-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العمق الاستراتيجي للكيان: بين الأسطورة والواقع

بقلم: نبيل كحلوش
  • 286
  • 0
العمق الاستراتيجي للكيان: بين الأسطورة والواقع

بعد عملية الطوفان في 7 أكتوبر 2023، اضطرّ الكيان إلى الخروج من سياسة التوغل الدبلوماسي -على غرار التطبيع ومحاولة الانضمام للاتحاد الإفريقي وغير ذلك- إلى التوغل العسكري المباشر، وذلك بسبب ضعف الأسلوب الدبلوماسي في تغيير المعادلات مما اضطره إلى كشف الأساليب العسكرية التي سيوظفها في المنطقة..

يعني ذلك أن النتيجة المباشرة لهذا التحرك هو تغيير للعمق الاستراتيجي الإسرائيلي.. فإذا كان عمقه من قبل يستند إلى سردية إسرائيل الكبرى ولكن من دون دلالات واقعية تسند ذلك، فإن التحركات العسكرية الأخيرة في سنتين -أي شن ضربات في المنطقة تمتد من تونس غربا إلى إيران شرقا ومن لبنان وسوريا شمالا إلى قطر واليمن جنوبا- تعني بأن هناك رسما جديدا لدائرة العمق الاستراتيجي للكيان. فما هي محدداته وماذا يعني هذا الواقع الجديد؟

أولا: العمق الاستراتيجي الإسرائيلي من الرمزيات التلمودية إلى الواقعية الهجومية
كانت السردية القديمة للكيان تقدّم فكرة “إسرائيل الكبرى” كدولة ممتدة من مصر إلى العراق ومن سوريا إلى الجزيرة العربية.. وحسبما يبدو فإن هذه الفكرة ارتبطت بصورة أسطورية تتبناها النخب الدينية للكيان وبالأخص بعد 1967 إذ كانت هزيمة الدول العربية ذريعة لتلك النخب من أجل طرحها كمشروع سياسي مستقبلي. ولكن بعد عملية الطوفان لم يكن متوقعا أن تتحول تلك الرؤية إلى واقع عسكري إلا بعدما صدمت المقاومة لمدة سنتين جعلت فيها الضغط يتصاعد بشكل غير متحكم فيه لا من الكيان ولا من المنظومة الدولية ككل، إذ أن سعي الكيان للقضاء على قوة المقاومة جعله يوظف قوة مضاعفة خرجت عن نطاقها المحلي وتحولت نحو نطاق إقليمي واسع جدا، فشن ضربات على اليمن اليمن على بعد 2100 كلم، وضربات على دمشق على بعد 215 كلم، وأخرى على لبنان بعمق 200 كلم، وعلى إيران على بعد 1700 مائة كلم، وعلى قطر بمسافة 1700 مائة كلم.

كل ذلك قد رسم دائرة واسعة للتحرك تجاوزت الرمزيات التلمودية.. مما يعني صنع واقع جديد أصبحت فيه الرسالة الإسرائيلية واضحة تتمثل في قدرتها على التحرك في دائرة واسعة نصف قطرها 2100 كلم، أي المسافة بين الكيان وأبعد نقطة استهدفها جويا وهي اليمن.. مما يعني أن هناك دائرة واسعة تحيط به مساحتها 14 مليون كلم مربّع كلها قابلة للاستهداف نظريا.. أي مناطق مثل إيران شرقا وتونس غربا وتركيا شمالا والقرن الإفريقي جنوبا.
هذا العمق الاستراتيجي الجديد الذي كشفه الكيان بعملياته العسكرية الأخيرة يوضّح أن حتى فكرة (إسرائيل الكبرى) نفسها أصغر بكثير من نطاق تحركاته العسكرية اليوم.

