-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تعايش سلمي بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية في الجزائر   2/2

عمار تو
  • 104
  • 0
تعايش سلمي بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية في الجزائر   2/2

على الرغم من الجهود والصراعات التي تخوضها فرنسا من أجل بقاء لغتها، يرى بعض المتخصصين أن الفرنسية مرشحة للاندثار في أجل قريب نسبيًا، يتراوح بين مائة (100) ومائة وخمسين(150) سنة على أقصى تقدير. ولا يُتوقع، وفق هذه التقديرات، أن تبقى بصورة دائمة بعد هذا الأجل سوى خمس أو ست لغات، من بينها اللغة العربية.

لكن المنظمة الدولية للفرانكوفونية تتبنى، في مقابل هذه التوقعات الكارثية بالنسبة إلى الفرنسية، توقعات أكثر تفاؤلًا. وتعتمد هذه المنظمة، أساسًا، على الانفجار الديموغرافي في المستعمرات الإفريقية السابقة لفرنسا. فهي تتوقع أن يتضاعف عدد الناطقين بالفرنسية ثلاث مرات خلال ثلاثين سنة قادمة، وأن تصبح الفرنسية اللغة الدولية الثانية أو الثالثة.

وتقدّر عدد الناطقين بالفرنسية سنة 2050 بنحو 715 مليون شخص، أي 8  % من سكان العالم، بدلًا من 3  % حاليًا. غير أن هذه التقديرات تقع تحت تأثير رؤية عمياء تفترض أن أعداد المتحدثين باللغات المنافسة بقوة للفرنسية، ستظل ثابتة خلال الفترة نفسها، في حين أن اعتماد إسقاط أكثر شمولًا يضعف هذا التفاؤل بدرجة كبيرة،.

كما أن القرارات الحديثة جدًا التي اتخذتها دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر بالانسحاب من منظمة الفرانكوفونية، وإقرار السنغال اللغة العربية لغة رسمية، تأتي لتزيد من التشكيك الجدي في الحماسة المبالغ فيها لهذا التفاؤل.

فالتوقعات التي نشرتها شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة في 11 يوليو 2024 تشير إلى أن عدد سكان العالم قد يبلغ سنة 2050 نحو9,7   ملايير نسمة، سيكون 31  % منهم من المسلمين الذين يميلون إلى العربية بوصفها لغة أولى أو ثانية أجنبية، مقارنةً ب24% فقط سنة 2024.

والأكثر دلالة أنه، في الأجل نفسه تقريبًا، أي سنة 2050، سيبلغ عدد العرب نحو مليار نسمة يتحدثون العربية، أي ما يقارب 11% من سكان العالم، مقارنة ب4.4% في سنة 2024

وفي بلاد الفيتنام، التي يبلغ عدد سكانها حاليًا ( 2026) نحو 102 مليون نسمة، قد أزاحت اللغة الإنجليزية اللغة الفرنسية عمليًا، من الصدارة خلال تسعينيات القرن العشرين، بعد أن اعتمدت دولة الفيتنام اللغة الإنجليزية سنة 1986 بوصفها اللغة الأجنبية الأولى.

أما بلدان المغرب العربي، وفق التصور الفرنسي وبالأسلوب الفرنسي، فمن المؤكد أنها مدرجة ضمن رقم 300 مليون متحدث بالفرنسية المشار إليه سابقًا، وفق معايير فرنسية؛ لأن الفرنسية ما تزال تُدرّس فيها بوصفها لغة أجنبية و/أو لغة تدريس في مستويات مختلفة، وتستعمل لغة عمل في كثير من الإدارات الاقتصادية، وفي الحياة اليومية لبعض الأسر والأفراد. ولا يشمل ذلك ليبيا، لأنها كانت مستعمرة إيطالية، ولا الصحراء الغربية، لأنها كانت تحت الاستعمار الإسباني. والصحراويون، أينما وُجدوا ، فإنهم يحتفظون بروابطهم اللغوية العضوية مع اللغة الإسبانية، إلى جانب العربية والسواحلية.

أما الجزائر، وعلى سبيل المقارنة، فقد شرعت جديًا، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، في تنفيذ استراتيجية تهدف إلى تقليص الوزن النسبي للغة الفرنسية في الحياة اليومية للجزائريين، من خلال حصرها، صراحةً، في مكانة اللغة الأجنبية الثانية، بعد الإنجليزية.

