السير بالكلاب في الشوارع بين الاستعراض وتهديد حياة الناس
أخذت ظاهرة تربية الكلاب الخطيرة والمفترسة أبعادا مقلقة وخطيرة، خاصة وأنها لم تقتصر على عامل الاستعراض التي بات يمارسها الكثير من الشباب في الشوارع والأحياء والطرق العمومية، بل أصبحت في نظر الكثير خطرا على المارة والناس بشكل عام، ناهيك عن أسلوب الترويع الذي يمارسه بعض المتجولين بهذا النوع من الكلاب، حتى أن البعض لم يتوان في التأكيد بان الذي يتجول بالكلاب الخطيرة لا يقل عنفا وعدوانية من الذي يحمل معه السلاح الأبيض.
أجمع الكثير ممن تحدثت معهم “الشروق” على خطورة ظاهرة التجول بالكلاب الشرسة على حياة المواطنين في مختلف الأعمار، مؤكدين على ضرورة تحمل الجهات الوصية لمسؤولياتها حتى يتم الحد أو التقليل من ظاهرة تربية الكلاب الخطيرة والتجول بها، خاصة وأنها فرضت نفسها في مختلف الشوارع والمدن الكبرى، وأكد الأستاذ عزوز بركاني بأن ظاهرة تربية الكلاب الخطيرة والمفترسة والمتاجرة بها أصبحت من الظواهر الجديدة والحديثة على المجتمع الجزائري خاصة في البيئة الحضرية منها، أين تعرف منحى تصاعدي وثقافة رائجة بين أوساط الشباب على الخصوص، وهو الأمر الذي جعل تربية الكلاب والتول بها في الشارع والأحياء ظاهرة قائمة بذاتها، حيث ان بعض الشبان لجأ إليها بدافع اللهو والاستئناس بينما آخرون وظفوها كورقة للتحرش وحتى التهديد، فيما كان للبعض أبعاد أخرى خطيرة، وهو استخدام الكلاب في الإجرام وفق منطق العصابات التي باتت تثير الهلع وتعد مصدر تهديد في الشوارع والأحياء السكنية.
سلالات خطيرة يستخدمها مراهقون للتباهي والتنمر
وحسب الأستاذ عزوز بركاني فقد ظهرت أنواع عديدة من الكلاب وبأسماء مختلفة مثل (بيتبول) و(روت فايلر) و(دوبرمان) و(بول تيرير) و(بول ماسين)، مضيفا بأن الكثير من أفراد المجتمع ينظرون إلى هذه الظاهرة بنوع من الاشمئزاز والرفض الاجتماعي، نظرا لما تخلفه من رعب وخوف على المارة والسكان، بل أصبحت من مظاهر البلطجة، إذ أن هناك حسب محدثنا من يستعمل هذه الكلاب للسرقة والشجارات العنيفة وتصفية الحسابات والابتزاز. من جهته، لم يخف الأستاذ عبد الناصر بلفراق قلقه من هذه الظاهرة، حيث يقول في هذا الجانب “انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تربية الكلاب الخطيرة والأدهى والأمر من ذلك هو اصطحابها في الشارع واللهو بها بين المارة؛ هذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا وثقافتنا وديننا الحنيف؛ مع ما تشكله من خطر على الأفراد والمجتمعات وخاصة النساء والأولاد؛ حيث يقوم عادة شبان مراهقون في مقتبل العمر باصطحاب هذه السلالات الخطيرة من الكلاب؛ لغرض التباهي أو التنمر على أصدقائهم وجيرانهم أو استعمالها لتخويف البنات والنساء”؛ وقد جرم المشرع الجزائري على غرار عديد القوانين والتشريعات العالمية ظاهرة تربية الكلاب الخطيرة وخاصة سلالة الكلب الراعي الألماني أو الجيرمان شيبردGerman Shepherd من سلالات الكلاب الخطيرة، والكلاب من سلالة الدوبرمان Doberman، وكذلك الكلب من نوع بيتبول pit bull بأنّه من الكلاب الخطيرة والشرسة. كما يعد كلب بيتبول على أنّه من أخطر أنواع الكلاب في العالم، لذلك وجبّ حظر حيازة هذا الكلب.
