المسلسل يشبّه تفتيش جواري السلطان بفحص كباش العيد
في هذه الحلقة نستعرض الجوانب الخفية من حياة الجارية “روكسلانا” التي هي الآن زوجة السلطان وكيف صبرت من أجل تحقيق هدفها المتمثل في إزاحة كبير القوم ابراهيم باشا، مستعملة دموع الجارية ومكر الذئاب في مكان واحد ضد شخص واحد.. كما سنعرج بالتفصيل على مآلات المسلسل وبقية أجزائه المنتظرة من طرف القنوات الفضائية وبدرجة اكبر عشاق المسلسلات التركية.
أُذُن السلطان في فم الجارية
انتهزت روكسلانا الفرصة لكي تنتقل الى المقام الكبير الذي أصبح منذ عهد محمد الفاتح مركزاً، وفيه كان ينام سليمان حين لا يشعر بالرغبة في زيارة الحريم.
بعد انتقال روكسلانا الى هذا المكان امرت ببناء باب بين جناحها الجديد وجناح السلطان، وبذلك اصبحا لا يفترقان، وبدا انها حققت طموحاتها، لكن بقيت تعترضها عقبتان: الاولى الامير مصطفى، الذي آمن الجميع على انه سيخلف والده كونه محبوباً عند الشعب، فكانت ازاحته عن طريق ابنها سليم مهمة صعبة، اضافة الى أن روكسلانا لم تبد ارتياحاً لعلاقة السلطان مع (كبير وزرائه) إبراهيم باشا.
كان إبراهيم باشا عبدا من أصل يوناني، وقد تعرف عليه سليمان القانوني قبل ان يتولى الحكم، ثم ما لبث ان ضمه الى حاشيته حين اصبح سلطاناً، أي قبل توليه الحكم، ثم ضمه الى بلاطه حين اصبح سلطاناً. وقد كان سنهما متقارباً (كان ابراهيم يكبر السلطان بسنة)، ولا يكادان يفترقان: فكانا يتناولان طعامهما سوياً ويقيمان في خيمة واحدة حين كان يتوجه السلطان الى ميدان القتال، بل احياناً كانا ينامان على سرير واحد. وكان ابراهيم صديقاً مخلصاً للسلطان ومستشاراً له.
بمرور السنين ازدادت صداقتهما عمقاً، حيث تبوّأ ابراهيم منصب الصدارة العظمى بعد تولي سليمان السلطنة بثلاث سنوات، وبالتدريج طرأ تغيير على اسلوب حياته بعد ان اصبح يتطلع الى منافسة السلطان في الابهة والجاه، فانتقل ليعيش في قصر شيد على نمط قصر السلطان، وكان يتلقى هدايا قيّمة ممن كانوا يسعون الى تولي الوظائف، وكانت له “ذهبية” (قارب) خاصة، لها 24 مجدافاً، وكان يحيط به حرس شرف يتكون من ثمانية رجال، وكان السلطان يمنحه راتباً يبلغ ضعف راتب الصدر الأعظم السابق.
واخيراً عرض السلطان على ابراهيم اخته لكي يتزوجها عام (1524م) وشهدت العاصمة احتفالات ضخمة بهذه المناسبة استمرت تسعة ايام. وكان ثقة السلطان في إبراهيم بلا حدود، باعتباره قائداً عسكرياً وكبيراً للوزراء.
فرغم غروره وعدم تردده في قبول الهدايا، الا انه كان يقوم بمهامه بكفاءة نادرة، سواء في ميادين القتال او في الحياة السياسية.
لقد تزايد غرور ابراهيم مع مرور الايام، الامر الذي بدأ ينذر بالخطر. ففي حفل استقبال اقيم في عام 1533 م لبعض المبعوثين الاجانب فاه إبراهيم بالعبارات التالية: “إنني انا الذي احكم هذه الامبراطورية المترامية الاطراف. إن اوامري تنفذ، وفي يدي جميع الصلاحيات: كل الوظائف وكل شؤون الحياة. ان كل ما امنحه واتعهد فيه لا يمكن الرجوع عنه، وما لا امنحه لا يمكن لأي شخص ان يبرمه، إن اوامر السلطان لا تنفذ الا اذا كانت تتماشى مع رغباتي ففي يدي كل شيء: السلم – الحرب- المال. انني لا اقول كلامي هذا بدون مبرر، بل لاشجعكم على الكلام بحرية”.