وقد حققت الإنجليزية في الجزائر، خلال السنوات الأخيرة القريبة جدًا، خطوات عملاقة، مع آفاق متوسطة المدى من شأنها إحداث تحول عميق في المشهد اللغوي الأجنبي للبلاد.

أ- مكاسب اللغة الإنجليزية في الجزائر وآفاقها

إذا كانت اللغة العربية قد حلّت، عمليًا وبصورة شبه كاملة، محل اللغة الفرنسية في الإدارة المركزية والمحلية، ولا سيما في تحرير الوثائق الإدارية والقانونية والقضائية، فإن بقاء الفرنسية في بعض ”الحيزات الإدارية المعزولة” يبدو ناجمًا عن سلبية المسؤول عن ذلك الحيز، وليس عن سياسة رسمية متعمدة. ذلك ما ستأتي عليه، حتما،عمليات تدارك ملحوظة، تساعد عليها الرقمنة المتسارعة، حتى وإن الإرادة الرسمية قد لا تخلو من إرادات معزولة متهاونة.

وعندما يكتمل ذلك بتجاوز العقبات العابرة المنتظرة، تكون الجزائر قد تحررت أخيرًا، من أداة تحولت إلى عائق مضن، وأسهمت في إبطاء وتيرة تنميتها الشاملة.

فالكتلة الكبرى من الإطارات والإداريين والموظفين بمختلف مستوياتهم، وفي جميع دواليب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، تشعر براحة أكبر في استعمال العربية مقارنةً بالفرنسية، التي يبدو أن الممارسة الروتينية وحدها هي التي تكرس استمرارها.

وإلا، فكيف نفسر أن وثائق متكررة في كثير من الإدارات، لا تتغير فيها إلا الأرقام، وهي أرقام عربية أصلًا، لا تزال نماذجها محفوظة باللغة الفرنسية؟

أو كيف، بعد ظهور بوادر نجاح الرقمنة، على سبيل المثال، في ميدان دفع فواتير الخدمات العمومية عن بعد، بارتياح كبير عند الجميع، تعيق بلوغ  الأوج فيه بعض من المصالح القائمة على هذه الخدمات بالرد المرقمن (عن بعد)، لكن باللغة الفرنسية حصرا، في حين لا يتعلق الأمر إلا ببضع جمل كلها دون  ربع السطر الواحد، وتتعلق باسم الزبون ورقمه ورقم الفاتورة ونوع الخدمة ونوع العملية وفترة الخدمة ومبلغها وتاريخ إصدارها وأجل دفعها، على وجه الخصوص.

وكيف يمكن، كذلك، تقبّل استمرار تداول الوثائق المتكررة المنتجة آليًا باللغتين العربية والفرنسية، مثل فواتير استهلاك الخدمات العمومية؟

ومن أبرز أوجه التقدم في بلادنا، مثال قطاع العدالة، حيث أصبحت الرقمنة الحصرية باللغة العربية لجميع الوثائق القانونية والقضائية المرتبطة بالمواطن، وصياغتها بالعربية، مكسبًا يعزز مصداقية الخطاب الرسمي.

وتقدم مؤسسات أخرى أمثلة جديرة بالإشادة، تثبت قدرتنا على إنجاح الرقمنة وتحقيق الانسجام في التعميم الأسرع لاستخدام اللغة الرسمية للدولة، كما كرسها الدستور.

ويقدم الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني والأمن الوطني والمصالح الولائية والبلدية، بالإضافة إلى مصالح التربية الوطنية والشؤون الدينية والداخلية  والتعليم العالي وغيرها،  دروسًا أخرى للمتأخرين الذين يسارعون إلى تبرير ما لا يمكن تبريره.

ولا نقصد  من وراء ذلك أن نربط، آليًا، في بلادنا، استعمال اللغة الفرنسية بالأمر الواقع الذي فرضه التاريخ الاستعماري، ومن ثم بخدمة مصالح المستعمر.

فقد ظلّ الشعور الوطني الصلب يوجه سلوك صناع القرار الجزائريين خلال فترة الاستعمار، ومنذ استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962.

أما ”الخونة والحركى” و”العملاء”، في مختلف الأزمنة، فيمثلون استثناءً في هذا المجال وفي غيره، وقد عاقبهم التاريخ عقابًا شديدًا.

