-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من بعيد

العرب… وامتحان الإيمان

العرب… وامتحان الإيمان

كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن علاقة العرب بالتاريخ، فمن قائل: إنهم خرجوا منه، ومن قائل: إنهم لم يعودوا فاعلين فيه، وهناك من يذهب بعيدا ويختصر الأمر كله في القول: إن العرب لا وجود لهم في التاريخ…

تلك أحكام نابعة من حالتين، إما اليأس، وإما استنهاض الهمم، والأولى أقرب إلى الواقع، واليأس آتٍ من الأوضاع العامة للأمة ومن الأحوال الخاصة للأفراد، ولكن هل نحن ندخل فعلا امتحان التاريخ؟.

التاريخ هو فعل يومي للبشر وهذا يعني أنهم جميعا موجودون في فضاء التاريخ، وهو في معناه الواسع، الحياة والزمن، وما يردد أن هذه الأمة أو تلك الجماعة أو ذاك الفرد دخل التاريخ أو خرج منه، هو مجرد حكم عن الفعل العام لجهة تسجيله خاصة في مجال العلم والاختراعات والانتصارات، وليست هناك أمة تخرج من التاريخ ولا أخرى تدخله، إنما هناك فعل يتراكم لجهة فاعليته من عدمها، وأزمنة الانكسار وأوقات الانتصار كلاهما من فعل البشر.

الفكرة السابقة إن أسّسنا عليها ننتهي إلى القول: ليس هناك داعٍ للتهويل أو التخويف، فنحن اليوم نعيش في العصر ونصنع التاريخ اليومي بالمعنى الحياتي، بل أننا مشاركون في حالات متفرقة على المستوى الفردي في بعض منجزات البشرية، ما يعني أننا غير معنيين بامتحان التاريخ، لأنه يمثل الوقت، هو يفعل فينا وفي البشرية وعلينا أن نفعل فيه قبل أن تبّدل السماوات غير السماوات.. كل هذا يجعل مجال حركتنا في الحياة مرتبطا بالفعل، وهذا الأخير يصدّق ما يقرّ في القلب، وذلك هو الإيمان كما جاء في الحديث النبوي.. أننا إذن وبشكل دائم ندخل امتحان الإيمان.

امتحان الإيمان ـ عبر الزمن الفردي والجماعي ـ هو قضيتنا الوجودية، والنجاح فيه، مسعانا الأخروي، صحيح أنه من الصعب إدراك مضامينه الكليّة ومقاصده والفوز فيه، ولكن تجليّاته تدفعنا إلى الطمأنينة والاستقرار والابتكار أيضا، لأنه زمن متواصل يحتوي التاريخ بما فيه من هداية السبيل كفرا أو شكرا.

أعرف أن كثيرين منّا تلهيهم أموالهم وأهليهم، أو سطلتهم وكراسيهم، أو فقرهم ومآسيهم، أو انبهارهم بالآخر وهزائمهم.. تلهيهم عن الإعداد لامتحان الإيمان، مع أن تبعاته تقتضي التحضير بشكل دائم، خاصة أنه يزيد وينقص حسب الجوانب المختلفة للحياة (النفسية والاجتماعية والاقتصادية) ونحن اليوم نراهن على تثبيته في النفوس حتى نزحزح عن النار يوم القيامة وذلك هو الفوز… هنا يصبح الإيمان سدا منيعا في مواجهة تقلبات التاريخ، كما أنه قد يكون نقيضه أيضا.

يمكن أن نضرب أمثلة تدل على تناقض الإيمان مع الدخول في التاريخ، وهي واضحة لمن أرد أن يكون ما بينه وبين الله عامر، وما بينه وبين العالمين خراب، كما جاء في شعر رابعة العدوية… لنبصر الواقع من خلال مستلزمات العصر وشروطه وسبل العيش فيه والتكيف معه، فمثلا إذا كانت ثقافة العصر قائمة على سياسة العري من الأجساد إلى المواقف السياسية، وهذا يمثّل ـ كما نعرف جميعا ـ دخول البشرية مرحلة جديدة من التاريخ مؤسسة على ثقافة الجاهلية الأولى، فهل علينا نحن المسلمين وأهل الكتب السماوية الأخرى أن نتعرّى لندخل التاريخ؟ ويطرح السؤال في كل المجالات الأخرى، حيث نرى دخول التاريخ مناقضا لمتطلبات الإيمان، فالنجومية في الصحافة والفن والرياضة وحتى السياسة هي أفعال معاصرة لدخول التاريخ، ولكن الوصول إلى المبتغى بالنسبة للنّجم ـ كل في مجال تخصصه ـ يمرّ عبر طريق مناقض للإيمان في الغالب.

