الشكارة ونواب بلا مزيتكم!
تحوّلت “الشكارة” إلى معيار رئيسي وشرط أساسي، للترشح على رأس القائمة الانتخابية لعدد من الأحزاب، وقد تدفع “الشكارة” ويُدرج اسمك في ذيل الترتيب، بحجة أن الذي سبقك في القائمة، دفع “شكارة” أكبر من “الشكارة” التي دفعتها، فالقضية قضية من يدفع أكثر، ولذلك، تحوّلت الترشيحات إلى مزاد علني يتزاحم فيه سماسرة شراء وبيع رؤوس القوائم وحتى أرجلها!
استشراء هذا “الفساد”، دفع المصالح المعنية إلى فتح تحقيقات أمنية وإدارية، لإلقاء القبض على هؤلاء “البقارة”، متلبسين ومع سبق الإصرار والترصّد، لكن يجب القول أنه من الصغب اصطياد تلك الكائنات المتورطة في دفع ما يعتبره البعض رشوة، وما يراه البعض الآخر عمولة، وما يصفه آخرون بالتشيبا، قربانا للترشح والوصول إلى البرلمان ”بلا مزية” الناخبين!
لم يعد المترشحون والطماعون في حاجة إلى أصوات الناخبين، بقدر ما أصبحوا بحاجة إلى “شكارة” تسيل لعاب الحزب أو القائمة المُراد الترشح ضمن قوائمها، والغريب أن الكوليرا أصابت قيادات بعض الأحزاب، ممّن جهروا بالدعوة إلى “الشكارة” مقابل تمرير ملف ترشح صاحب هذه “الشكارة” الملعونة!
عندما يحلّ منطق المال في الانتخابات، فلا غرابة من “الهبال” الذي سيصيب الراغبين في الترشح أو بالأحرى الترشح بأصوات الهيئة الناخبة وبسمعة المؤسسة التشريعية وهيبتها، ولذلك، لا ينبغي انتظار الخير من برلمان سيكوّش عليه “البڤارة” وأصحاب “الشكارة” والمرضى بـ”الزكارة” وهواة صناعة الخسارة!
كان بالإمكان دحرجة شرط “الشكارة”، بل وإلغائه نهائيا، حتى لا تغرق العمليات الانتخابية، في مستنقع البيع والشراء، لكن يبدو أن “تجار الانتخابات”، داخل الأحزاب وخارجها، لا يستطيعوا أن يتنفسوا خارج “الشكارة”، وهو ما أسال لعاب الطماعين وقيادات بعض الأحزاب معا!
قديما قالوا: الطمّاع ياكلو الكذاب، ولذلك، انعكست الآية، فأصبحت الأحزاب تجري وراء أصحاب “الشكارة”، باسم “تمويل” الحزب وتجنيبه الإفلاس، لكن هذا الارتماء في أحضان رجال المال والأعمال، حوّل العديد من الأحزاب إلى مؤسسات “صارل” أو ذات الشخص الوحيد، وأحيانا حوّلها إلى مستثمرات ومقاولات حزبية تؤمن بالمداخيل وتكفر بالنضال الذي لا يُوكل الخبز!
لا عجب عندما تفرّ الأغلبية المسحوقة، من صناديق الاقتراع، ويهرب المناضلون الحقيقيون، من أحزاب انتقلت من مرحلة بيع المبادئ والمواقف، إلى مرحلة بيع المناصب والترشيحات، فتحيا أحزاب لا تفرق بين العمل السياسي والنشاط التجاري!
من الطبيعي أن تبحث الأحزاب عن مصادر تمويلها وتموينها، لكن من العيب والعار، أن تتحوّل إلى “بنوك” تتعامل مع زبائنها وفق منظور الربا والفائدة والقروض الميسّرة، والأخطر من ذلك، وفق عقلية “كحّ وفوت”!
مثل ما لم تتشجع أغلب الأحزاب لإعلان عدد مناضليها، فإنها لم تتجرّأ لكشف منابع تمويلها التي تبقى غامضة ومشبوهة في كثير من الحالات، نتيجة للمصالح المتداخلة أفقيا وقاعديا، وهو ما سهّل عمليات تجارية لا علاقة لها بالسياسة، وإن كانت “السياسة تحبّ الدراهم” مثل ما قال أحد المخضرمين!