والدليل أن جميع الوقائع ذات الأهمية التاريخية الكبرى بالنسبة إلى الجزائر في تمردها على الاستعمار الفرنسي، وكذلك جميع التصريحات السياسية ذات المرجعية التاريخية العالية بالنسبة إلى ماضي الجزائر ومستقبلها، قد عُبّر عنها و/أو حُررت في الأصل باللغة الفرنسية.

ومن أبرزها : تصريحات مجموعة الـ22 ومجموعة الستة، مهندسي الثورة المسلحة ومفجريها في أول نوفمبر 1954؛ وبيان أول نوفمبر 1954؛ وقرارات مؤتمر الصومام سنة 1956؛ ورسالة زبانا إلى والدته قبل إعدامه بالمقصلة؛ والكلمات التاريخية الخالدة للعربي بن مهيدي بشأن ثورة نوفمبر 1954؛ والعبارات التي وجّهها إلى جلاديه الفرنسيين مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية؛ وتصريحات المفاوضين الجزائريين في مفاوضات اتفاقيات الاستقلال الوطني سنة 1962؛ وغيرها من النصوص التي صاغها أشخاص متعلمون باللغة الفرنسية.

ومع أن هذه المرجعيات المقدسة عُبّر عنها أو كُتبت بالفرنسية، فإنها كانت متحررة من كل نزوع إلى التضحية بمبادئ ثورة نوفمبر 1954، التي تشكل اللغة العربية أحد مكوّناتها الأساسية، تحت وطأة الشحنة الاستعمارية للغة الفرنسية.

كما تمثل الصحافة الجزائرية الناطقة بالفرنسية، بمختلف أوضاعها القانونية، والنخبة الجزائرية المعبرة بالفرنسية، أمثلة أخرى على التمسك بهذه المبادئ.  وتُعد ردود فعلها تجاه التصريحات الوقحة الصادرة عن مسؤولين فرنسيين بشأن الجزائر وممارستها لسيادتها، مصدر فخر واعتزاز وطني للأجيال الصاعدة.

وعلى الرغم من أن الجالية الجزائرية في فرنسا ناطقة بالفرنسية لغويًا لا سيما المولدين فيها، فإن الهبّة الجماعية الواسعة التي أظهرتها مؤخرًا، في أواخر سنة 2024 ومطلع سنة 2025، ضد أفعال وتصريحات مسؤولين فرنسيين معادية للجزائر، قدمت دليلًا إضافيًا على الارتباط العضوي لكل جزائري بمبادئ نوفمبر 1954، وبطموحات الجزائر إلى العظمة، بصرف النظر عن لغة التعبير.

أما الخونة المعزولون في كل زمان ومكان، ومن ينطبق عليهم تمامًا «وصف المستعمَر»، فلا يمثلون سوى استثناءات هامشية ضئيلة تؤكد ثبات تعلق الجزائريين بهذه المبادئ.

كما أن بعض الانحرافات الإدماجية القليلة التي ظهرت داخل الحركة الوطنية بين سنتي 1900 و1954، سرعان ما تلاشت وذابت في الثورة المسلحة للتحرير الوطني التي اندلعت في أول نوفمبر 1954.

ومن الأدلة كذلك، أن التطور الاستثنائي للاقتصاد الوطني بين سنتي 1970 و1978، وكذلك انهياره بين سنتي 1979 و1998، كانا يتخذان اللغة الفرنسية سندًا لغويًا مشتركًا.

وبعد ذلك، وحتى يومنا هذا، لا تزال الفرنسية لغة العمل الحصرية في القطاع الاقتصادي الجزائري، في حين أن جميع دفعات خريجي الجامعات منذ 1984-1985، الذين يتولون حاليًا قيادة الاقتصاد الوطني، تلقوا تكوينهم باللغة العربية في مختلف التخصصات الاقتصادية والمالية والإدارية.

وهكذا تجد هذه الفئة الغنية من المسيّرين نفسها محبطة ومجبرة، في صمت، على إهدار طاقات في عمليات تكيّف غير ضرورية في العمل، مع القبول، على الأرجح، بمستويات أدنى من التكامل والتآزر في الأداء، وهي مستويات لا تخضع كلها، للأسف، لتقييمات موضوعية

كما أن الانتقال «الناعم» الجاري إلى استعمال الإنجليزية في العلاقات الدولية، ولا سيما على مستوى بنوكنا، لا يبرر استمرار استخدام الفرنسية في التعامل مع المواطن، ولا استبدالها مستقبلًا بالإنجليزية، بما يقطع الطريق أمام الاستخدام المنتظر للعربية في الخدمات المصرفية، وهو الاستخدام الذي تقدم الرقمنة في إداراتنا نموذجًا إيجابيًا على إمكان تحقيقه تدريجيًا، حتى لا يظن، وذلك ما يتمناه المغرضون، أن المقصود هو ضرب اللغة العربية باللغة الإنجليزية عن طريق التضحية الفرنسية.