ثانيا: نقاط ضعف الإقليم
إذا قمنا بتقييم موضوعي للقوة العسكرية لدول الإقليم، فسنلاحظ أن كل الدول التي استهدفها الكيان تعاني من ضعف فادح في قوة سلاح الجو. فلبنان وسوريا من دون سلاح جو ولا حتى دفاعات أرضية. أما إيران فعلى الرغم من قوتها الصاروخية إلا أنّ سلاح الجو تحديدا لا يمتلك قدرات الاعتراض ولا الهجوم. الأمر نفسه في اليمن الذي يتميز بامتلاك صواريخ أرضية ومسيّرات ولكن بدفاعات أرضية وسلاح جوي أضعف من الكيان، في حين أن قطر على رغم من حداثة قدراتها العسكرية الجوية والدفاعية إلا أنها مرتبطة بشدة بالقرار الأمريكي الذي يجعلها محيَّدة من معادلة الردع.
وبصورة شاملة لم يتصادم الكيان مع أسلحة الجو الرائدة إقليميًّا مثل تركيا ومصر والسعودية، ولكن مع ذلك فإن السعودية ليست مختلفة كثيرا عن قطر فيما يخص ارتباط قرارها العسكري بالولايات المتحدة الأمريكية.. في حين أن تركيا ومصر تمتلكان تشكيلات مختلفة ولكن مع قيود سياسية وقانونية مع الكيان تكبِّل تحركاتهما.

ثالثا: مستقبل العمق الاستراتيجي الإسرائيلي
بعد الواقع الجديد الذي رسمته الضربات العسكرية للكيان، فإن العودة إلى الواقع القديم باتت مستحيلة إلا بدمار أو زوال قدرات الكيان نفسه. وهذا يعني أنه بافتراض الاستمرارية في الحرب فإن المساحة الجديدة التي رسمها الكيان بعملياته العسكرية ستبقى هي نفسها.. أي أن دول الجزيرة العربية وتركيا والدول المغاربية وإيران ستكون مهدَّدة بشكل مباشر بعد اقتراب الضربات العسكرية منها. مما سيرسم مسارين للأحداث:
مسار داخلي، وهو أن يُفكَّك العمق الاستراتيجي للكيان بضربات داخلية في العمق وهذا بزيادة دعم المقاومة لتشن ضربات في قلب الكيان.
ومسار خارجي، وهو أن تتحد الدول المعرَّضة لتهديدات الكيان من أجل تشكيل خطة قتالية مشتركة تحدُّ من تحركاته الواسعة.

إن نهاية التهديد الإسرائيلي ستكون باتِّحاد القوى الشرقية والغربية معا لأنه بالأساس قائمٌ على تفرقة تلك القوى. ورغم أن سلاح الجو الجزائري ذا قوة وقدرات عسكرية أكبر من عدة جيوش في المنطقة إلا أن الجزائر لم تعتمد على هذا المفهوم العسكري البحت في مواجهة التهديدات بل أثبتت صواب رؤيتها بالدعوة إلى نهج اتحادي تعاوني في مواجهتها وليس نهجا أحاديا، لأن مسارات التطبيع المتهور والعمل المنفرد للعديد من الأطراف هي التي أوصلت المنطقة إلى هذه الحالة من الضعف فانقلبت التحديات عليها بشكل عكسي.. وهذا ما يحتم العمل اليوم على تنظيم (القوى المقاومة) بشكل حديث له نهج استراتيجي شامل في التصدي للكيان على كل مستويات الصدام عسكريا وسياسيا واقتصاديا وإعلاميا.

بعد الواقع الجديد الذي رسمته الضربات العسكرية للكيان، فإن العودة إلى الواقع القديم باتت مستحيلة إلا بدمار أو زوال قدرات الكيان نفسه. وهذا يعني أنه بافتراض الاستمرارية في الحرب فإن المساحة الجديدة التي رسمها الكيان بعملياته العسكرية ستبقى هي نفسها.. أي أن دول الجزيرة العربية وتركيا والدول المغاربية وإيران ستكون مهدَّدة بشكل مباشر بعد اقتراب الضربات العسكرية منها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!