّ‮ ‬التوفيق

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • juste

    نعم انا شاهد على هذا الاستاذ النكرة كيف كان يعامل الطبة سنة 1993-1994 كنت انذاك طالب السنة الاولى حقوق و الله كان يظلم الطلبة وكان يجبرنا حتى على شراء كتبه و الا جزائنا الرسوب. و ان اردت اعطيكم عناوين الكتب ( كتاب الامير عبد القادر) و الى اخره من كتب كانت في مجملها ضعيفة منقولة من كتب الغير ولكن استعمل اسلوبه الركيك...وانا اندهشت لما رايت اوصد يق سفيرا للحقوق الانسان انها الكارثة فعلا حرام و الله حرام مستهلهاش

  • malik

    و لكن يجوز التشكيك في انه تحصل على الجنسية القطرية ومن المطبلين *للتخريب العربي*

  • خوك فى الوطن

    يا عبد القادر فرنسا يجوز ان الاستاد تاب وتعقل وكل ما زاد الانسان فى عمره زاد من عقله وصفاء فى اخلاقه فهل انت الاه اكثر من الله الدى يقبل التوبه لا يجوز التشكيك فى النوايا فهده من سمات بنو صهيون

  • أبو عبد الله السعودي

    اعتدنا على عناوين " عنوانات " ، السياسة والنفاق ، السياسة والكذب ، السياسة والخداع ...

    جميل أن نجد عنوانا يربط السياسة بالأخلاق خلافا للعادة .. شكرا لك

  • ABDELKADER

    يتكلم عن الأخلاق و هو له ماض أخلاقي أسود عندما كان مدير معهد الحقوق بجامعة البليدة و أنا شاهد على ذلك.

  • ABDELKADER

    يتكلم عن الأخلاق و هو له ماض أخلاقي أسود عندما كان مدير معهد الحقوق بجامعة البليدة و أنا شاهد على ذلك.

  • Dr Mohna3li

    لا سياسة بدون صدق.
    لا سياسة بدون صراحة.
    لا سياسة بدون أمانة.
    لا سياسة بدون وضوح.
    أين نحن من كل هذا? سياستنا كما هو متعارف عليها مبنية على الكذب و الخداع و الاختلاسات و الضبابية و النفاق.

  • حنصالي

    اعطيك فكرة شيخ جديدة

    من ميزة الانسان الذكاء روحيا هو "السكون او الهدوء" متى تخلقت بالحق والحق هو الله فبالتالى هي متصلة بخالقها وهذا

    السكون معلوم انه يلغى عنصر" الزمان والمكان" اي تستطيع ان تفككهما وتجمعهما معا وتطرحهما على العقل للتوجيه

    خلاف العقل فهو يدور فقط مهما كان ذكي فائق السرعة فبالتالي اذا انشق عن الروح المتخلقة فيصبح كعقل القرد "عبثى" يفقد البوصلة يحك رئسه كل حين

    اما العقل الملازم للروح فكلما تسامى وترفع كلما لاحض انشطارات الزمان والمكان تتلاشى وتتساقط فى وعيه

    عاونونا

  • احمد الجزائري

    السلام عليكم.استادنا الكريم و الله قد وضعت الصورة في ايقونة مقدسةباختيارك لهدا الموضوع .عنصر الاخلاق صار بمثابة طرف المعادلة الغائب في الكثير من يومياتنا حتى صار البعض منا يحسبه مجرد زائدة يجوز اسقاطها .الي درجة انك عندما تحترم تحسب جبانا وعندما تشمت العاطس تحسب متخلفا .معايير لااخلاقية ساقتنا الى الرشوة فاسميناها - قهوة- و الى الزنى فاسميناه علاقة جنسية وهكدا دواليك اما موضع الاخلاق في السياسة فقد شغله كرسي التبجح و محاه الانطاح فصار رابع المستحيلات . تحياتي استاد فوزي بورك مسعاك.

  • دياب

    انما الامم اخلاق ما بقيت ان هم دهبت اخلاقهم دهبوا يعتقد كثير من الساسه عندنا وفى الوطن العربى ان السياسه كدب ونفاق وسادج من يظن غير دالك وهدا فى ظنى موروث استعمارى لصق بدهن النخبة عندنا والتى عايشت الاستعمار حيث كانوا انداك يواجهون عدوا خارجيا استطيطانى خبيث يجب فعل كل ماهو ممكن معاه وحمل هده النظرية معهم الى دولة الاستقلال اين يجب تغيير السياسة لانك تتعامل مع مواطنك وليس عدوك يجب مصارحته بكل شى ولا حواجز بينك وبينه حتى تصبح السياسة بهدا المعنى علم وفن فمتى يستقبم هدا الفهم