وفي التربية الوطنية، تُعدّ العربية اللغة الوحيدة للتدريس في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي.

أما الإنجليزية، بوصفها لغة أجنبية، فستحل، ابتداءً من الدخول المدرسي 2026-2027، محل الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي، على أن يُؤجل تدريس الفرنسية، بوصفها اللغة الأجنبية الثانية، إلى السنة الرابعة ابتدائي.

كما يأتي رفع معامل اللغة الإنجليزية في امتحان البكالوريا للسنة الدراسية 2026-2027 ليحقق الانسجام بين الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها الجزائر منذ السنة الدراسية 2021-2022، درءا للتنافر في المسعى وتحقيقا للانسجام الأسمى بين الخطاب و المسعى.

ومنذ السنة الدراسية المنتهية 2025-2026، تكون اللغة الإنجليزية قد استكملت حضورها في الأطوار التعليمية الثلاثة للتربية الوطنية، مع تجنب النهج المتسرع الذي جرى إجهاضه في مهده خلال السنة الدراسية 1991-1992.

وكان ذلك النهج، بدافع حماسة مفرطة وغير عقلانية، يستهدف إقصاء الفرنسية نهائيًا من التربية الوطنية، من خلال وضع الأولياء أمام خيار وحيد.

وبالفعل، كان من الممكن انتقاد ذلك التوجه غير العقلاني، على الرغم من حسن النية الكامن وراءه، لأنه أراد الاعتماد على نحو ألفي (2000) مدرس فقط للغة الإنجليزية كانوا متاحين آنذاك، بعد استشارة أولياء التلاميذ الذين قيل إن الأغلبية الواسعة منهم اختاروا الإنجليزية بديلًا كاملًا للفرنسية. (تصريح وزير التربية  الأسبق علي بن محمد في حصة ‘بلا حدود على الجزيرة)

أما اليوم، فقد أصبح عدد المدرسين وفيرًا، بفضل ما يوفره التعليم العالي. ويرى عدد كبير جدًا من خريجي الجامعات في تخصص اللغة الإنجليزية، الذين لا يزالون عاطلين عن العمل، أن أملهم في التوظيف الدائم بدأ يتحقق أخيرًا.

وكما سبق القول، فإن إدخال الإنجليزية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، مع تأجيل إدخال الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي، يمثل تجسيدًا لـ”براغماتية” تعكس، بوضوح، إصرار الجزائر الراسخ على خدمة مصالحها وحدها، ودفن «العمالة الجديدة» نهائيًا، بعدما عجزت عن إيجاد موقع لها خارج أحلامها الوهمية.

أما التخصصات العلمية والتكنولوجية في الجامعة، فقد بدأ تدريسها تدريجيًا وبإرادة سياسية، منذ السنة الجامعية 2023-2024، باللغة الإنجليزية.

وقد جمع هذا التحول، في زخم استثنائي، وعلى الرغم من تسرع يمكن تداركه، بين صناع القرار السياسي والأساتذة، من خلال تنظيم دورات لإعادة التأهيل ودروس مكثفة في هذه اللغة لفائدة هيئة التدريس.  بل إن تدريس الطب والصيدلة وطب الأسنان، كما سبق ذكره، بدأ يتحول تدريجيًا إلى الإنجليزية ابتداءً من السنة الجامعية 2025-2026.

أما التخصصات الأخرى غير العلمية أو التكنولوجية، فتُدرّس باللغة العربية منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين (1984-1985)، بما فيها الاقتصاد والمالية والمحاسبة، باستثناء جيوب محدودة ومعزولة جدًا ناتجة عن رواسب ينبغي تداركها سريعًا، من أجل تحقيق الانسجام العام في المقاربة السياسية الرسمية للبلاد، التي تستبعد النزعات والأهواء الفردية الرامية إلى تأخير تحقيق هذا الانسجام.