كلاب تسببت في جروح قاتلة وأخرى وراء إصابات بالسكري
ويؤكد الدكتور رمزي بوبشيش (طبيب في مصحة عمومية) بان ظاهرة تربية الكلاب أصبحت مؤخرا موضة لدى الشباب للاستعراض وتهديد وترويع الناس في الأحياء والتجمعات السكنية، ويلجا أغلبهم إلى تربية الكلاب من النوع الشرس الذي يشكل تهديدا حقيقيا لحياة الإنسان من خلال ما تخلفه هجمات هذه الكلاب الشرسة من جروح خطيرة وتشوهات وأحيانا جروح في أماكن من الجسم تكون قاتلة للإنسان المعتدي عليه خصوصا لدى الأطفال بسبب حجمهم الصغير، كما أن بعض هذه الكلاب الشرسة قد تكون حسب محدثنا غير مطعمة وتشكل خطرا للإصابة بداء الكلب المميت، مضيفا بالقول: “تشكل هذه الكلاب خطرا حقيقيا على الأطفال مما تخلقه من فوبيا ومضاعفات طبية ونفسية، حيث قد سجلنا عدة حالات الإصابة بداء السكري خصوصا لدى الأطفال المعرضين وراثيا للإصابة بالسكري، وقد ساهم ترويع الكلاب في الإسراع من ظهور هذا الداء لدى فئة من الأطفال”، وفي هذا السياق يسرد الأستاذ عزوز بركاني بعض الأمثلة الواقعية على ذلك ، مثل حادثة وفاة الطفل خليل صلاح الدين بدائرة العفرون ولاية البليدة نتيجة اعتداء من هذا النوع من الكلاب المفترسة، وفي نفس السياق اصدر والي ولاية جيجل في مارس من السنة الجارية قرارا يمنع تربية الكلاب الخطيرة والشرسة وكذا المتاجرة بها، حيث تحولت الأسواق الالكترونية إلى وجهة جديدة للمهتمين بهذا الصنف من الحيوانات، كما يذهب الكثير إلى أن هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا وتم اقتباسها من الخارج عن طريق الإعلام الخارجي وما تبثه مواقع التواصل الاجتماعي أو القنوات الأجنبية .
بين الاستعراض والحماية والإجرام.. عدة أسباب وراء تربية الكلاب
وأوضح الدكتور رمزي بوبشيش بأن هناك عدة أسباب تجعل شريحة من الشباب تلجأ إلى تربية الكلاب الشرسة، وذلك بغرض الاستعراض أو إثبات الذات بسبب شعور النقص بالشجاعة، وأحيانا استعمالها في إطار إجرامي ضمن تكتل عصابات الأحياء، مضيفا أن الخطر الأكبر يكمن في أن هؤلاء الشباب لا يستطيعون التحكم في كلابهم بسبب أنها غير مروضة وغير مدربة لعدم الاعتداء على الناس، مشيرا أن أغلب الكلاب التي يتم تربيتها من قبل هؤلاء ذات حجم ووزن كبير يفوق وزن الإنسان وخصوصا الأطفال، كما أنها تتميز بمورفولوجية ووحشية الافتراس والاعتداء. أما الدكتور إبراهيم بوزيد من قسم علم الاجتماع بجامعة أم البواقي فيرى أن أحياء وشوارع المدن الكبرى تحولت الى اماكن استعراضية بالكلاب، وقال في هذا الجانب “بدل من قاعات وأماكن الرياضة، العنف الرمزي انتقل إلى تربية الحيوانات التي هي في الحقيقة مخلصة وأنيسة الإنسان في البدو ورمزية تحولها إلى الحضر يعني انتقال مشاعر عدم الأمان إلى الحضر، من جهة ومن جهة أخرى تحمل معنى التقليد الغربي وكان هذه عادة حضرية. أما فيما يخص استخدامها للترويع والتخويف فذاك عين الجرم، لأن الحيوان لا عقل له ويمكن استعماله ويستجيب لصاحبه وهو وسيلة إجرامية تلحق الأذى بالضحية بكل شراسة مما يشفي روح الانتقام عند صاحبه ويجعله يتمتع بإصابة الهدف ونيل مبتغاه المادي وكذا المعنوي”، مؤكدا أن روح الانتقام يدفع المجرم لارتكاب جرمه، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فالمجرم اليوم حسب محدثنا ليس هدفه مادي فقط بل مادي وانتقامي، يسرقك وفي نفس الوقت يؤذيك وينتقم منك، لأنه يحمل مشاعر الضحية وهو اخطر أنواع الإجرام”.
