-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الصديق العاقل!

مروان ناصح
  • 4338
  • 2
الصديق العاقل!

سألت الأديب السوري الكبير حسين راجي – وأنا أتسلَّم منه مسؤولية دائرة الرقابة على النصوص الدرامية في التلفزيون السوري، وكنّا نلقبه بالرجل “العاقل”؛ لأن كل شيء في عرفه يحتاج إلى تفكير وتأمل، لا سيَّما في العواقب! كما كان يكثر من التأكيد على صفة “عاقل” في امتداحه كَلّ صديق أو زميل يثق به، ويعتد بعشرته – سألت هذا الرجل العاقل:- بيني وبينك.. هل للرقابة في هذه الدائرة المختصة بالدراما قانون خاص؟ وهل توجد قائمة واضحة بالممنوعات والمستكرهات رقابياً!؟

 

صفن طويلاً وراح يفكّر في أبعاد هذا السؤال! ويتأمل في عواقبه! ثم أشعل سيجارة، وكان كثير الدخان، إيذاناً بالوصول إلى إجابة محددة، وقال:

  لا.. ولكنّ عملك في الصحافة سابقاً سوف يسّهل عليك التعرف إلى دقائق هذه المهمة..

ولكنني لم أطلع على مثل هذا القانون هناك..!

– ألم تعرف، بالملاحظة والممارسة، أن رئيس الدائرة رقيب على المحررين، ورئيس القسم رقيب على رئيس الدائرة، ومدير التحرير رقيب على رئيس القسم، ورئيس التحرير رقيب على مدير التحرير، وهو من يتلقى التعليمات الشفهية كل يوم من الجهات العليا؟!؟

– بلى.. وأكثر ما يكون التشدد في الشؤون السياسية المباشرة.. بينما يستطيع الأدباء ومحررو الشؤون الثقافية تمرير بعض الأفكار على كل هؤلاء الرقباء، باللجوء إلى الرمز أحياناً، وإلى تعمّد الغموض، وإحاطة أفكارهم ببعض الغيوم الاصطناعية، أحياناً أخرى..!

– مع أنّ كل هذه الأساليب مكشوفة..! وكل ما في الأمر أن النجاح في لعبة الرقابة يتطلب أن يغض الرقيب نظره عامداً عن بعض الصغائر والتوافه، لكي يتيح لهؤلاء “المتذاكين” الواهمين فرصة الاستمتاع باستغفال “السلطة”، فيما لا يضرّ ولا ينفع..! وأظن أن الشاعر العباسي دعبل الخزاعي كان يتحدث بلسان الرقيب في زماننا هذا عندما قال:

وأَعْجَبُ منّي كيفَ أُخدَعُ عامداً                          على أنني مِن أَعلمِ الناسِ بالناسِ

كم هو جميل و”عاقل” دعبلك هذا..!

أستطيع أن أفيدك ببعض ما اطلعت عليه، عندما كنت أعمل في رقابة مطبوعات الوزارة، من مواد قانون المطبوعات القديم الصادر في الأربعينيات.. أيْ قبل عصر التلفزيون العربي بكثير.. إذا أحببت..

أحب.. وأحب.. وأحب..!

يحدد ذلك القانون عقوبات متفاوتة على الجرائم التالية:

نشر أخبار غير صحيحة، وخاصة إذا اقترن ذلك بسوء النية! إقلاق الراحة العامة، تعكير الصلات الدولية، النيل من هيبة الدولة أو المس بكرامتها، المس بالوحدة الوطنية، استهداف معنويات الجيش والقوات المسلحة، المس بالأمن العام، الخروج عن الآداب العامة، وإلحاق أضرار بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد [أيْ: العُملة]..! وهناك بنود كثيرة لم أعد أذكرها..

على الرغم من شبهة الوضوح التي تسود كل هذه الجمل الفخمة الضخمة..! فإني أراها موغلة في الإبهام! مسترسلة في عموميات مطاطة قابلة لأن يندرج تحت أي منها ما لا يحصى من الجرائم والمحظورات…!

لاحظ أنك بتعليقك هذا على ذلك القانون قد وضعت نفسك تحت طائلة أحد بنوده..! إذ إنك تستنكر قانوناً صادراً عن الدولة.. وهذا يندرج تحت مادة النيل من هيبة الدولة..!

الله أكبر..!

لك أن تطمئن.. إذ إنّ هذا القانون معطّل عن العمل..

الحمد لله..!

لا تستعجل في تنفس الصعداء، قبل أن تسألني عمّا عطلّ العمل بهذا القانون..

صحيح..! ما الذي خلصنا منه ومن غموضه وسطوته الوبائية”..!

لقد عُطِلّ العمل به مع قوانين أخرى كثيرة بموجب قانون الطوارئ الذي فرض في أوائل الستينيات، وهو ألعن منه وأدق رقبة..!

قانون الطوارئ!

يعني أنك ما زلت تحت سطوة التهمة ذاتها..!

الحمد لله إذ لم يسمعني أحد..!

وهل تستهين بأذنيّ أنا يا صاحبي!؟

أعوذ بالله..!

إذن فلتعتذر عن جريمتك هذه!

– ما عندي ما أعتذر به سوى حكاية ذلك الأعرابي مع الحجاج.. فقد تلاقيا مصادفة على انفراد، دون أن يعرف الأعرابي مَن يقف أمامه، وأحبّ الحجاج المتجبر أن يعرف مكانته عند أهل البادية، فسأل الرجل:كيف رأيتَ أميرَكم الحجاج، فأجابه: غشوم ظلوم لا حيّاه الله. فقال الحجاج: فلم لا شكوتموه إلى الخليفة عبد الملك؟ فرد الأعرابي: أغشم وأظلم! وما هي إلّا لحظات حتى حدث ما كشف للأعرابي عن شخصية محدثه..! فما كان منه إلا أن اقترب من الحجاج، وصاح: يا حجاج.. السرُّ الذي بيني وبينك أرجو أن يظل مكتوماً!

رحم الله صديقي الأديب الكبير الراحل حسين راجي، فقد كان من أعقل من عرفت من “الموظفين في الأرض”..!  

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • بدون اسم

    اجماعة واش معنى شرذمة والله ما علابالي جات على لسانى وخلاص قالى راسي كتبها كتبتها

  • حنصالي

    لا معروفة هذ الفكرة ومسئلة استذكاء او استغباء الكل بات يدرك ويعلم ان الكل يتذاكى على الكل والكل يتغابى الكل والكل يكذب على الكل

    ونحن فى عصر الافكار اصبحت مع تطور الوعي الاجتماعى اصبحت الافكار والقناعات تتطاير فى السماء ولا تحتاج رقيب

    حتى وان اغفل الرقيب مرور افكار لاقيمة فالذكي يعرف كيف يحشوا فى الا قيمة قيمة كالعصفور الذى يؤكل الثمر وفضلاته البذرة فتبت وتصبح شجرة مثمرة رغم انف البشر

    ان فى ضنى غباء وضعف الشخصية ومجتمع يعبث بمصيره وتوجهه ويؤسس للشرذمة والكذب والنفاق والفساد كما نلمس حالي