اللغة.. مسألة هِمَّة
بعيدا عن الحسابات السياسية أو التحاليل العلمية أو التربوية أو غيرها، تبقى اللغة مسألة هِمَّة بلا زيادة ولا نقصان، أي شعب يتنكر للغته أو يُحاصرها مهما كانت ضعيفة أو محدودة الاستعمال أو غير قادرة على الصمود ومواجهة اللغات الأخرى هو شعبٌ صغير الهِمَّة أو من دون هِمَّة، أي حكومة ما تزال تعتمد لغة غير لغتها في التعامل السياسي أو الإداري أو في التخاطب فيما بينها هي حكومة صغيرة الهِمَّة أو من دون هِمَّة، وأي محاولة لمحاصرة لغتنا سواء بحجّة الانفتاح على العلوم أو محاربة التطرّف أو الخوف من الدين الذي تَحمله أو الثقافة التي تُدافع عنها هو ضربٌ للوطنية في الصميم، بل هي خيانة عظمى ينبغي عدم السكوت عنها.
لن نَكون أمّة من دون أن تكون لدينا لغة أو ثقافة، ولن نستمر في الوجود كدولة من دون هاتين الركيزتين. لذلك فإنه علينا أن نَرفع من سقف التحدي تجاه كل مَن يتآمر على لغتنا إلى درجة المساس بالمصلحة العليا للوطن.
المسألة لا تتعلق بنقاش تربوي أو سياسي حول جدوى تعليم هذه اللغة أو تلك في هذه السن أو تلك، والمسألة لا تتعلق بحسابات: هل ننفتح على العلوم أم لا بهذه اللغة أو تلك؟ إنما بخيارات وطنية ينبغي أن تُحتَرَم، وبأُسُسٍ لبناء الدولة ينبغي ألا نَسمَح بهدمها.
مهما كانت حجة مَن يُحاول التلاعب بالقضية اللغوية في بلادنا ينبغي توقيفه، مهما كانت المبررات التي يُقدِّمها: عربيتنا ضعيفة، غير قادرة على التفتح على العالم، أمازيغيتنا محدودة الكلمات لا تمتلك تراثا مكتوبا كبيرا، تبقى هي عناوين وجودنا وكرامتنا وتاريخنا، ينبغي أن نَمنَع المتلاعبين بهما مهما كانت درجة التلاعب صريحة أو مُضمَرة.
كم استمرّ هذا الملف مفتوحا؟ كم استمر الحديث عن وجود لغة عربية وطنية ورسمية؟ وكم تأخر الإعلان عن إلحاق شقيقتها الأمازيغية بها؟ ولكن بقيت السيادة الفعلية هي للغة المستعمر بالأمس، وستبقى في المدى المنظور مادمنا لا نتعامل مع لغتنا بمنطلق الهِمَّة والوطنية والاعتزاز بالذات.
كل العراقيل يمكن تجاوزها، كل الصعوبات يمكن التغلبُ عليها، في مجال تطوير لغتنا إلى مصافِّ اللغات العالمية، إلا صعوبة واحدة هي صِغر الهِمَّة والشعور بالنقص وبالدونية الحضارية أمام الآخرين، والتعبير عن الاستعداد لخدمة السيّد مستعمِر الأمس، وما تبع ذلك من تَملُّق وتزلف له وازدراء واحتقار للذات، هي التي لا يُمكن تجاوزها… لذا فإننا إذا أردنا لأيّ من لغتينا أن تنتصر في هذا البلد، بعيدا عن كل الحسابات، علينا أن نُحمِّل مسؤوليتهما لأهل الهِمَّة وما أكثرهم، لا لأهل الذِّلة والمَسْكَنة، ما أتعسهم.