“الشروق” تنقل أسرار أقدم محل لعرض وطرق الفضة بباتنة
انقضت أربعة أجيال، ولا تزال عائلة أمغشوش بباتنة شرق الجزائر، تصون بعناية فائقة تراث الفضة الزاخر بالرموز العريقة لمنطقة الأوراس. يزدحم محل محمد أمغشوش بقطع نادرة من الفضة، ويفاخر حانوته المتواضع بقلب حي “الكُونْ” بأنه أعرق متاحف وورش الفضة المسماة بالشاوية “أَزْرَفْ”، الذي يحظى بشعبية كبيرة لدى النساء تفوق للغرابة قيمة الذهب، وهو لا يمارس هذه الحرفة ربحا للمال فحسب، بل للمحافظة على تراث وطني كبير، بدليل أن دكانه الذي يحمل، في جزء منه، خاصية العرض المتحفي، يعج بقطع نادرة عمرها 130 سنة، لكنه يرفض بيع قطع قديمة، يفوق عمرها القرن من الزمن، بمبالغ طائلة عرضت عليه، اسأله عن السبب فيرد للشروق باسما: “هذه ليست مجرد أدوات زينة وبهرجة، بل رأسمال تاريخي لا ثمن له، الفضة جزء أصيل من الهوية المحلية والوطنية”.
الويزة ونابليون
لا تزال بعض النسوة في الجزائر يتزين بـ”الويز” الفرنسي دون وعي بالمدلول العميق للمسألة، فكلمة الويز التي تطلق على الحلي النسوية مشتقة من لويس، هذا الاسم المرتبط بسلالات من ملوك فرنسا، فيما لا تزال صفحة الويز المستعمل، حاملة وجه نابليون الثالث، لتصبح الصورة قريبة من متلازمة ستكوهولم، حيث يرتدي الضحية مشغولات جلاده، ويحتفي المستعمر بتركة المستعمر، وتحديدا هذا ما يرفض محمد أن يقع للفضة الشاوية الأوراسية، فيقول: “الفضة هو الأصل الأول للحلي بالأوراس، يمتد موطنه من لقصر بتكوت جنوب ولاية باتنة حتى يابوس شرق ولاية خنشلة، أمّا الذهب فكان محصور الصناعة لدى الفرنسيين والأوروبيين واليهود، ولم يتحول إليه صناعه الحاليون سوى بعد استقلال البلاد. أما لماذا كان النسوة يستخدمن الفضة بدل الذهب، فذلك راجع لأسباب اقتصادية محضة، ولكونها زهيدة السعر مقارنة بالمعدن الأصفر أمضى هذا الحرفي عاشق الفضة والبارود معا، ستين عاما في تطويع القطع، صناعة وتصليحا، يشده شغف سافر وهاجس مخفي، فيعلق: “أمارس عملي بشغف كبير، فهي حرفة جد جد أبي، منذ أربعة أجيال، لذا لا يجب أن تتوقف شجرة العائلة الفضية عندي، بل أنا هنا كي تستمر بحرص شديد مني، كي تصان من التزييف والتحريف”.
العزباء والمتزوجة
تزيّن الفضة جسم المرأة الشاوية من أخمص الرأس حتى حافر القدمين، وفي هذا يقول محمد: “هناك الجبين الذي يلبس فوق الناصية، ثم النعّاسات التي تسقط على الخدين، ثم المشرف الذي هو عبارة عن القرط الذي يزين الأذنين وهو عدة أنواع، منه ما يرصع بالسلسلة وما يزين بقطع الزريعة الشبيهة بالبذور. والمشرّف يرصع غالبا بالنجمة والهلال، وأنت كما ترى فهو يعبر عن هوية، كما أنه ذو دلالة عمرية، فهو متصاعد حسب الحجم من الطفلة الصغيرة، فالمرأة البالغة، حتى العجوز”.
إلى ذلك يضيف: “هناك المدور الذي يلعب دور المساك، وهو يثبت الملحفة الشاوية ذات السبعة أذرع والتي ترتدى بلا خياطة لأنها قطعة واحدة، لذا يأتي المدور ليمسك بين أطرافها عند المنكبين. أيضا تلعب البزيمة أو الخلالة هذا الدور. أما القرّان فهو الذي يربط الجزء الخاص بالصدر. ثم هناك النقاف وهو قطعة خاصة بالعجائز ويلبس فوق مناديل الرأس ويتحدر من الجبهة على جانبي الخدين”.
تشكل المحزمة قطعة أساسية فهي تشد الخصر، ولها عدة أنواع، منها حزام المرمّة المصنوع من الصوف، أما حزام الفضة فله تصنيفات مثل الوردة، والمقرودة، وقالب السكر، بيد أن الحزام يلعب دورا تعريفيا خلال الأعراس. يفصل محمد الموضوع قائلا: “تعلق المرأة في خصرها ما بين حجاب إلى اثنين، فإن كانا اثنان فيعني أنها متزوجة، فيما تكتفي العزباء بحجاب واحد، وهي إشارة للخطاب. كما لا ننسى أن هناك علبة فضية تحتوي مرآة تراقب بها الأنثى زينتها”.
