الفضاء الرقمي يحتاج إلى دعم من طرف السلطات وتمديد الحريات
صنّفت الجزائر في المراتب الأخيرة عربيا ودوليا في مجال إنشاء دفاتر الأنترنت أو مايطلق عليه إسم “المدونات أو البلوغرز” وأرجع العارفون بهذه الحركة سبب التأخر إلى وجود ضعف في الحراك السياسي بالإضافة إلى عدم جرأة المدونين في تناول المسائل الحساسة وانعدام المبادرات “الجادة”، وانكماش المعارضة على نفسها، ما استدعى بعض المدونين إلى اللجوء إلى فضاء مواقع التواصل قصد إبداء آرائهم وهو ماعرف مؤخرا “بالتدوين المصغر” بعد أن تعذر على الكثير منهم نشر أفكارهم تخوفا أو هروبا من مقصلة القانون، التي أدخلت المدونة ضمن مواد النشر الإلكتروني التي قد يعاقب عليها المدون في حال مس بأمن وسيادة الدولة في إطار مصطلح الجريمة الإلكترونية ولإثراء النقاش حول التدوين الإلكتروني في الجزائر، أراد موقع “الشروق أونلاين” من خلال ندواته الاسبوعية، أن يفتح هذا الباب للتوضيح ماهية التدوين وانطلاقاته كحركة إعلامية بالجزائر.
نصرالدين قاسم: نود بداية معرفة مدلول التدوين وتطوره، منذ أن لجأ إليه الإنسان قبل أن يعرف الورق؟
عبد الهادي بهلولي: التدوين هو كلمة لها تاريخها ولها أصولها في تاريخ الحضارة الإسلامية، وما نشأة الدواوين وكتاتيب الملوك والأمراء، إلا دليلا على أن الحضارة الإسلامية لها رصيد تاريخي في التدوين.
وكلمة دَون (بفتح الواو) تعني التأصيل لما يقال في الاجتماعات الرسمية، ولذلك نشأت الدواوين في عهد الخلافة الإسلامية، وقبل ذلك كانت معروفة لدى الأمراء والملوك.
فالديوان الآن معروف لدى الحكومة، ولدى رئاسة الجمهورية، ولدى الوزراء، ولدى حتى بعض الإدارات، ولكل إدارة الآن تقريبا ديوان.
وللمدونة مصطلح آخر في الجانب التقني فهي تعرف أيضا باسم (blog) وهي اختصار لـ( web log، والقصد بها بلغة شبابية مخففة، (كتابة كل ما يدور في الشأن الإعلامي، والشأن الثقافي، والشأن السياحي، والشأن الأدبي)، وغيرها من المجالات المتداولة على الشبكة الإلكترونية، وقد تكون المدونة لشخص وحتى عدة أشخاص، لا يتعدون عدد أصبع اليد الواحدة. فالتدوين له مفهوم آخر معلوماتي أكثر شمولية، وهو ما نتركه للإخوة المختصين في هذا المجال.
جابرحدبون: نعم كما قال الدكتور، التدوين قديم قدم التاريخ، ومع تطور التقنية بات أمرا لا بد منه، ولما له من تأثير، فقد أصبح التدوين له تأثيره في الواقع، وليس مجرد هواية، ونحن لما دخلنا مجال التدوين، كانت هناك مستجدات، حتى لا أقول عقبات، من شأن مثل هذه الندوات أن تناقشها وتعالجها.