لكن هل هذا يعني بقاءنا خارج دائرة الفعل التاريخي للأمم؟.. ليس هذا هو المطلوب، لأنه إن جاءت الأعاجم بالعمل ـ من خلال المنظور الإيماني ـ وجئنا بغيره، لهم أولى منّا بمحمد (ص) يوم القيامة، إنما المطلوب هو إعادة النظر في أفعالنا، إذ لا يعقل أن نراعي مشاعر البشر ولا نستحضر الله، ثم لماذا لا ندخل التاريخ أيضا من باب الإتقان؟!.

 قد يرى البعض أن الحديث هنا منصب على الأخلاق أكثر منه على كسب المعارف، والمسلمون ملّوا من الاستماع لنصائح الوعظ والإرشاد، هم محقون في ذلك، غير أن المدخل لأفعالنا الدنيوية، ما لم يكن أخلاقيا فهو مجرد هوى نتساوى فيه مع الآخرين، وبالتالي لن تكون هناك ضرورة للقول بأننا جماعة مؤمنة.

من جهة أخرى، فإن امتحان الإيمان يتطلب حرصا ومحاسبة يومية للأنفس حتى لا تسحبنا الفتنة إلى عالمها الدموي، ما يعني أن النجاح في شقّه الخاص بالعمل الصالح هدف نسعى إليه جميعا، والعمل بجد من أجله يتجاوز الدوافع المختلفة التي تختفي وراء الأوطان والأحزاب والمصالح… ونحن في أمسّ الحاجة إلى النجاح على الصعيد المحلي في كل دولنا، وبين المتخاصمين حول القضية الواحدة كما هي الحال بالنسبة للفلسطينيين، وبين الذين اكتووا بنار الفتنة، المثال الواضح ما حدث بين الجزائريين والمصريين خلال الشهور الماضية، وبين الذين ألهاهم التعصب المذهبي عن إدراك الحق كما هو الأمر في العراق.

التحضير المتواصل لامتحان الإيمان يمثل قضية حياتية للعرب إن أردوا الخروج من مأزق الوجود في التاريخ، وإن فازوا فيه أو حققوا بعضا منه، عادوا إلى زمنهم الأول حين أطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف… لنتدبّر حياتنا، فلسنا وحدنا من يعاني، فغياب الآمان حالة عامة، والبشرية تحتاجنا اليوم رغم ضعفنا للنجاح في اختبار الإيمان وتحقيق شروطه، وليس الدخول في التاريخ بأفكار تعيدنا إلى كهوف الظلام… مع أننا نعيش في عصر الطاقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • الشيطى

    احييك استاذ خالد اولا فلا املك نفسى من التعليق على اى مقال لحضرتك واعتقد فى رايى المتواضع ان التاريخ يذكر الطالح والصالح فكما يذكر مانديلا وغاندى يذكر ايضا هتلر وصدام حتى فى القران الكريم يذكر اليهود بافعالهم القبيحة ويذكر المسلمون وقوة ايمانهم اذن وفى حياتنا المعاصرة ممكن لمهووس بالشهرة ودخول موسوعة جينتس باعتبارها المؤرخ الحصرى لهذا العصر يمكن ان يلقى بنفسة فى التهلكة ليدخل التاريخ من وجهة نظرة ولذلك ولذلك مسمى التاريخ عندنا مرتبط بالشهرة والمجد ونسينا اننا ماخلقنا الا لعبادة الرحمن والعبادة ايضا لها مفاهيم كثيرة غير التى يختزلها المتصوفون فى الزهد فى الدنيا والصلاة والصيام وغيرة من العبادات ولكن العمل اهم ركن فى العبادات وبما اننا ابتعدنا عن تعاليم قائدنا الرسول (ص)وتركنا ماان تمسكنا بة لن نضل بعدة ابدا فسنظل نركد فى حلقات الدنيا المفرغة ولن نصل لمجدنا الدنيوى ولا خلودنا فى جنة الرحمن بعد فناء الدنيا وبذلك نخرج من الدنيا كما دخلناها ونكتشف اننا لم نكن نستحق ان نكون على ملة الاسلام وذلك بعد فوات الاوان على ارض المحشر ونبحث عن لواء ننزوى وراءة يوم الحساب فلم نجد ستقول اننى متشائم لدرجة السواد اقول لك بل هو الواقع ليس الا وارجو ان اكون مخطئا ويظهر لنا لواء فى حياتنا الدنيا نحتمى بة يوم الحساب قبل ان نخرج منها وعشان تتاكد من كلامى وانا اثق فى عقليتك وثقافتك حاول تعمل استفتاء على من ياتيك بفعل دنيوى عملة لوجة اللة وليس لغرض اخر يدخلة التاريخ (قراننا العظيم) بشرط ان يكون صادق مع نفسة اولا