وفي إدارة المؤسسات الاقتصادية، وفي مختلف الإدارات التابعة للمالية العمومية، وصناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، وكذلك في البنوك العمومية والخاصة، لا يوجد ما يبرر استمرار استعمال الفرنسية (أو الانجليزية غدا)، ولا سيما في علاقاتها داخل الجزائر ومع الجمهور الواسع.  فجميع الموارد البشرية العاملة فيها تلقت تكوينها باللغة العربية في الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين المهني، ولا سيما في التعليم العالي، منذ ثمانينيات القرن العشرين كما سبق التذكير به.

أما بعض الحلول القائمة على التسهيل، التي ظهرت في ثورة الرقمنة التي تقودها بلادنا بوتيرة متسارعة لإدراك الركب العالمي الريادي، فسيجري تداركها وتنقيحها بسهولة عندما يحين وقتها.

وسيندمج، من تلقاء أنفسهم، أولئك القلائل الذين لا يزالون «يغردون خارج السرب»، أمام الانسجام الذي ستقيمه السلطات العمومية ضمن المقاربة الشاملة لمعالجة هذا الملف والتي بدأت بوادرها تظهر للعيان بلا منازع.

والمقصود هو إعادة الاعتبار الجارية للغة العربية في مكانتها الدستورية، بوصفها اللغة الوطنية والرسمية، والتي «تظل اللغة الرسمية للدول».

وعليه، هل ستضمن اللغة الفرنسية لنفسها، في الجزائر وخلال السنوات الثلاث المقبلة، مكانة دائمة بوصفها اللغة الأجنبية الثانية، إلى جانب الإنجليزية بصفتها اللغة الأجنبية الأولى، في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي؟

إن الجزائر، من خلال انفتاحها الواسع الجاري على الإنجليزية، ستكسب في المقابل، مساحات شاسعة من الانفتاح المباشر على الابتكارات العلمية والتكنولوجية، وستعزز، بصورة جوهرية، سيادتها الوطنية.  أما الفرنسية، فهي لغة مثقلة أكثر مما ينبغي بأشكال من الاستعلاء السياسي ذي الجوهر الاستعماري، يصعب تداركه أو التخلص منه.

ويتوقف قطع ذلك الحبل السري، إلى حد ما، مع اللغة الفرنسية، على إعادة الاعتبار للعربية في مكانتها الدستورية داخل جيوب مقاومة الفرنسية، مع الاحتفاظ ببعض الروابط مع هذه الأخيرة بوصفها لغة أجنبية بسيطة.

ومع ذلك، ستستفيد الفرنسية من بيئة محيطة أكثر ملاءمة لها نسبيًا، مقارنةً بغيرها، ولا سيما بسبب حضورها في الحياة اليومية لعدد كبير من الجزائريين، وفي الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة، وفي الاتصال والإنتاج الثقافي وغير ذلك..

ويمكن اللغة الفرنسية، على سبيل الخيار، أن تستفيد كذلك، بالنسبة إلى الجزائر، من مكانة لغة تجارية دولية ولغة دبلوماسية، بالتوازي مع الإنجليزية أو مباشرةً بعدها، ضمن علاقات الجزائر مع البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية على وجه الخصوص..

كما ستصبح، بصورة متزايدة، لغة تواصل مع الجالية الجزائرية التي يتركز أكثر من 90 %  منها في فرنسا، ولا سيما الجزائريين المولودين هناك، الذين يمثلون الفئة الأكثر عددًا نسبيًا، ويصبح اتصالهم بلغاتهم وثقافاتهم الموروثة أقل فأقل.

فهل لا تمنح هذه الرحلة الطويلة عبر التاريخ، منذ نوميديا والحضارات الإنسانية الكبرى التي تفاعلت معها الجزائر وأسهمت في إثرائها، ولا سيما منذ ظهور الإسلام والحضارة العربية الإسلامية التي نشأت وانتشرت انطلاقًا من دمشق وبغداد والأندلس والقسطنطينية، (فهل لا تمنح) الجزائرَ حقًا حضاريًا موروثًا في أن تصبح، على المدى البعيد جدًا، العاصمة المقبلة لنهضة هذه الحضارة في بهاء أفضل؟  أم ستكتفي الجزائر بالاستيعاب السلبي للحضارات التي أنشأها  وينشئها الآخرون؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!