قادة زاوي: التدوين التقني ظهر في تسعينيات القرن الماضي (1991- 1992)، ومع تطور ما يعرف بالإعلام الاجتماعي (النص، والصورة، والفيديو)، تطور (الواب بلوغ) الذي يقصد به نقل نص عادي إلى الإنترنت، وظهر أيضا بعد “فقاعة الانترنت سنة 1999″ما يسمى (سي أم أس) أو (نظام إدارة المحتوى)، وظهرت كذلك مواقع خاصة بالتدوين مثل ( واب بريس)، و(شركة بلوغ سبوت) ونظام إدارة المحتوى (جورنال)، وغيرها من المواقع المتخصصة في التدوين، الذي انتشر بقوة في قاعات الانترنت، وأصبحت هناك ما تسمى بصحافة المواطن، التي برزت في الغرب أكثر من العالم العربي، الذي لم يعرف التدوين الالكتروني حتى سنة 2004-2005، خصوصا في مصر والخليج العربي، أين ظهرت عديد المدونات، وظهر معها موقع كبير هو موقع “مكتوب”، الذي ظهرت معه أيضا مدونات “مكتوب”، والتي أعطت للمستخدم العربي من التقنية ما جعلته يُقبل على التدوين من خلال نماذج مبسطة.
والتدوين ظهر مع ظهور الكتابة بمختلف أشكالها عام 3000 قبل الميلاد، وجاء لتلبية حاجة الإنسان إلى أن يعبّر، وربما الضغط الذي عرفته الدول العربية في العشرية الماضية، ساهم في أن يأخذ التدوين شكلا أكثر حدة، سرعان ما جعلته ينتقل إلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك”.
معظم المدونين يديرون ظهورهم للتدوين في القضايا السياسية تجنبا للمسائلة القانونية
منير ركاب: الكثير من الشباب الشغوف بالكتابة أو التدوين المصغر، يجد أمامه هاجس القانون الذي يضع له قيودا وعقوبات صارمة تجعله يتخوف من إنشاء مدونة للكتابة والتعبير عن أفكاره، ماهو الوضع القانوني للتدوين بالجزائر؟

عبد الهادي بهلولي: ليس هناك قانون واضح يجرّم التدوين أو المدونين في الجزائر، فهذا يعتبر تغليطا بل توجد رقابة غير مقننة تجعل المدون يتهرب من الكتابة خوفا من المتابعة القضائية، إذا هو هاجس ذاتي وتخوف من المراقبة بدون وجود قانون يجرم الفعل، ولهذا نجد معظم المدونين يلجأون إلى التدوين في المجال الأدبي والثقافي لتجنب المسائلة القانونية.
جابر حدبون: أنا أشاطر رأي الأستاذ بهلولي، مع إضافة أن التخوف من إنشاء مدونة سواء على مواقع التواصل أو على مواقع رسمية أو صفحات الجرائد ناتج عن انعدام مبادرات “جادة” لتكريس الديمقراطية والحريات، وعدم وجود مطالب “حقيقية” في هذا الاتجاه، بسبب انتشار روح اليأس لدى بعض المبدعين والمفكرين وحتى الصحفيين، ولكن الأمر يبقى بالنسبة للمدونين ملعبا لا يحق للاعب فيه أن يتجاوز خط التماس وإلا سيواجه متاعب قانونية قد تجره إلى المحاكم وأحيانا السجن.
قادة زاوي: والله أنا لم أعرف أن هناك مدونا في الجزائر سجن بسبب مدونته والأمر في هذا له خلفياته السياسية. أنا مع وجود قاونين انظباطية تؤطر الحركة الإعلامية المسماة بالمدوّنة، ولكن يجب أن يتمتع المدون ببعض الخبرات حتى يستطيع التفاعل مع المجتمع بحكم أن التدوين هو بمثابة صحافة الشارع، وما يمكننا الحديث عنه حاليا هو أن الكتابة أو التدوين بالجزائرأصبح يمتاز بحرية مقيدة، ولهذا نجد الكثير من المدونين يلجؤون إلى الكتابات الأدبية كاشعر والرواية بعيدا عن صخب السياسة، التي أعتقد أنها اصبحت مناسباتية بالنسبة للأقلية من المدونين المحسوبين على بعض الأحزاب، الذين يجدون في المناسبات والاستحقاقات السياسية وسيلة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، وهو مايعتبر حيزا يدخل ضمن الحملة الانتخابية للكثير منهم و”الفاهم يفهم”.