  • عبد الرحيم محمد

    اية رايكم لو نبداء نعمل منتدى عربى علمى تحت مسمى امة واحدة هدف واحد وننبذ فية كل متعصب لغير الامة والدين ويكون هدفة البحث فى مشاكلنا وقضانا ونهاجم فية الفساد والفاسدين فقط ونقوم بحملة على كل خائن وفاسد وسارق لثروة الشعوب بدل ما نشتم بعض كما يكون هدفة ايضا هدم الحواجز بين الامة العربية ونلغى كل الحدود والمسميات ونكون امة واحدة ووطن واحد اية رايكم من يبداء معى هذا التجمع الكبير

  • محمد سليم

    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
    واشكر اصحاب الفتنه بين مصر والجزائر هههههههه لاني لولا هذه الفتنه ما تعرفت علي رجل محترم مثلك ياستاذ خالد
    والله اني احبك

  • عبد الرحيم محمد

    اخى الكاتب شكرا للك على اجتهادك فى مقالك ولاكن اختلف معك لن ندخل التاريخ الا من باب العلم فقط ليس من باب الرياضة كا ذكرت فا البرازيل لديها افضل لاعبى العالم ولا موقع لها على خريطة العالم فنحن العرب مرضى با الغرور
    نبحث عن اى شئ نخبى فية فشلنا وخيبتنا ما فيشى غير كرة القدم بتاعة الفاشلين على رائ الوالد علية رحمة الله
    اما الدين فهو فريضة لايجب ان نقرنها بكرة قدم تقذف با الاقدام لماذا ندارى فشل هؤلا العرب ورائها لماذا لا نفتخر بعلمائنا ومختراعينا تعرف لماذا لاننا لانملك الا القليل منهم وهم معدودون وبلد او اثنين او ثلاثة فليس هناك مجال للردح فهمت من هم العرب يا سيدى يبحثون عن التافه لكى يتحدثو فية لانهم لايملكون غيرة وليس لهم تاريخ فكل من جاهد لتحرير بلدة يقول لى تاريخ التاريخ ان تكون اثرة انت فى الاخرين كما فعلت مصر فى قديم الذمان وفعل زعمائها

  • محمد

    اعلم ان الشروق لن تذيع لكن سلمت يمينك يا استاذ خالد يا محترم

  • خبير الذرة

    اشكرك استاذي الفاضل لقد كفيت ووفيت و لابأس ان اعقب بما يلي، حسب ما أرى ان التاريخ لا يصنع و لا يدخل انسان التاريخ و لا يضع نفسه في التاريخ انما التاريخ هو الذي يدخل انسانا او امة حتى حيوان فيلبسها ذكرا في الحياة الدنيا و فوزا عند اهل الآخرة الواصلين ، بسم الله الرحمان الرحيم(قل لو ااجتمعت الجن و الانس على ان يضروك بشيئ ما يضروك الا بشيئ قد كتبه الله عليك و ان اجتمعت الجن و الانس على ان ينفعوك بشيئ ما نفعوك الا بشيئ قد كتبه الله لك) اذن ان كان بشرا و حيوانا (يدخل التاريخ) فان التاريخ دخل هذا الانسان منذ بلغ اربعين يوما في حياته حين يحدد الله عز و جل حياته و رزقه ثم يهديه النجدين اما كفورا او شكورا.
    في الخلاصة نقول هذا الكون باكمله لديه من يسيره و يجعل فيه نجوما و أهل التاريخ و منهم من يجعلهم في مزبلة التاريخ و يجعل لهم عصرا محددا مثل ما حدد بعد الشمس عن الارض و كمية الاكسجين الموجودة في الكون و كل شيئ بامره ...يتبع...

  • ناصر

    والله انت كاتب فنان وعبقري