المؤثرون يقودون مشتريات الأطفال والمراهقين
لم يعد الأبوان، اليوم، وحدهما من يقرر ما يرتديه أبناؤهما، أو ما يأكلونه، أو الألعاب التي يرغبون في اقتنائها، ويمكن القول إنه لم يعد لهما دخل في هذه الخيارات إلا نادرا، فقد انتقلت سلطة التأثير تدريجيا إلى مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، الذين نجحوا في بناء علاقة وثيقة مع الأطفال والمراهقين، جعلتهم يتحولون إلى مرجع يومي في اختيار الملابس، ومستحضرات العناية، والوجبات، وحتى أسلوب الكلام والتصرف.
انتصار علال
تعتمد صناعة التأثير على أسلوب مختلف عن الإعلانات التقليدية، فالمؤثر لا يقدم المنتج باعتباره إعلانا، وإنما يقدمه كجزء من حياته اليومية، فيظهر وهو يرتدي حذاء جديدا، أو يتناول وجبة معينة، أو يفتح لعبة حديثة أمام الكاميرا، فيشعر الطفل أو المراهق بأنه يشاهد صديقا أو شخصا يريد تقليده، لا شخصا يحاول البيع. وهذا الأسلوب يجعل الرسائل التسويقية أكثر قوة، لأن المتابع يربط المنتج بالنجاح، والشهرة، والجمال، والشعبية، فيصبح اقتناؤه وسيلة للانتماء إلى العالم الذي يراه على الشاشة. في هذا الصدد، تنوه الخبيرة الاجتماعية، مريم بركان: “وصلنا إلى زمن أصبح فيه المؤثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي أكثر إقناعا من الأب والأم، وأكثر حضورا في حياة الأبناء، ولم يعد الأمر يقتصر على متابعة المحتوى للترفيه، بل تحول إلى سوق استهلاكية ضخمة، تصنع الرغبات وتوجه الأذواق، وتخلق حاجات جديدة لم تكن موجودة أصلا. وهذا، بسبب غياب الأولياء عن تمثيل القدوة، وتراجعهم عن الكثير من الأدوار”.
نمط حياة مقلد.. عندما تمنع المواقع الأولياء من فرض خياراتهم
لم يعد تأثير المشاهير مقتصرا على الأزياء، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالأولياء باتوا يشتكون من مراهقات يطلبن نفس مستحضرات العناية بالبشرة التي تستخدمها المؤثرات، حتى وإن كانت غير مناسبة لأعمارهن، ويبحثن عن الحقائب والأحذية والإكسسوارات ذاتها التي غالبا ما لا تمثل ثقافتهن، بينما يقلد الأطفال الألعاب الإلكترونية، والدمى، والمأكولات، والمشروبات، وحتى أدوات الدراسة التي تظهر في مقاطع الفيديو، كما أصبحت بعض المطاعم والوجبات تحقق انتشارا واسعا، فقط لأن أحد المؤثرين تحدث عنها، بينما تنفد ألعاب معينة من الأسواق بمجرد ظهورها في مقطع مصور يحصد ملايين المشاهدات. تقول السيدة شهرة، أم لطفل، 11 سنة، ومراهقة 16 سنة: “منذ بدأ أبنائي يتعرضون لمحتويات السوشل ميديا، أصيبوا بإدمان جديد، سبب لنا مشاكل مالية وضائقات كثيرة، إذ إن طلباتهما تكاد لا تتوقف أبدا، لا يرضيان بما نشتريه لهما كهدايا وحتى أساسيات، بينما يصران على اكتساب الملابس والألعاب التي يشاهدانها عبر الإنترنت، حتى المطاعم، لم يعد لنا خيار فيها كوالدين، بل نتوجه بحسب عناوينهما التي يختارها لنا المؤثرون”.
من المسؤول؟
مع أن بعض الأولياء يحاولون مقاومة هذه الظاهرة بمنع الهواتف أو تقليل استخدام الإنترنت، يختار آخرون الاستسلام، معتبرين أن مقاومة الموضة الرقمية أصبحت مستحيلة في حين يؤدي الاستسلام الكامل إلى جعل المؤثر صاحب القرار الأول في تكوين شخصية الأبناء. ولهذا، تشير الأخصائية النفسية عائشة بن ربيع إلى أن: “الأطفال والمراهقين أكثر قابلية للتأثر بسبب عدم اكتمال قدرتهم على التمييز بين المحتوى العفوي والإعلان التجاري. فالطفل لا يدرك غالبا أن المؤثر يتقاضى مقابلا ماليا مقابل الترويج، بل يعتقد أنه ينصح جمهوره بحسن نية، ولذلك يثق بكلامه أكثر من ثقته بالإعلانات المباشرة. أما المراهق، فيربط امتلاك المنتج بالقبول الاجتماعي، فيتحول الاستهلاك إلى وسيلة لإثبات الذات، لا لتلبية الحاجة”. هذا، ويؤكد أخصائيون أن الحل يكمن في الحوار، وتعليم الأبناء كيفية التمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة التي يصنعها التسويق.
الأبوان في مواجهة استراتيجيات الشركات
أدركت العلامات التجارية أن الأطفال والمراهقين يشكلون سوقا ضخمة، ولذلك أصبحت تخصص ميزانيات كبيرة للتعاون مع المؤثرين الذين يخاطبون هذه الفئات العمرية، فالمنافسة تدور حول كسب انتباه الطفل قبل كسب رضا والديه، وبات من الضروري أن يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى بأن الشهرة لا تعني المصداقية، وأن كثرة المتابعين ليست دليلا على جودة المنتج، وأن ما يراه على الشاشة قد يكون جزءا من حملة تسويقية مدفوعة، كما يؤكد مختصون على ضرورة أن يكون الأولياء أكثر حضورا في العالم الرقمي لأبنائهم، فيعرفوا من يتابعون، وما نوع المحتوى الذي يستهلكونه، بدلا من ترك الخوارزميات تربي جيلا كاملا، إذ لن يكون من الممكن عزل الأطفال والمراهقين عن عالم المؤثرين، لكن يمكن الحد من هيمنتهم على قراراتهم.