المجلس الأعلى للّغة العربية.. صمت مطبق على بن غبريط
ما زال صمت المجلس الأعلى للغة العربية بشأن الجدل القائم حول اعتماد “العامية” في التعليم الابتدائي، يثير الاستغراب والتساؤل. فهذا الأخير يمثل أعلى هيئة رسمية في الجزائر تضطلع بالعمل على حماية اللغة العربية وتطويرها، لكنها تلتزم الصمت كلما احتدمت معركة الهوية في البلاد، بين خصوم العربية وأنصارها، وعذر القائمين على المجلس، أقبح من ذنب الخذلان، فهم يزعمون أنّ القانون الأساسي للهيئة، يحدد دورها وصلاحياتها في مجال الاستشارة لرئاسة الجمهورية وتتلخص مهامها في ترقية اللغة العربية بالجزائر واستعمالاتها، من خلال إصدار الدراسات والكتب والمجلات، قصد النهوض بها في شتى مجالات الحياة.
ولهذه الأسباب يرفض رئيس المجلس (المنصب شاغر حاليا)، وكافة أعضائه، الخوض في تعدّي المسؤولين، في أعلى هرم السلطة، ودوْسهم على قانون تعميم استعمال اللغة العربية، الذي فعّله الرئيس السابق ليامين زروال في 05 جويلية 1998، بعد تجميده من طرف المجلس الأعلى للدولة في بداية عهدة علي كافي، إذ لا يعنيهم التصدي لفرنسة المحيط وتهميش اللغة العربية، من خلال حديث الرئيس ووزرائه وسفرائه بلغة فولتير، ولا الانتشار المذهل لاستعمال اللغة الأجنبية في الطرقات والمحلات والمطاعم، أمّا في مؤسسات الدولة، فتكاد اللغة العربية تختفي تماما من المعاملات الرسمية، بينما يلوذ المجلس المذكور بالصمت، لأن المسألة، حسبه، سياسية وليست تقنية أو قانونية، فيصبح التدخل وإبداء الرأي في مثل هذه الحالات محظورا على أفراده، حتى لا يدفعوا ثمن “التطاول“!
اليوم، ومع إثارة العامية كخيار جديد، في محاربة العربية بعد فشل الأساليب القديمة، يلتزم المجلس مرة أخرى السكون، ويرفض التعاطي مع القضية، برغم حساسية المسألة وتفاعل مجمل فعاليات المجتمع مع المقترح، و الذي رأت فيه خطرا على مستقبل المدرسة و هوية الأمة، وعدم بنائه على نظريات علمية ومنهجية موثوقة، بينما يسكت المجلس الأعلى للغة العربية!
الغريب أنّ موقف المجلس مفضوح جدا بشأن اعتماد العامية، وليس له أي مبرر تنظيمي أو قانوني، لأن ذات الهيئة، وعلى لسان أمينها العام جيلالي علي طالب (ما زال في موقعه)، أكدت في وقت سابق، على ضرورة ضبط القاموس المدرسي والتقيد به في جميع التعاملات مع الأسرة التربوية والتكوينية، مثلما شدد المتحدث بتاريخ 25/06/2012، في يوم دراسي حول “القاموس واللغة العربية المعاصرة“، على “إلزامية تنقية” القاموس المدرسي، مما علق به من فلسفة وركاكة مما تتداوله العامة، والحد من التهجين والتلوث اللغويين اللذين “استفحلا في حياتنا اليومية، وتحديد المضامين بما استجد من مصطلحات، وتكريس ما هو متداول بصيغته الفصيحة“. فلماذا يرتدّ الآن المجلس على عقبيه، وقد طرحت وزيرة التربية “توصية” مزعومة للتدريس بالعامية!
لا شكّ أن الأمين العام للمجلس كان يخاطب أساتذة جامعيين، حينما عبّر عن موقف ورؤية هيئته فيما يخص الدارجة ولغة الشارع، لكن الأمر اليوم مختلف، لأن القرار جاء عن طريق الحكومة هذه المرّة، فالمجلس لا يمكنه أن يعارض فكرة تصدر عن السلطة التي تعيّن أفراده، وتدفع أجورهم، حتّى لو تعارضت مع الدستور وقوانين الجمهورية، أو أثارت سخط المجتمع، لأنّ ما يهمّ في النهاية، هو رضا الحكومة المُنعمة، وليس غضب الشعب المغبون!
للأسف، واقع المجلس الأعلى للغة العربية، ينسحب على المجلس الإسلامي الأعلى، فهذا الأخير، وإن علت وظيفته من حيث الخطورة والأهمية، باعتباره حارسا لقيم الدين، فإنه ما فتئ يتخلف عن حسم الجدل الفقهي، كلما أثيرت الشبهات المرتبطة بمشاريع الحكومة، على غرار قروض الشباب والفوائد البنكية واللحوم المستوردة، وإن تكلّم، يأتي صوته خافتا ومحتشما، وعلى لسان بعض أعضائه، وليس باسم هيئة المجلس، حتى لا يغضب صناع القرار. أمّا وزارة الشؤون الدينية، فهي مثل الأطرش في الزفة، لأن وزيرها عضو في الجهاز التنفيذي، ما يستوجب عليه التضامن الحكومي في كل القرارات التي تصدر عن زملائه!
تلك هي الهيئات التي أرادتها السلطات “ديكورا”، لا يسمن ولا يغني من جوع، إذا ما جدّ الجدّ، لأنها لا تتكلم إلا بالإيعاز، ولا تبدي مواقفها إلا بالإملاء، وهي المؤتمنة على مقومات الأمة، بل تستعملها، إن كان في وسعها ذلك، لتمرير أفكارها وتوجهاتها باسم الإصلاح والانفتاح!