المحاكم تستقبل قضايا شتم وضرب أطرافها من عائلة واحدة
تحولت جلسات المحاكم الجزائرية مؤخرا إلى مسرح لفضح أسرار العائلة الواحدة ونقل المشاكل خارج أسوار المنزل خاصة تلك التي تحدث بين الكنة وأم الزوج لينتقم كل طرف من الآخر عن طريق العدالة، إما بسبب قضايا السب أو الشتم أو حتى الضرب والجرح العمدي.
يعتبر الصراع بين الكنة وأم الزوج “العجوزة” كما تسمى لدى أغلبية الجزائريين من أهم خلطات العائلة الجزائرية منذ القدم وإلى يومنا هذا، لدرجة أن هناك مثل جزائري يقول “إذا تفاهمت العجوز والكنة يدخل إبليس إلى الجنة” لكن مع التغيرات التي طرأت على تشكيلة المجتمع الجزائري وبنيته، أصبحت المشاكل العائلية لا تحل في السر وبين أفراد العائلة الواحدة مثلما كان ذلك في الماضي، حيث أضحت العدالة ملجأ العائلة لفض النزاعات .
شهادة الزوج تؤكد كيد والدته على زوجته
وفي هذا السياق، تكشف جلسات المحاكم اليومية على مدى تدهور العلاقات الأسرية وتشتت العائلة الواحدة، خاصة بسبب الصراع بين الكنة وأم الزوج، حيث عالجت محكمة سيدي أمحمد في العاصمة مؤخرا قضية تتعلق بجنحة الضرب والجرح العمدي والسب والشتم، المتهمة كانت زوجة الابن، أما الضحية فهي حماتها التي تبلغ من العمر 69 سنة، وحسب ما روته المتهمة للقاضي فهي تقول إنها بريئة ولم تضرب والدة زوجها بل هي من ضربتها وادعت العكس كما أكدت أنها تريد طردها من المنزل لتزوج ابنها الأصغر، فيما أصرت العجوز التي أحدثت ضجة بقاعة الجلسات على أنها مظلومة، وهو ما جعل القاضي يطلب منها التوضيح أكثر لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة لما دخل زوج المتهمة ليدلي بشهادته، وأكد أن المشكل كله في والدته وهي دائمة المشاكل مع زوجته وأولاده لتطردها منه، ليعلو صوت والدته بالصراخ والدعاء عليهن ورغم محاولات هيئة المحكمة لتهدئتها إلا أنها لم تسكت إلى أن أمر القاضي بإخراجها أو متابعتها قضائيا، وبعدما انكشفت خدعة العجوز أمام هيئة المحكمة في الجلسة العلنية حكم القاضي ببراءة زوجة الابن من التهمة الموجهة إليها.
عجوز تتهم زوجة ابنها بالسحر
وقصة أخرى لعجوز في العقد السابع من العمر اتهمت زوجة ابنها بسرقة مجوهرات ابنتها، وأثناء المحاكمة التي حضرتها الابنة صاحبة المجوهرات والمتهمة التي تعتبر زوجة أخيها الأكبر، تدخلت العجوز دون إذن من القاضي وراحت تنعت زوجة ابنها بالسارقة وتصرخ وتقول إنها هي من سرقت المجوهرات من خزانتها، وبعدما طلب منها القاضي عدم التكلم إلا بإذنه جلست وهي تتمتم وتزعج من كان بالقرب منها بعبارات سيئة ضد زوجة ابنها، هذه الأخيرة التي بكت وهي تروي لهيئة المحكمة معاناتها مع والدة زوجها وبناتها خاصة لتؤكد أنها ليست بسارقة وما حدث لها مجرد سيناريو مفبرك لطردها من المنزل هي وأولادها، وعند استجواب الضحية وهي شقيقة زوج المتهمة أكدت أنها متعودة على ترك مجوهراتها في منزل والدتها وهي تشك في زوجة أخيها التي كانت في البيت أياما قبل اكتشاف السرقة، فيما أطلقت العجوز العنان لأحقادها وكرهها بعدما استدعاها القاضي للشهادة وراحت تروي قصصا عن زوجة ابنها لا علاقة لها بقضية السرقة منها أنها سحرت ابنها وأخذته منها وغيرها من الأشياء والأسرار التي فضحتها في الجلسة ورغم أن القاضي حاول إفهامها بأن القضية تتعلق بجريمة السرقة وسألها إن كانت المتهمة هي السارقة وإن رأتها بأم عينيها إلا أنها لم تعر كلامه أي أهمية وباشرت في شتم زوجة ابنها ليوقفها القاضي قائلا “عليكم بحل مشاكلكم الشخصية داخل البيت لا في قاعة الجلسات” .
