-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العمال أولئك العبيد الجدد

الشروق أونلاين
  • 461
  • 0
العمال أولئك العبيد الجدد
أرشيف

هل من الصدفة أن يتزامن عيد العمال هذا العام مع اتساع رقعة الحراك الشعبي في الجزائر مع صعود موجة الاحتجاجات تكاد تشمل جميع قطاعات الوظيف العمومي والقطاع الاقتصادي؟
وعلى الصعيد العالمي هل من الصدفة أن يحتفل عمال العالم بعيدهم هذا العام في أجواء تميزها أزمة غذاء حادة وحزام من الفقر يمتد اتساعا بين من يسمّون بالطبقة المتوسطة في نفس الوقت الذي يحقق فيه أرباب الشركات الرأسمالية وتحقق فيه جل عائلات الأعمال أرباحا خيالية جراء الاستثمار؟ وضع تطبعه المفارقة بين أفراد أسرة العمل تذكرنا بعهد الأسياد والعبيد، الجديد فيه أن العبيد جددٌ بينما الأسياد هم هم.

أزمة النظام الرأسمالي

مست إفرازات الأزمة المالية العالمية الطبقة العاملة بشكل مباشر من خلال تشابك الأسواق المتصلة بالبورصات بما فيها سوق الشغل على مستوى كل العالم. وهكذا امتدَّت الرأسمالية التقليدية -التي وقف ضدها عمالُ أمريكا وأستراليا العام 1889 مطالبين بحقوق محدودة أبرزها خفض ساعات العمل الى 8 ساعات يومية مع الحق في العطل- إلى الدول الأخرى، ولاسيما دول الجنوب، من جديد عن طريق برامج الهيئات الأممية.
تجليات ذلك: الخوصصة، خفض الدعم الحكومي ومعه مخصصات الضمان الاجتماعي، انسياب التجارة، احتكار صناعة الدواء وقاعدة “تنويع المصادر” في مجال الشغل. أما النتيجة فهي العودة مرة أخرى إلى أوضاع القرن التاسع عشر للميلاد إذ وصل العمال في العالم الى قمة الغضب من استخدامهم كوسيلة للتراكم الرأسمالي وليس كشريك كامل الحقوق. هناك دول اليوم يعيش فيها العمال أوضاعا لا توصف بسبب طبيعة القطاع الخاص السائد ووفرة اليد العاملة الوافدة، وهناك دول أخرى لا تتأخر في توظيف الأطفال دون سن الشغل في ممارسة أشقِّ الأعمال، وهناك دولٌ لا زال العمال فيها يطالبون بحقوقهم دون جدوى والكل يعيش على هاجس التسريح أو الاحالة على التقاعد المبكر بمجرد أن تلوح أزمة مالية أو سياسية في الأفق كما يحدث الآن في بلادنا.
وعندما انسحبت الدولة من ادارة الاقتصاد في الدول التي سادتها الاشتراكية يوما ما برزت على السطح مشكلات التحول إلى السوق الليبرالية، وبمجرد أن خف لمعان اقتصادات السوق أدرك الجميع بأن مشكلات جديدة ستواجه عمال العالم ليس بسبب الأسياد أصحاب الرساميل الكبرى وحدهم، بل أيضاً بسبب عدم استعداد الحكومات لمرافقة هؤلاء العمال في منظومة الحرية الاقتصادية.