منير ركاب: قانون الإعلام لم يعطي تصنيفا قانونيا للمدونة رغم أنها تعتبر ضمن الحركات الإعلامية الجديدة في الجزائر، على أي أساس يحاسب المدوّن إذا؟
عدم تصنيف قانون الإعلام للمدونة يعتبر تجاهلا أو فراغا ينتظر ملئه عند الحاجة؟
عبد الهادي بهلولي: قانون الإعلام حقيقة لم يصنف التدوين لأنه حركة جديدة على المجتمع، ويعتبر حركة إعلامية شعبوية، ولهذا يوجد فراغ قانوني في هذا المجال تجعل من هذه الحركة الإعلامية مرأبا يتخوف الكثيرون من الدخول إليه، ونحن نتسائل أيضا هل عدم تصنيف المدونة في قانون الإعلام يعتبر تجاهلا أم فراغا ينتظر ملئه أو يعتبر حيزا ترك فيه المجال للمجتهدين في مجال القانون إيجاد مخرجاته القانونية على حسب الفعل، وما يدلي به القاضي في حال تعدى المدون المساحة المسموح بها للتعبير عن افكاره بحرية.
جابر حدبون: أنا سأخرج قليلا عن إطار السؤال وأعود للحرية المقيدة التي يتمتع بها المدوّن الذي اعتبر حاله مثل حال الصحفي، فالمدون في مجال السياسة يتبعه دائما هاجس الخوف من المتابعة القضائية رغم أن مدونته تعتبر عادية بالنسبة للكثير من المدونين أو حتى القراء، ولكن سياسة التخويف المنتشرة وسط المدونين وعدم وجود تقارب فعلي بينهم جعل الطريق معبدا لوجود قوانين وهمية، لم يتطرق إليها قانون الإعلام ولو بإشارة أو تنبيه.
قادة زاوي: وجود هامش من حرية التعبير واكتفاء المدونين بالتعليقات التي تدخل في سياق وجهات النظر، وعدم اتجاههم إلى العمل الاستقصائي والتحقيق للبحث عن التجاوزات المرتكبة في حقوق الإنسان وقضايا الفساد، مثلما يفعل المدونون في دول عربية أخرى مثل مصر والمغرب وتونس مثلا، جعل من المدونة تسقط من مواد قانون الإعلام، حيث إنها مصطلح دخيل يصعب التحكم فيه.
التدوين السياسي لم يرق إلى مستوى التأثير على صناعة القرار
محمد لهوازي: فيما يخص التدوين السياسي في الجزائر، رأينا مؤخرا أن السلطات القضائية قامت بحبس بعض المدونين لأسباب مختلفة، في رأيكم كيف يؤثر التدوين الالكتروني على حرية التعبير وصناعة الرأي العام؟
عبد الهادي بهلولي: في الحقيقة أعتقد أن التدوين السياسي لم يرق إلى مستوى التأثير على صناعة القرار السياسي في الجزائر، وبالتالي فقضية التخوف من المدونات السياسية لا تعدو أن تكون هاجسا وهميا بينما نجد له دلالات أخرى، لكن أن نصل إلى أن تؤثر المدونات السياسية في صناعة الرأي العام والشأن السياسي أعتقد أن المسألة ما زالت بعيدة الأمد في الجزائر، لأن الخريطة السياسية في الجزائر مازالت لم تتشكل نهائيا بل توجد في مرحلة مخاض، بدليل أن فعالية الأحزاب السياسية تظهر في المناسبات فقط، حيث يوجد توجه سياسي عام ولا يوجد نضج سياسي لمناقشة القضايا الهامة المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، الاستراتيجيات السياسية الكبرى واستراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي، وأعتقد أن التوجه السياسي لا يزال في مهده في الجزائر رغم أن التجربة السياسية تمتد إلى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وإذا ربطنا هذا بقضية المدونات، فهذه الأخيرة تمتاز بالحركية والفاعلية وسهولة إصدار المدونات عن طريق برامج بسيطة عكس البوابات الإلكترونية التي تتطلب تطبيقات وبرامج خاصة، وهذه السهولة في إنشاء المدونات منحت فضاء للسياسيين للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، وأنا لا أعارض الأفكار البناءة وإنما أعارض الأفكار الهدامة، وإذا كان الفكر السياسي التنويري عبارة عن حجر زاوية في البناء الثقافي والاجتماعي وإعطاء حرية للإعلام فنحن نرحب به، أما إذا كان معول هدم فنحن أول من يقف أمامه سواء كان في المجال السياسي أو الإعلامي، وعليه فيجب التفريق بين التوجه السياسي الذي يخدم المصالح العليا للبلاد والتوجهات السياسية التي تكون فيها قضايا شائكة وفيها رائحة التعفن السياسي.