التقليد الأعمى للغرب حوّل تربية الكلاب إلى موضة
وأجمع عدد من الأهمية والأساتذة الذين تحدثنا معهم في الموضوع بأن التقليد الأعمي بسلوكات الغرب جعل تربية الكلاب الخطيرة تتحول الى موضة، لأن الكلاب حسبهم تستخدم للحراسة او للرعي ولا تكون أداة لترويع الناس وتهديد حياتهم، وفي هذا الجانب يقول الشيخ أحمد رزيق (إمام بمسجد أولاد جحيش ببيطام ولاية باتنة): “ظاهرة تربية الكلاب انتشرت بشكل غريب وكبير ليس لأجل الحراسة أو الصيد بل للاستعراض وترويع الآمنين، وعادة للتحرش في الشارع وأمام المؤسسات التربوية للأسف، وهذه المظاهر غريبة عن مجتمعنا المسلم المحافظ، لأن الأصل في اقتناء الكلاب المنع، واستثني من ذلك كلب الصيد والزرع والماشية كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط”، مؤكدا أنه يحرم ترويع الناس كما جاء الحديث (لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم). أما الدكتور مقلاتي صحراوي من كلية الشريعة بجامعة باتنة1 فيرجع انتشار هذه الظاهرة إلى التقليد الأعمى للغربيين والجهل بالحكم، وهو عدم جواز اتخاذ الكلاب في البيوت لأنها لا تدخلها الملائكة، مشيرا ايضا الى وقوع البعض ضحية نوع من الأبهة والبريستيج وتحول نمط الحياة للترف، وكذلك الوقوع ضحايا الترويج التجاري في الكلاب واتخاذ ها كالقطط قياسا غير علمي، وغالبا ما يكون في أوساط عائلات تائهة علميا ومغتربة ثقافيا. وفي السياق ذاته يؤكد الشيخ الصادق فروجي (إمام بمسجد فم الطوب بباتنة) “من المهم جدا التأكيد على أن تربية الكلاب إذا كان في غير الحراسة أو الرعي لا يجوز”، مضيفا أنه لا يجوز ترويع المسلم لا يجوز، وحسب قوله فإن لعلماء النفس أيضا رأيهم في الصدمة التي قد يتعرض لها الصغار أثناء مهاجمة الكلاب لهم، حيث يقص لنا حادثة وقعت له بالقول “أذكر أنني كنت أدرس في متوسطة إشمول، في نهاية الأسبوع عدت إلى فم الطوب ماشيا، وكان الجو مثلجا في مارس، فهاجمني كلب، ومن الخوف لم أستطع أن أتكلم.. إلى حد الساعة أعاني من تلك الصدمة أو الخلع، حيث بمجرد رؤية كلب تجدني مستعدا لإبعاده مباشرة دون معرفة ردة فعله”.
ضرورة سن قوانين صارمة للحد من ظاهرة الترهيب بالكلاب
أكد الدكتور رمزي بوبشيش بأن الحل الجذري لتفادي خطر هذه الكلاب الشرسة هو سن قوانين ردعية من سجن وغرامات ضد تربية الكلاب الشرسة، مع تصنيف أنواع هذه الكلاب الخطيرة قانونيا ومنع تربيتها ومعاقبة كل من يتجول بها في الشوارع والأحياء بغرض الترهيب والاعتداء، كما أن هذا المنع لا يمنع من تربية الكلاب الأليفة غير الشرسة في إطارها القانوني من تطعيم وكونها أصناف أليفة غير شرسة ولا تهدد حياة الغير. وفي السياق ذاته، أوضحت المحامية فهيمة كرمالي في حديثها مع “الشروق” بأن الكثير من الشباب يلجأون إلى تربية الكلاب إما للحماية أو للترهيب، ولهذا فإن المشرع استحدث جريمة تسمى “عصابة الأحياء”، وتخص العصابات التي تنشط وسط الأحياء لنشر الذعر والخوف وسط المواطنين، وتستعمل شتي الوسائل كالأسلحة البيضاء والعصي والسيوف وحتى الكلاب وجعلها جنحة مشددة لخطورة الأفعال، فيما يرى الدكتور إبراهيم بوزيد بأن التقليل من هذه الظاهرة الخطيرة والمقلقة يتطلب خلق أماكن الترفيه والرياضات المختلفة والتوجيه الأسري والمدرسي والمهني حتى لا نترك الفراغ للشباب. فيما يشير الأستاذ عبد الناصر بلفراق إلى ضرورة دق ناقوس الخطر على حيازة هذا النوع من الكلاب الخطيرة لما لها من تداعيات خطيرة على المالك والمجتمع على حد سواء، وكذلك تكثيف الحصص التلفزيونية واستضافة أخصائيين نفسيين واجتماعيين وأساتذة ودكاترة الشريعة لتوعية الناس بخطورة حيازة هذا النوع من الكلاب الخطيرة والمضار النفسية والعضوية التي تخلفها.