المنظومة الرأسمالية تتجدد

في كل عام ينتظر عمال العالم بمناسبة عيدهم أخبارا سارة تحسِّن أوضاعهم المعيشية، وفي كل عام يحدث العكس وتحمل الأخبار في اليوم ذاته أحاديث عن معاناة متجددة. وفي العام الحالي نحتفل على وقع تدهور قدرة العمال على الاستهلاك بسبب ارتفاع الأسعار العالمية وعودة الأمراض التي تُسمى بأمراض الفقر وزاد عدد التقارير الدولية التي تنذر بأزمة حقيقية في الأفق ستمس نحو 2 مليار من سكان الأرض بمن فيهم سكان أكبر دولة صناعية في العالم، أمريكا، التي أحصت في آخر تقرير لها أكثر من 20 مليون شخص تحت عتبة الفقر. أما تلك الدول التي تمتلك ثروات اقتصادية غير مستغلة كجل الدول الإفريقية فهي اليوم عرضة لرأسمالية جديدة تصنع منها بؤرا للتوتر السياسي من أجل تحكم أكثر وحشية في الموارد.
ولا يكاد يسلم من نتائج الرأسمالية الجديدة أحد، ووقع جل الموظفين في أمريكا في فخ القروض البنكية والرهن العقاري، وصار مئات الألوف منهم لا همّ لهم سوى مسكن يؤويهم. أما الدول التي انضمت مؤخرا إلى الاتحاد الأوربي من شرق أوربا فصار عمالها عبيدا جددا في فضاء اقتصادي يعاني منافسة شديدة من المارد الصيني.
وفي دولنا العربية ها هو موضوع “الأمن الغذائي” يطرح بقوة على خارطة التحديات الجديدة التي ستواجه في الأفق المنظور أغلب تلك الدول، وها هو خطر شح الغذاء يرفع من توقعات عدد ناقصي التغذية من 13٪ من إجمالي سكان الوطن العربي الآن إلى الرقم الذي كان سائدا إبان السبعينيات من القرن الذي مضى وهو 30٪.

من يدافع عن العمال؟

عندما انطلقت حملة مناهضة الرأسمالية والمناداة بخفض عدد ساعات العمل إلى 8 ساعات في اليوم عام 1889 بإيعاز من مفكري الشيوعية، لم يكن أحدٌ يفهم لماذا خلت العصور الإسلامية من احتجاجات العمال ولم يكن هناك حاجة إلى تأسيس نقابة تدافع عن حقوقهم؟
وربما المفكرون المسلمون وحدهم هم من يدرك أن الإسلام احتاط للأزمات قبل وقوعها وأسَّس مشروع المجتمع على أساس سدِّ ذرائع الظلم والتشنج وتبقى مساحة الاحتجاج ضئيلة بالشكل الذي يجعل من تأسيس النقابات أمرا ثانويا. وعندما طالب عمال العالم بخفض حجم العمل اليومي إلى 8 ساعات، كانت نصوص الإسلام تشير إلى أن الحجم المثالي هو 6 ساعات يوميا؛ إذ وردت أحاديث تقسِّم يوم المسلم إلى 4 أشطار: شطر للعبادة وآخر للعمل وثالث للراحة ورابع لقضاء الحاجات. وهكذا وبتقسيم اليوم إلى أربع حصص متساوية يكون حق رب العمل 6 ساعات من يوم العامل لا أكثر، وهو الرقم الذي يشكل الأمثلية في موضوع إنتاجية العمل.
والمتأمل في مشهد أسواق العمل في العالم يلاحظ عدد النقابات التي ما زالت تتكاثر باستمرار وكيف امتدت هموم العاملين إلى المجتمع المدني، وكيف تسربت المشكلات إلى نواح أخرى لم تكن معروفة مثل: سلم الأجور، الاتفاقيات القطاعية، ظروف العمل، مصير المتقاعدين وحقوقهم، الأمن الصناعي، إدارة شؤون العمال الوافدين واستخدام الطفولة البريئة في الأشغال الشاقة. وفي الحالة الجزائرية ها هو الصراع يمتد بين الحكومة والجبهة الاجتماعية عنوانه: التهميش وإهمال رأي النقابات في الاختيارات الكبرى للبلاد وفي الحلول التي تراها السلطات العمومية ملائمة لعالم الشغل.
لقد كتب أحدُهم عن أوضاع العمال في دول محددة فأسماهم بالعبيد الجدد مع فرق في الوصف، فالعبيد الأوائل كان يقودهم أسيادهم تحت لهيب السوط، أما عبيد اليوم فتقودهم أيديهم بسبب الحاجة وغياب منظومة فكرية للعمل كالتي أطلقها الاسلام منذ أكثر من 14 قرنا خلت. عيد سعيد لعمال العالم وحظ أسعد لعمال الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!