السياسة التي لا تنتقد أمدها قريبا
نصر الدين قاسم: ما رأيك في مدون ينتقد سياسة الحكومة مثلا؟
عبد الهادي بهلولي: أنا مع النقد، فالسياسة التي لا تنتقد أمدها قريب. اللسياسات الفاعلة والمؤثرة هي التي تتبنى من خلال قواعدها ومشاركيها وصناعها النقد الذاتي، ويجب أن تكون لنا أطر جديدة للنقد الذاتي، فهناك الآن المدونات الالكترونية التي هي عبارة عن تعبير لطبقة معينة من السياسيين، الذين أظن أنهم وصلوا إلى درجة من النضج في استعمال المدونات الإلكترونية للتعبير عن آرائهم، ولعل في الأمر قضايا نجهلها ولذلك نجد الآن قضايا أمام القضاء في مختلف المحاكم الجزائرية.
محمد لهوازي: ألا ترى أن مثل هذه القضايا أمام المحاكم تحد من تشجيع المدونين على اقتحام المجال السياسي على وجه الخصوص؟
عبد الهادي بهلولي: أنا أؤكد أن التدوين هو قضية مجتمع سواء في الشأن الثقافي أو الإعلامي أو السياسي، لكن لا بد من جعل ضوابط وقيود للتدوين في كل المجالات ومنح الحق في نقد السياسات لكن لابد من وضع قيود في التعاملات السياسية والأدبية وفي المجال الإعلامي، حيث يجرم الفعل الإعلامي إذا كان كاذبا، فلماذا لا يجرم المدون إذا كتب أمرا مخالفا لتصريحات السياسيين؟
محمد لهوازي: قلتم إنه يجب وضع قوانين وقوانين .. من يضع هذه القوانين؟
عبد الهادي بهلولي: نحن نتكلم عن القوانين وليس القيود، وهنا الحديث يكون عن الفعل، فلما يطعن المدون في أمور ذات علاقة بثوابت البلاد…
يتدخل المدون قادة الزاوي: الثوابت الوطنية ليست حكرا على المدون وإنما على الجميع..
عبد الهادي بهلولي: لما نتكلم عن السياسة يجب أن يكون لنا أفق واسع في المجال السياسي، فمن حق أي واحد ان ينتقد الحكومة أو البرامج، لكن أن ينتقد مدون الثوابت الوطنية فهذا يعاقب كما هو معروف..
