-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللغة العربية وأساليب المصادرة

بقلم: عيسى جرادي
  • 462
  • 0
اللغة العربية وأساليب المصادرة

عندما يتعلق الأمر بوضع اللغة العربية في المدرسة، تبرز مفارقات لا حصر لها، وهي في مجموعها نضح سياسة تربوية تفتقر في جانب منها للحزم الذي يمليه تطبيق نصوص الدستور وقوانين الدولة الخاصة بهذه اللغة، وفي جانب آخر ما يفرضه احترام ثوابت المجتمع.
ذكرت في مقالات سابقة أن السعي لإعادة الاعتبار للّغة العربية، وتكريسها في الموقع الريادي والرسمي، وهي اللغة التي أجهدها تكالب الاستعمار عليها بالحظر والتضييق طيلة مائة واثنين وثلاثين سنة، كان مرافقا لنشأة المدرسة الجزائرية المستقلة، وتجلى ذلك بوضوح في النصوص التي سعت في الارتقاء بها تدريجيا، إلى أن فرضت أمرية 1976 واقعا جديدا، يكرس هذه اللغة بوصفها لغة تدريس، بدل اللغة الفرنسية المهيمنة.
هل سارت الأمور على نحو صحيح وسلس، ومن دون عوائق تذكر في سبيل تكريس هذا التوجه الدستوري والواقعي؟ أم إن مجرى الممارسات ينحو في اتجاه مختلف، إذ يتسم بالكيد لهذه اللغة، والسعي في كسر شوكتها، وإعادتها إلى الموقع الخلفي كما كانت من قبل؟
إلى حد الساعة تعاني اللغة العربية من الابتذال في المدرسة كما خارجها، ولعل ما يشير إلى هذا الفصام الغريب، جملة أوضاع تبدو منافية لما يقتضيه وجود لغة وطنية رسمية، هي الجامع الحقيقي بين الجزائريين، من دون أن تكون مبررا لأي نفي لأي عنصر من عناصر الهوية الوطنية، هوية لا تتنكر لأصولها، ولا تشكل مدخلا للتشكيك في وحدة الشعب الجزائري.
في سياق الإصلاحات التي تستهدف تطوير المنظومة التربوية، كانت الإشارة واضحة إلى ضرورة تبني مقاربات جديدة في تدريس هذه اللغة، بما يمكِّن من التحكُّم في ناصيتها، وحملها على أن تكون لغة علم وتواصل باقتدار، ويبدو هذا تعبيرا عن احترام لهذه اللغة.
غير أن حسن النية الذي تبديه الكلمات لا تعكسه الممارسات، ففي الجيل الأول من الإصلاحات، كانت المحاولة واضحة لكفِّ اللغة العربية عن أن تكون لغة تدريس، مع تقليص حجمها الساعي، وإن لم تفلح هذه المحاولة برفض مجلس الوزراء لها، إلا أن ما لم يتم إدراكه في المحاولة الأولى، سيتم الالتفاف عليه في مناورة أخرى فرضت اعتماد الحرف اللاتيني في تدريس مادتي الرياضيات والفيزياء تحديدا، وهو ما تحقق بمبرر أن الحرف اللاتيني رمزٌ عالمي ولا يخص لغة بعينها، وبسرعة تثير الاستغراب وُضعت المطبوعات المدرسية القديمة في الرفوف، ليُشرع في طباعة الكتب الموسومة بالحرف اللاتيني.
وفي القسم، يُلزَم المدرِّس بتوظيف لغتين، نطقا وكتابة، وفي المادة الواحدة، إذ لا يمكن أن تنطق حرف (x) أو (y) بما يقابلهما في اللغة العربية أي (س) و(ع)، بل تكون ملزَما بنطقهما كما هما، أي بلغتهما الأصلية، وفي هذا مفارقة عجيبة، لا نجدها إلا حيث يكون التلفيق خيارا تفرضه أقلية إن لم تملك القرار كله، فهي لا تعدم إنفاذ بعضه، ومن نتائج هذا التلفيق تحويل ملايين النسخ مما كُتب بالعربية حرفا وكلمة إلى سلة الإعدام، كانت الكلفة المادية فاحشة، بالقدر ذاته الذي كانت عليه الكلفة الأدبية.

