القاتل… لامبالاة!
يهزنا خبر “مقتل” حاجة على أيدي الإهمال واللامبالاة بعد ما تعذبت داخل سيارة إسعاف صالت وجالت بها بين ولايتين بالشرق الجزائري، والحقيقة أن هذه “الجريمة” حتى وإن كانت قضاء وقدرا، فإنها مجرّد نموذج لما يحدث في عشرات المستشفيات، عبر أغلب الولايات، فمن المسؤول، ولماذا في كلّ مرّة يدفع البسطاء الثمن؟
في السياق، التقيت أحد الشيوخ، صدفة في الشارع، كادت عيناه تدمعان، فسألته عن سرّ حزنه، فقال: لقد توفيت “عجوزتي” المريضة داخل سيارة ابني، بسبب الزحمة، التي منعتنا من الوصول إلى أقرب مستشفى، في الوقت المناسب، إلاّ أن قضاء الله ومشيئته أرادتا هذا!
هذا نموذج آخر، لمسببات تضيع مسؤوليتها بين هؤلاء وأولئك، ويُوزع “دم” الضحية بين القبائل، ولا يجد القاضي من يُدينه، مثلما لن تعثر عائلة الضحية على الجهة التي تجرّمها أو تحمّلها وزر ما حدث، وهذه هي أكبر المشاكل التي تواجهنا جميعا بمحرمنا ومجرمنا!
لقد أصبح الإهمال والتسيّب واللامبالاة، رجلا قويّا يمشي على رجليه، وأحيانا على رجليه ويديه، ومرات يزحف على بطنه، لا يجد من يردعه، وإذا وجد لا يتوب ولا يعود إلى جادة الصواب، والمصيبة أنه نقل العدوى إلى رجال ونساء كانوا يلعنون هذا المرض الخبيث ويُحاربونه بكلّ الأسلحة!
في الكثير من المرات، “العسّاس” يكون أقوى من الوزير والمير، فيمنع المواطن من الوصول إلى المسؤول، وأحيانا يصل المواطن إلى المسؤول، لكنه لا يسمع إلاّ الوعد المعسول والعهد “المهبول”، وبعدها وكأنه لم ير ولم يسمع ولم يتكلم، ولكلّ مقام مقال!
الذي يحدث للضحايا في الطرقات والمستشفيات والإدارات، من استهتار، يتخذ في الغالب منطق “تخطي راسي”، ولذلك لا يهتم بعض الأطباء لحياة المرضى في غرفة الاستعجالات أو داخل سيارات الإسعاف، مثلما لا يهتم “كتابجية” بدار البلدية أو مركز بريد بالطابور المتزاحم بالشيوخ والعجائز، ممّن ينتظرون شهادة حياة أو وفاة أو سحب معاش البقشيش!
مصيبتنا أننا مرضنا بعقلية “إذا خفت عمّت”، ولذلك زحف المرض إلى كلّ المفاصل، حتى أصبح البعض يموت بالقنطة، وآخرون بالقنوط، ونوع آخر يموت “ناقص عمر”، وفي كلّ مرّة مبررات واهية ومحرّضة هي كذلك على الموت بالانتحار والعياذ بالله، ولذلك ماتت الضمائر والقلوب، ولهذا توفيت الحاجة رحمها الله داخل سيارة إسعاف بعد 17 ساعة “تمرميد”!