المدون يعاقب بخلفية سياسية؟

المدون قادة الزاوي: لكن المشكلة في الجزائر وفي دول العالم الثالث أن المدون مثلا عندما يعاقب عن شيء ما لا يعاقب في إطار القانون وإنما يعاقب بخلفية سياسية، فلما انتقد الحكومة مثلا وأنا أعترض على أن مدونون الذين تم إيقافهم لأنهم ليسوا مدونين وإنما نشطاء سياسيون عبر شبكات التواصل الاجتماعي وهؤلاء لم يحاسبوا بطريقة قانونية ولمخالفتهم القانون وإنما حوسبوا بخلفية سياسية دعت أصحاب قرار ما إلى جرهم إلى المحاكم، وهنا أذكر عبارة لكاتب أمريكي معروف حين قال “على المبدع أن يعارض الحكومة”، وهنا أقول أن المبدع مجبر على انتقاد الحكومة، فأنا أنتقد الملف الثقافي للحكومة لكن القوانين المسلطة على المدون تأتي بقرارات سياسية، فكيف لا نجد قوانين تطبق على المدونين غير أننا نجدهم يحاكمون ويزجون بهم في السجون؟ وهذا ما يدعونا للقول بأن خلفيات سياسية دفعت بهم إلى المحاكم.
عبد الهادي بهلولي: أنا في البداية لم أقل بانه لا يوجد قانون لمعاقبة الفعل الذي يصدر عن المدون، وأنا لست في موقع دفاع عن المدون، فإذا أراد المشرع الجزائري إدراج قضية المدون سيكون ذلك. ونحن لما نتكلم عن الشأن السياسي تدخل حرية التعبير وحرية المعتقد وحرية الثقافة إلى غيرها من الحريات لكن أن ندعو من خلال المدونات إلى رفض ثوابت الأمة أو تشجيع الظواهر الإجتماعية السلبية والدعوة إلى الفاحشة فمن حق المشرع الجزائري مساءلة المدونين، غير أنني لا أعتقد أن هناك مدونات تنتقد الشأن السياسي في الجزائر وضع أصحابها في السجون…
محمد لهوازي: هناك بعض الحالات توبع أصحابها من طرف القضاء…
عبد الهادي بهلولي: هذه الحالات ممكن شاذة والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه…
يتدخل المدون جابر حدبون: يمكن أن تتضمن هذه القضايا جانبا من التدوين وليس بسبب التدوين فقط. أنا في الحقيقة لا أدون كثيرا في الجانب السياسي بل أقوم بالتدوين في المجال الثقافي والأعمال والرحلات السياحية وليست لدي ميول سياسية للتدوين فيها.
محمد لهوازي: هل توجد إحصائيات حول التدوين في الجزائر وماهي المجالات التي يستهدفها أكثر؟
قادة الزاوي: للأسف لا توجد إحصائيات في الجزائر حول التدوين والمدونين، وهو ينطبق على جميع المجالات وهذا يرجع إلى غياب المعاهد المختصة في الإحصائيات فما بالك بالتدوين وغياب الجمعيات الناشطة في هذا الميدان.
جابر حدبون: ممكن إضافة صغيرة … هناك مبادرة من قناة “فرانس 24” نشرت في موقعها اسمها مدونات عربية جمعت 100 مدون عربي لتكوينهم في مجال التدوين، وقد شاركت فيها وتم اختياري من بين المدونين الجزائريين، حيث تمنح لك منصة لتكتب فيها مقالاتك وتهتم أكثر بالتدوين السياسي. ويشكل المدونون الجزائريون الاستثناء في هذه المبادرة.
هذا الجيل له اهتمامات كبيرة بالمجال السياسي؟
عبد الهادي بهلولي: هذا دليل على أن المدون الجزائري متأثر بالسياسة ويهتم بالقضايا السياسية والاجتماعية والإعلامية فالمدونات يمكن أن تشكل مصدر إزعاج لوسائل الإعلام، لأن معظم المدونين دون الـ25 سنة من العمر، وهذا الجيل له اهتمامات كبيرة بالمجال السياسي.
