الفاعل والمفعول به!
17 نقابة “مستقلة” تجتمع، تراسل رئيس الجمهورية، تطلب لقاء الوزير الأول، وتخيّر الحكومة بين الحفاظ على التقاعد المسبق والنسبي والحق في مراجعة الأجور، وبين إعلان حركة احتجاجات تكسر هدوء وسكينة الدخول الاجتماعي القادم، ما لم يتّم إلغاء قرار الثلاثية فورا!
من الطبيعي أن يثير قرار تجميد أو إلغاء التقاعد المسبق إلى أجل غير مسمى، ثائرة العمال والموظفين والمستخدمين بالساعة واليوم والشهر وحتى السنة، فهذا الإجراء في حال تمّ تطبيقه، سيهدد هؤلاء وأولئك في مسارهم المهني واستقرارهم العائلي ويضرب أيضا صحتهم ويفتح عليهم أبواب جهنـّم، بتحويلهم من العمل إلى القبر مثلما قالوا!
الثلاثية وحتى الرباعية والخماسية، “مسحت الموس” في الأزمة المالية التي أتت على الأخضر واليابس، وتكاد تضرب الغرس والنسل ومنتج العسل والبصل، لكن الظاهر أن الحكومة ومعها المركزية النقابية و”الباترونا” لم يدرسوا جيّدا آثار وتداعيات قرار ارتجالي ومتسرّع حتى وإن كان اضطراريا!
النقابات “المستقلة” انتفضت وأعلنت تكتلها وتأسيسها لجبهة اجتماعية هدفها إجهاض مشروع إلغاء التقاعد المسبق، لتتحرّك المركزية النقابية وتجمع شمل فدرالياتها بغرض إجهاض الإجهاض، فيما أعلنت فروع تابعة للاتحاد الذي لم يعد عاما، تمردها وعصيانها وشق عصا الطاعة على “سيدهم” السعيد!
هو التقاعد و”التقعاد” يحرق النقابات ويشعل النار في بيوتها وعند أسوار جيرانها وأبناء عمومتها وأخوالها، ومع التأكيد الرسمي على تمسك الحكومة بقرار الثلاثية، كحلّ لا بديل له، لتخفيف النفقات و”الخسائر” على الخزينة العمومية وصندوق الإرادات باعتباره “شحيحة” الجزائريين، فإن المخاوف تستنبط مشروعيتها من احتمالات التصادم!
كان بإمكان المركزية النقابية كشريك فاعل ومفعول به، في الثلاثية، أن تلتقي بالعمال والمنخرطين في لقاءات للتحسيس والتسييس، في محاولة لإقناع الرافضين والغاضبين بجدوى وضرورة إعادة النظر في نظام التقاعد، لكن منطق “دزوا معاهم” وعقلية “لن أريكم إلاّ ما أرى”، جعل المركزية تصبح لا مركزية وتكاد تضيّع الجمل بما حمل!
النقابات “المستقلة” ومعها “المستغلة”- بفتح الغين وكسرها- تحتج ولو بأثر رجعي على عدم إشراكها في الاجتماع المصيري للثلاثية، ولو كانت هذه الثلاثية ذكية، لأشركت تلك “الندّابات” في اللقاء، حتى ينفضح الصادقون والكاذبون، لكن تغييبها واتخاذ قرار يمسّ ملايين الجزائريين، منحها صكا على بياض لاستغلاله نقابيا أبشع استغلال، وهذا حقها، بنفس الطريقة التي تسلب المركزية حقوق العمال بدعوى حقها في نهب الحقوق!