الصورة المسيئة للرئيس.. محن ومنح
حملة إعلامية بارعة ساخرة لاذعة، قادها الشباب الجزائري متطوعا للرد على استهتار المسؤولين الفرنسيين واستخفافهم بنظرائهم الجزائريين، حركها نشر الصورة المسيئة لرئيس الجمهورية على حساب “تويتر” لرئيس الحكومة الفرنسية أثناء زيارته الأخيرة للجزائر.
شباب شبكات التواصل الاجتماعي، من الوطن كما من المهجر، لم ينبر للدفاع عن سمعة الرئيس بالضرورة بقدر ما حاول رد الصاع صاعين للطرف الفرنسي برصد وإحصاء عثرات الرئيس الفرنسي البهلوانية، وهو لسوء حظه أكثر عرضة للإعلام، فجاءت زلاته أكبر وأكثر مدعاة للسخرية من صورة لرئيس قد أصابه المرض في الجسد ولم يعوق عنده الآلة التي تصنع القرار.
في صلب الحملة العفوية نقرأ رسالة لا يفهمها سوى من أحاط عن قرب بذهنية الجزائريين، فهم كما وصفهم الرئيس بوتفليقة لأحد نظرائه الأفارقة: “من بين شعوب المعمورة الأقل انقيادا لأدوات السياسة، وأقلهم صبرا على حكامهم” وهم فوق ذلك أكثر شعوب العالم غيرة على سمعة بلدهم، لا يسمحون لأحد أن يقترب منها حتى بالانتقاد الموضوعي المعلل من طرف محايد، فكيف حين يكون مصدرها الكيان الاستعماري الذي ترك في المخيلة الجمعية جرحا لا يندمل.
الرسالة الثانية يفترض أن يقرأها ساسة البلد، بدءا بالرئيس ومحيطه، ليعلموا أن الجزائريين لا يسمحون لكائن من كان أن يكون طرفا في تقييم واقع البلد سلبا أو إيجابا، باعتباره شأنا يخصّ الجزائريين وحدهم، وقد كانت هذه الخصلة حاضرة عند الشباب الجزائري منذ اللحظة الأولى لاندلاع أحداث الربيع العربي، فلم يُخدع كما خُدع أشقاؤه العرب بثوراتٍ تقاد عبر “الجزيرة” و”العربية” و”بي بي سي”.
هذا الموقف ينبغي أن يُثمّن عند النخب في السلطة كما في المعارضة، وقد سبق “فالس” والمسؤولين الفرنسيين بعضُ أقطاب المعارضة إلى شطحة الدراويش هذه حول “الكرسي المتحرك”، فأصيبوا بخيبة أمل كبير وبكثير من الإحباط، لأن الجزائريين ـ حتى وإن كانت أكثريتهم ليست راضية على ما يظهر من سياسات الرئيس ـ فإنهم يكرهون “الحقرة” والاستثمار في ما يصيب الناس من مرض أو إعاقة، هي عندهم قضاء وقدر لا تحتمل التشفي بصاحبها.
غير أنه لا ينبغي لا للرئيس، ولا لبقية أركان السلطة، أن يشتروا في هذا السلوك المشبع بالوطنية بوليصة أمان، أو صك غفران، لأن حجم الإساءة التي وردت في ما نشره رئيس الوزراء الفرنسي لا يساوي شيئا أمام ما نقرأه في مواقع الشبكة من سخط وسخرية لاذعة، ترسم لوحاتٍ كاريكاتورية فيها كثير من الإبداع لمعظم حكام البلد ومعارضيهم، ولا تستثني أحدا من أعلام السلطات التقليدية: حكومة، برلمان، قضاء وإعلام.
في مكان ما قد يقرأ بعضهم في هذا السلوك الخارج عن النمط نموذجا لما يصفه علماء الاجتماع بـ”السلوك العدمي” لكن تاريخ شعوب المغرب الأوسط يفيدنا بحضور دائم لهذا السلوك مع من سبق من حكام المنطقة: ما قبل الرومان وما بعد الحقبة الاستعمارية الفرنسية وما بينهما، بما في ذلك الدول الإسلامية: العربية والبربرية، التي لم تعمِّر طويلا كلما راهنت على الزمن لترويض روح الثورة على الظلم و”الحقرة” التي هي في قلب التركيبة المعقدة لنفسية أهل هذه المنطقة.