نصر الدين قاسم: لماذا هذا الهاجس الأمني الذي يطارد الجزائري في كل مكان، جعل الشاب يكبر به؟
عبد الهادي بهلولي: شخصيا أعتقد اعتقادا جازما أن الشاب الجزائري ليس له هذا المفهوم وقد تحرر من كل القيود ناهيك عن الأمنية منها، لأن ليس لديه شيء يخاف منه أصلا والآن الفضاءات الرقابية منحت له الحرية أكثر في الاتصال والتشارك، كما أصبحت له اهتمامات أكبر من تلك المتعلقة بتقييد الحريات ولا مفاهيم والحركية السياسية والأدبية والفكرية، والدليل أن الكثير من القنوات أصبحت تعتمد على هذه الشبكات للحصول على المعلومات.
وأرى أن الهاجس الآن هو كيفية تفاعل القنوات الإعلامية في الجزائر مع هذه الوسائل الحديثة وعلى رأسها المدونات، لأن الشاب الذي يعمل على تدوين المعلومة هو شاب حركي يتفاعل مع المشهد الاجتماعي بسرعة.
محمد لهوازي: هذا يطرح مسألة صدقية المعلومة التي ينقلها المدون؟؟
قادة الزاوي: في الحقيقة لا توجد وسائل إعلام جزائرية لديها صدقية كبيرة.
نصر الدين قاسم: عندما يتحدث جابر عن عدم اهتمام الشباب بالسياسة، ألا ترون أننا سنجد أنفسنا أمام شاب غير سياسي؟
عبد الهادي بهلولي: أقول إن الشاب الذي يهتم بالشأن الاجتماعي وإشكالات التنمية يعتبر سياسيا، ولو فهمنا السياسة على أنها معترك سياسي أو فضاءات سياسية للسياسيين دون غيرهم واعتبار الأب السياسي كالأب الروحي للكاثوليكيين هو مغاير تماما، فالشاب الذي يعمل على نشر المعلومة في حينها وله من الكفاءة والقدرة والتقنية على نشر المعلومات في حينها قبل أن تحصل عليها القنوات التفلزيونية هو شاب فيه خير كثير.
نحن نرفض فكرة التكتل في اتحادية لأن المدونين يجمعهم الاختلاف
رياض بوخدشة: أجمعت مداخلاتكم، على محدودية عدد المدونين في الجزائر، لماذا فشلت مبادرة تأسيس تكتل للمدونيين التي ظهرت، وانتهت قبل أن ترى النور سنة 2013، والتي من شأنها التشجيع على التدوين، وتنظيم هذا النشاط الفكري؟
قادة زاوي: نعم كانت هناك دعوة لتأسيس جمعية، أو اتحاد للمدونين، ولكن أنا شخصيا والكثير منا كان يرفض الفكرة، لأننا كمدونين يجمعنا الاختلاف، فنحن لسنا حزبا سياسيا، وأصلا اتجهنا للتدوين وإلى الفضاء الافتراضي هروبا من التكتلات.

جابر حدبون: أنا أوافق رأي زميلي عبد القادر، الانخراط في جمعية يقيد المدون، فأنا كمدون يجب أن أكون حرا، ولا ألتزم بشروط الانخراط في أي جمعية أو منظمة، لكن هناك مبادرة مشابهة وهي تأسيس يوم للتدوين في الجزائر، يكون مناسبة لقيام كل مدون بكاتبة موضوع يعبر فيه عن رأيه.
رياض بوخدشة: ألا ترون الأمر من زاوية أخرى، وهي أن تأسيس جمعية للمدونين، على غرار اتحاد الكتاب، واتحاد الفنانين، واتحاد الناشرين، قد يعطي لهذه الفئة أكثر حماية من مختلف أشكال التعسف، وينظم نشاطها؟
جابر حدبون: في هذا الموضوع أجيبك بالقول، أن المدون يرفض أن يكون تحت وصاية أية جهة، وكمدون لا أقبل أن يلزمني أحد بشيء، فإذا أردت الكتابة كتبت، وإذا لم أرد لا أكتب.