هي تحديات قاسية لا تزال تعترض مسار تصحيح وضع اللغة العربية في المدرسة الجزائرية، فإلى جانب الضعف الملاحَظ في المكتسبات اللغوية للتلاميذ، وحتى خريجي الجامعات، فإن الواقع الذي يفرض اللغة الفرنسية لغة معاملات في الإدارة والاقتصاد، يضع أحمالا إضافية على عاتق من يكابدون في سبيل إعادة الاعتبار للعربية، وجعلها لغة المدرسة والإدارة والاقتصاد، ناهيك عن الثقافة والدبلوماسية والإعلام وما شابه ذلك.

يقولون لك في سياق تبرير الخيار الذي يُبقي اللغة العربية محاصَرة في المدرسة، ويلقي بظلال كثيفة من الشكوك على قدرتها على الإبداع واستيعاب العلوم المعاصرة، إن الجامعة التي تتلقى مخرجات هذه المدرسة، لا تُدرِّس العلوم التطبيقية بالعربية، ليكتشف الوافد الجديد على الجامعة أن ما درسه بالعربية، سيعيد اكتسابه وتطويره بلغة أخرى ليست سوى الفرنسية، أما الحديث عن اللغة الإنجليزية فسابق لأوانه مقابل ما تتعرض له من مضايقات ومحاولات إفشال مخطط لها، وبإيعاز من أكثر من طرف في الداخل والخارج، وهكذا يتيه من درس اثنتي عشرة سنة بالعربية في مسارب لغة جديدة، لعله لا يملك صياغة جملة صحيحة بها، غير أن فرض الأمر الواقع، وبما يخالف الدستور ومواثيق الدولة الجزائرية، كان الخيار الوحيد بيد من يملكون إملاء رغبتهم في إبقاء الفرنسية اللغة السيدة في هذا الفضاء، بانتظار ما قد يفصح عنه المستقبل.
في المستوى الثالث للتضييق على اللغة العربية ومحاولات استنزافها التي لم تتوقف يوما، وإن اعتراها بعض الفتور أحيانا، نجد إذكاء مسألة اللغة الأمازيغية، ودفعها للواجهة لتكون سببا آخر من أسباب التنكيل بالعربية، فمن هذه الزاوية، قد يصبح للعربية منافسٌ هوياتي (سأتطرق إليه في المقال القادم إن شاء الله)، يمكن أن يفرض الاحتكام إلى اللغة الفرنسية باعتباره حلا وسطا، ينزع فتيل الصدام بين مجموعتين عرقيتين، لكل واحدة لغتها الخاصة في الواقع كما في المدرسة، يضاف إليهما عرض لغوي ثالث بمسمى “لغة الأم”، حيث الدعوة إلى توحيد لغة البيت مع لغة المدرسة، يعني في النهاية التخلص من هذه الازدواجية بتحويل لغة الشارع المحكية إلى لغة يدرس بها التلميذ، وهي في هذا لا تختلف كثيرا عن الطرح الذي يتم به تناول وتكريس موضوع اللغات المحكية غير العربية.
في سياق إضافي، تؤدي الإدارة -بما هي عليه– حامل العصا الذي يفرض بقوته الخاصة أمرا واقعا، بدأ بقرار تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية، الذي لا يزال ساري المفعول، رغم ما تنص عليه المادة 3 من التعديل الدستوري 2020 من أن (اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية)، و(تظل اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة)، ومن أجل تطويرها (يحدث لدى رئيس الجمهورية مجلس أعلى للغة العربية. يكلف المجلس الأعلى للغة العربية على الخصوص بالعمل على ازدهار اللغة العربية وتعميم استعمالها في الميادين العلمية والتكنولوجية، والتشجيع على الترجمة إليها لهذه الغاية).
هي تحديات قاسية لا تزال تعترض مسار تصحيح وضع اللغة العربية في المدرسة الجزائرية، فإلى جانب الضعف الملاحَظ في المكتسبات اللغوية للتلاميذ، وحتى خريجي الجامعات، فإن الواقع الذي يفرض اللغة الفرنسية لغة معاملات في الإدارة والاقتصاد، يضع أحمالا إضافية على عاتق من يكابدون في سبيل إعادة الاعتبار للعربية، وجعلها لغة المدرسة والإدارة والاقتصاد، ناهيك عن الثقافة والدبلوماسية والإعلام وما شابه ذلك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!