أفاع وعقارب
إلى القدمين أو الساقين تفضل المرأة ارتداء واحد من ثلاثة أنواع، الخلخال والرديف والحناشي، وفي ذلك يفصل المتحدث قائلا: “يتميز الخلخال بالعرض وهو يحمل رموزا بربرية كالورود والمقرود، أمّا الرديف فهو يأتي على شكل مستطيلات، فيما يتميز الحناشي بشكلي ثعبان على الطرفين، وهو مستمد من لفظة الحنش التي تعني الثعبان”.
في الجزائر ثلاثة معاقل لطرق الفضة هي منطقة القبائل والطوارق والشاوية، وبين هذه المدارس الثلاث اختلافات، بيد أن أهم ما يعرف الفضة الأوراسية عن غيرها هي ما يعقب به المتحدث: “الأحجار الحمراء والخضراء المرصعة لها هي عنوان انتمائها لمنطقة الأوراس”.
أيضا لا تخلو الحلي الفضية من رموز مرتبطة بالميثولوجيا فهي تتوشح غالبا برؤوس الثعابين والعقارب، وفي هذا يوضح قائلا: “ذلك راجع لمعتقدات قديمة، فقد دأب سكان الأوراس على تقديس الثعابين، التي تستعمل في الوقت المعاصر كرمز للصيدلة لأنها داء ودواء، سم وبلسم، والأمر سار أيضا على العقارب، فالاثنان رمزان طلسميان يطردان شر النحس ويجلبان فأل السعد، يقترن استعمال العقرب مع يد فاطمة، الخماسية كمشبك لكسر عيون الحسد”.
الرمل والشمع
بين ماض بعيد وحاضر جديد تطورت الصناعة كثيرا، ففيما سبق كان الحرفيون يستخدمون طرقا قديمة يقول عنها محمد واصفا: “في السابق كان الصناع يستخدمون رملا أسود مبللا بزيت الزيتون يخضع للقلي مثل الذرى ويحمص قبل أن يتم تصفيته كي يصير غبرة مثل الدقيق، ثم يرسم فيه الشكل المطلوب لقطعة الحلي، قبل أن تفرغ عليه الفضة المركونة في ترازق فوق نار فحم حجري تفوق 750 درجة، قبل أن تصب وتستقر في الشكل المرسوم، تسمى هذه الطريقة القديمة فضة الصبّان أي المصبوبة”.
وهي تختلف عن طريقة اليوم التي يوضح أنها ذات موديلات مختلفة في الشكل شبيهة في النتيجة يفسر: “أكثر الموديلات والقوالب المستعملة اليوم تعتمد على قوالب الجبس والشمع، في مكان ما صار الشمع مثيلا للرمل”.
أما عمليات الصياغة النهائية فلم يطرأ عليها تغيير كبير، وسواء تعلق الأمر بالأساور التي تحنى وتلحم، أو المداور التي تنقى وترطب، فإن مادة الفاتريوم ضرورية لنزع السواد وتبييض القطعة لتأخذ شكلا لماعا، ويلجأ أيضا إلى التدليك بالصابون والفرشاة للتبييض، قبل أن توضع الحلي في النجارة لتجفف وتصير جاهزة للبيع.
أما الأثمان فهي حسب النوعية، وفقا لما يريده المتحدث، فالفضة المستعملة – لا كاص- فتباع ما بين 4000 إلى 5000 دج، أي ما بين 4 إلى 5 ملايين سنتيم للكيلوغرام، فيما تباع المستوردة ما بين 9 إلى 12 مليونا، وتحتفظ فضة “العذراء” أو البربوشة كما تسمى نظرا لرقتها مثل حبات الكسكس بما بين 14 و15 مليون سنتيم. هذا بالنسبة للقطع الكبيرة، أما القطع المستعملة والصغيرة مثل الخواتيم والأقراط فتباع ما بين 200 إلى 700 دج للغرام.
برغبة الحفاظ على هذا الموروث يناضل محمد منذ سنوات من أجل إقامة متحف للفضة بعاصمة الأوراس، يجمع بين العرض المتحفي والبيع التجاري، استغلالا لعامل الانتعاش السياحي الذي تشهده المنطقة منذ عام حيث يختتم حديثه للشروق آملا: “بالنظر لعودة السياح الأجانب وحتى المحليين لزيارة المواقع الأثرية والطبيعية الكثيرة بالولاية، صار من الضروري أن يكون هناك محل يقصده هؤلاء لاقتناء حلي فضية أوراسية كتذكارات فهي أصلية لأنها تصنع باليد، كما أنها تحمل رموزا عذراء لم تصب بالتحريف على مدار مئات السنين”.