السيسي يجدّد لكم دينكم!
يبدو أن الجزائر تسير بإصرار على طريق “الثورة الدينية” التي يقودها في مصر رئيسُ النظام الانقلابي عبد الفتاح السيسي؛ إذ لم يتردد وزير الشؤون الدينية محمد عيسى في وصف فكر الإخوان المسلمين بـ”الإرهابي” وتحميله مسؤولية الغلوّ في التكفير التي أدت إلى ظهور الارهاب الحديث. ويعتقد وزير الشؤون الدينية بأن إنشاء مرصد وطني لمكافحة الانحراف المذهبي والتطرف الديني في الجزائر قادر على “تحصين الأمة من خلال حماية مرجعيتها الدينية الوطنية المرتكزة على المذهب المالكي”.
يمكن القول إن محاولات إصلاح الإسلام أو بالأحرى محاولة صياغة إسلام “معتدل” قد تلاحقت وتزاحمت منذ مطلع الألفية الثالثة مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق جورج ولكر بوش عن إطلاق حملة “حرب الأفكار” التي وُظفت لتشويه الإسلام و“شيْطنة” المسلمين، وقد ترافقت مع حملة احتلال أفغانستان وغزو العراق وإدراج حركات المقاومة في خانة الإرهاب، وتنافست مراكز الدراسات وبنوك الأفكار التابعة للمحافظين الجدد في إنتاج وصفات نموذجية للإسلام الذي يحظى بالرضا الأمريكي، وينسجم مع الأطروحات العلمانية والقيم الأمريكية المعولمة.
ومن أبرز المنظرين من جماعة المحافظين الجدد في هذا المجال المؤرخ البريطاني المولد، الأمريكي الجنسية، اليهودي الديانة، برنارد لويس الذي صرّح: _إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسِدون فوضويون، لا يمكن أن يتحضّروا، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، والحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية“.
ومن أعضاء هذه الجماعة أيضا، الكاتب الأمريكي اليهودي دانيال بايبس، مدير منتدى الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات، مؤسس معهد مكافحة الإسلام في أمريكا، وفي سنة 2007 أصدرت مؤسسة “راند” التابعة للقوات الجوية الأمريكية تقريرا تحت عنوان “بناء شبكات إسلامية معتدلة” كان أشبه بخارطة طريق أمريكية لـ“إعادة تشكيل الإسلام وإنقاذه من المسلمين“؟!
في مصر–على سبيل المثال– لم تمض سوى ستة أشهر على “انتخاب؟” السيسي رئيسا للجمهورية بعد انقلاب 3 جويلية 2013 على الدكتور محمد مرسي، أول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية في مصر، حتى قفز السيسي فوق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ودعا إلى ما سماه “ثورة تجديد دينية للتخلص من أفكار ونصوص تم تقديسها على مدى قرون وباتت مصدر قلق للعالم كله؟“، وتابع السيسي قائلا: “إنه لا يمكن أن يَقتل 1.6 مليار مسلم الدنيا كلَّها التي يعيش فيها سبعة ملايير حتى يتمكنوا هم من العيش“.
وبعد هذه الدعوة سارعت المؤسسات الدينية الثلاث بمصر: مشيخة الأزهر، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، إلى تبني دعوة السيسي “لتجديد الخطاب الديني.” وقد وصف عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، رئيس جامعة الأزهر السابق، الدكتور أحمد عمر هاشم، السيسي، بأنه “أحد المجددين في تاريخ الأمة الإسلامية“، وقال هاشم: “إن السيسي يتخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة، وأن تدينه الوسطي وذكاءه الفطري دفعه للإحساس بالحاجة إلى تجديد الخطاب الديني، فأصدر دعوته الشهيرة لتجديد ذلك الخطاب“.
ولتحقيق هذه “الثورة الدينية” المزعومة لاستعادة مقومات الدولة الشمولية، قرر السيسي أن يجعل مساجد مصر، المكان المناسب للمباشرة بحملة القضاء التام على جماعة الإخوان المسلمين، وأعلنت وزارة الأوقاف أنها ستعمد إلى إدارة جميع مراكز التدريب الدينية بنفسها، كما أن جميع فحوص الترخيص ستُدار ويتم الإشراف عليها من قِبل الوزارة أو الأزهر حصرًا، لضمان نجاح الأزهر في توحيد مصر تحت هوية أزهرية واحدة، والقضاء على أصوات المعارضة السياسية، وبذلك عملت الدولة المصرية على زيادة إدماج الأزهر؛ المؤسسة التي كانت تفتخر سابقًا باستقلاليتها، ضمن شبكة وزاراتها وإداراتها الحكومية.
وقد أدى تشديد قبضة النظام على الخطاب الديني وفرض السيطرة الكاملة على المؤسسات الدينية تحت ذريعة “مكافحة التطرف الديني والإرهاب“، إلى منح صك الشرعية لنظام السيسي الانقلابي في هيئات المجتمع الدولي، فقد قال طوني بلير حليف بوش في غزو العراق: الحقيقة هي أن جماعة الإخوان المسلمين حاولت أخذ البلاد بعيداً عن القيم الأساسية للأمل والتقدّم، وقد تدخّل الجيش، بناءً على إرادة الشعب، ولكن من أجل أن نأخذ البلاد إلى المرحلة التالية من تطورها، ينبغي لنا أن ندعم الحكومة الجديدة في القيام بذلك.
وقد تحمس عددٌ من الإعلاميين والكتّاب المصريين لدعوة السيسي للقيام بـ“ثورة تجديد دينية للتخلص من أفكار ونصوص تم تقديسها على مدى قرون” وتصاعدت الدعوات إلى حرق كتب الإمام البخاري، وتسفيه تراث الصحابة، والتطاول على الإسلام إلى الحدّ الذي جعل أحد أنصار الانقلاب وصاحب قناة “الفراعين” يقول، حسب مصادر صحفية: “إن الإسلام هو أسوأ دين على الأرض“!
ولعل هذا الهذيان الإسلاموفوبي الذي بدأ يتدفق من بعض وسائل الإعلام المصرية بعد دعوة السيسي إلى “تجديد الخطاب الديني” هو الذي أثار إعجاب رئيسة حزب “الجبهة الوطنية” الفرنسي اليميني مارين لوبان التي قالت إن: “السيسي أحد القادة الذين يتبنّون خطابا هو الأوضح تجاه الأصولية“!
إن تجديد الخطاب الديني هو ضرورة حضارية لتمكين الإسلام من الاستجابة لانشغالات المسلمين في مختلف عصورهم لكون الإسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)، ولكن المقصود بالدعوة إلى تجديد الدين أو تجديد الفكر الديني، هو أن يكون التجديد صادراً من علماء تقاة لهم مؤهلات الاجتهاد الديني بشروطه وضوابطه، وليس مجرد مناورة سياسية من طرف نظام تسلطي للجم الخصوم، وفرض الرأي، وتحقيق الهيمنة بكل أشكالها.