قادة زاوي: لما نتحدث عن الاتحادات الأخرى كاتحاد الفنانين، أو اتحاد الكتاب، فهذه مهن، أما التدوين فهو ليس مهنة، إنه عمل فكري نقوم به بشكل طوعي.
عبد الهادي بهلولي: ممكن أن خالفكم الرأي، هناك جمعيات مهنية وهناك جمعيات ناشطة في مجالات مختلفة، وتنظيم المدونين في إطار جمعوي له دلالات اجتماعية أكثر منها سياسية، فأنا أرى أن تجمعكم في إطار ليست له أهداف سياسية أكبر دليل على وقوفكم صامدين، أمام من يدعي أن المدونين يُضيَق عليهم في المجتمع الجزائري. ضف إلى ذلك أن كل الجمعيات المهنية في الجزائر آيلة إلى الزوال، فمثلا جمعية مزودي خدمات الأنترنت، لم يبق منها إلى عدد قليل، ونفس الشيء مع جمعية الإعلاميين في الفضاءات الإلكترونية، وجمعية مهنيي الرقمنة في الجزائر، وجمعية البرمجيات التي لم يعط لها الاعتماد إلى حد الساعة. أنا أظن أن الفضاء الرقمي في الجزائر يحتاج إلى دعم من طرف السلطات، حتى يكون لبنة في المجتمع الجزائري، وانظر حتى عندما نحتفل باليوم الرقمي، الذي هو “اليوم الوطني بدون ورق”، الوزارة الوصية تبعث لك بفاكس ورقي، “هذه أكبر مصيبة”.
جابر حدبون: هناك استغلال سياسي للمدونين، باعتبارهم في سن الشباب، وأذكر أن حزبا سياسيا نظم ندوة للمدونين، ومباشرة بعد نهاية الندوة صدر بيان من أولئك المدونين يدعم ذلك الحزب، ولذلك يبقى هناك تخوف من صعوبة التحكم في تصرف الشخص الذي يقود جمعية أو اتحاد المدونين، فهو في أي لحظة قد يخرج بتصريحات ومواقف في وسائل الإعلام لا تعبر عن أراء المدونين.
التدوين يحرر الفكر ويساهم في التنمية
رياض بوخدشة: ما هي أهداف التدوين المرتبطة بالتنمية؟
قادة زاوي: أعطيك تجربتي الشخصية، لدي مدونة اسمها “قرأت لك” وألفتها في كتاب، واشتهرت في الجزائر وفي دول بالمشرق العربي، وحاولت من خلال هذه المدونة تطوير المقروئية في الجزائر، وانتقل عملنا من الافتراضي إلى الواقع، بتنظيم ندوات وتوزيع نشريات، وقمنا بمناسبة المعرض الدولي للكتاب، بحملة إعلامية للتعريف بالمعرض، ومساعدة المهتمين على معرفة كل ما يتعلق بالمعرض وأجنحته.
فالمدون هو كاتب، يكتب لحاجة في نفسه، وعندما يكتب فهو يعبر، وعندما يعبر الإنسان تحصل له تنمية فكرية، ستساهم في التنمية الاقتصادية والثقافية.
جابر حدبون: فعلا نحن نحتاج إلى نوعية في التدوين، ولذلك نحرص على تنظيم دورات تكوينية في التدوين، حتى نرتقي بهذا العمل لمستوى المساهمة في التطور.
عبد الهادي بهلولي: هناك تداخل في هذه النقطة، أظن أن السمة الرئيسية للتدوين، هي التراكمية، وإذا تكلمنا عن التنمية من منظور اقتصادي بحث، ستساهم المدونات في التنمية من خلال تلاقح الأفكار وتشكيلها فضاء للمشاركة وخصوبة الأفكار، وهذا ما سيكون له تأثير إيجابي على التنمية، لأن المدون الذي تكون له أفكار في المبادرات الفلاحية والسياحية، وغيرها من القضايا التي يتناولها المدون بأريحية ستكون لها انعكاسات إيجابية على التنمية.