ابن يشتم والدته بسبب زوجته
هذا ولا يقتصر الصراع بين الكنة وحماتها على مؤامرات وافتراءات العجوز، فالواقع يكشف أيضا الجانب الآخر من الصراع والذي تمارسه زوجة الابن ضد حماتها والتي من المفروض هي أم ثانية لها لكن الكنة لم تحترم كبر سن والدة زوجها من خلال معاملتها بطريقة سيئة وتحريض ابنها عليها لدرجة يرمي الولد أمه في دار العجزة إرضاء لزوجته، أو يعاملها بطريقة فضة، وفي هذا المقام نذكر قصة عجوز في العقد السابع من العمر مثلت أمام المحكمة تشكو قساوة ابنها وعقوقه، حيث أقدم هذا الأخير على شتمها ونعتها بالشمطاء وكل هذا إرضاء لزوجته، حيث صرح الابن المتهم أنه نهر والدته فقط لأنها أزعجت زوجته وضايقتها بمراقبتها لها وتدخلها في شؤونها، لينفي تهمة السب والشتم الموجهة له، فيما علق عليه القاضي قائلا “وهل يحق لك أن تسب والدتك العجوز ألا تخاف الله فيها وهي في هذه السن” وأضاف “لا يحق لك حتى أن تقول لها أف فكيف تسبها” في الوقت الذي صرحت الأم أنها لن تسامحه في حياتها.
وقصة زوجة ابن لم ترحم ضعف والدة زوجها المعاقة وطلبت منه أن يرميها لدار العجزة، حيث رضخ الابن لنزوات زوجته وتناسى كم تعبت والدته من أجله.
أستاذ علم الاجتماع: “تغير بُنية المجتمع الجزائري هو سبب طرح مشكل العائلة الواحدة في العدالة”
هي عينات صغيرة للصراعات الحاصلة بين الكنة وأم الزوج في الجزائر والتي تم نقلها لأروقة المحاكم، لكن ما خفي أعظم بسبب هذا المشكل الذي لا يعتبر جديدا لأنه قديم قدم البشرية، وفي هذا السياق يقول أستاذ علم الاجتماع والمحامي رضا بن عاشور بأن الصراع بين العجوز والكنة يرجع في أغلبه للغيرة وحب التملك، خاصة عند أم الزوج التي تخاف سرقة ابنها الذي أنجبته وربته وسهرت عليه الليالي من قبل عروسه الجديدة، وهو ما يجعلها تخلق المشاكل وتحارب زوجة ابنها وكل هذا بدافع الغيرة والأنانية لأنها تريد حب ابنها لها وفقط، فيما لم تعد زوجة الابن تحترم حماتها مثل والدتها وهو ما يجعلها تعاملها بقسوة وتحرض زوجها لينقلب على والدته التي ربته.
ويضيف محدثنا أن ما يحصل مؤخرا من نقل المشاكل العائلية لأروقة المحاكم هو نتيجة للتغير في نمط الحياة وبنية المجتمع الجزائري، وخاصة الانتقال من الأسرة الكبيرة التي تحوي الجد والجدة والزوج والزوجة والأحفاد إلى العائلة الصغيرة ما يجعل الروابط الأسرية تتلاشى وحتى القيم التي يتربى عليها الأبناء تتغير، وهذا التغير يجعل كل شيء مباح وما كان في القديم يعتبر عيبا وعارا فاليوم هو شيء عادي وممكن، ليقول الأستاذ تصادفنا يوميا قضايا تتعلق بالمشاكل بين زوجة الابن وحماتها وحتى بين الأشقاء وزوجاتهم وغيرها من مشاكل العائلة ونحاول أن نقنع الأطراف بالحل الودي لكن دون جدوى فكل واحد يتمسك بقراره ويرد القصاص والانتقام حتى لأتفه المشاكل.