ولا بد ان مثل هذه الاقوال قد اثلجت صدور اعداء ابراهيم الكثيرين، بمن فيهم روكسلانا التي كانت هي المسؤولة الى حد كبير عن تداول كثير من الشائعات المعاديه له. فبمرور السنين كانت لا تزال تسعى دون هوادة الى ضمان العرش لابنها سليم. وكان دوما نصب عينيها العقبتان، وهما: كون الامير مصطفى ابن السلطان البكر، محبوب الجيش والشعب، وابراهيم ذا التأثير الكبير في السلطان.
قررت روكسلانا التخلص من إبراهيم اولا، خاصة بعد وفاة السلطانة الوالدة حفصه خاتون (مارس 1534م)، والتي اعتبرت سنداً لابراهيم باشا، وبدأت روكسلانا تدعم مؤيديها في البلاط، فتحالفت مع اسكندر جلبي وهو من اكبر منافسي إبراهيم باشا. واخيراً بدأت في التأثير على السلطان، حيث أوصلت اذنيه وشايات، في ان ابراهيم يسلبه سلطته، وهو ما كان يهمس به الكثيرون من مقربي السلطان، ووقع سليمان القانوني في حيرة، بين فاتنته روكسلانا وصديقه إبراهيم الذي لم يخنه قط.
واخيراً استسلم لضغوط روكسلانا، وخاصة حين كانت تستشهد بما كان يفوه به الصدر الاعظم في اكثر من مناسبة، من انه صاحب الكلمة العليا في الدولة، شاء السلطان ام أبى، الامر الذي اقنع سليمان القانوني بأن ابراهيم يشكل خطراً على سلطته فقرر التخلص منه.
وفي 15 مارس 1536 م توجه الصدر الأعظم الى السراى، لتناول طعام العشاء مع السلطان، الذي طلب منه ان يبيت بالغرفة المجاورة، كالعادة، وفي تلك الليلة اصدر امراً بقتله، وقيل في هذه المناسبة انه لم يغمض للسلطان جفن، في الوقت الذي امطرته روكسلانا بقبلاتها، حتى لا يصل الى مسامعه أنين ابراهيم وهو يواجه جلادية، وفي الصباح علق جثته على بوابة القصر).
.
ضعف السلطة
بعد مقتل ابراهيم باشا تولى مهمة الصدر الاعظم، ثلاثة من الرجال الذين لم يشهد لهم بالكفاءة، فنجحت روكسلانا في التحكم والاستيلاء على الصدارة العظمى من خلال تنصيب رستم باشا زوج ابنتها، وكان توليه هذا المنصب الرفيع بمثابة خطوة اخرى في طريق اضمحلال الدولة العثمانية.
منذ ان تولى رستم الصدارة العظمى شكل مع روكسلانا جبهة لها مصلحة، في ان يتولى الامير سليم العرش بعد ابيه بدلاً من الامير مصطفى، ولكن كان عليهما الانتظار 9 سنوات اخرى اي حتى عام (1553) قبل ان تتمكن روكسلانا من اغراء زوجها بتكرار ما اقترفه في حق إبراهيم باشا. فقد كان الأمير مصطفى محبوباً وعلى درجة كبيرة من الكفاءة، خاصة بين القوات المسلحة، ولم يكن احد يشكك في انه سيخلف والده الذي بلغ حينها سن الـ60 .
وتمهيداّ للتخلص من مصطفى، اشترك رستم مع ركسلانا في اثارة حملة تشكيك ضد مصطفى الابن البكر للسلطان، فكانت المؤامرة مشابهة طبق الاصل لتلك التي ادت الى مصرع ابراهيم باشا.
اعترض رستم على مشروعات الامير مصطفى، والذي كان حينئذ واليا على منطقة أماسيا، لمواجهة الخطر الفارسي في الشرق، وذلك على اعتبار ان جهود مصطفى من شأنها ان تقضي على آمال سليم في تولي العرش. وروج رستم وروكسلانا الشائعات التي كان لها ما يبررها. وهي تتركز في ان مصطفى افلح في الحصول على مساندة خيالة الاناضول وقبائل التركمان وقطاع الطرق، بهدف القيام بثورة عامة ضد سوء الحكم عند ذوي الاصل المسيحي في العاصمة، ثم الوصول الى العرش – بل ان رستم زوَّر خطابا،ً استشف منه، ان مصطفى يسعى إلى الحصول على مساندة صفويي فارس، اعداء الدولة التقليديين.
لهذا قاد سليمان قواته عبر الاناضول في صيف عام (1553م) على زعم انها موجهة ضد الصفويين. وفي القرب من قونيا استدعى سليمان القانوني ابنه للمثول بين يديه في مركز قيادته، ورغم تحذير اصدقاء مصطفى له فإنه لم يأبه لذلك وشق طريقه الى خيمة والده، حيث كان ينتظره خمسة من الجلادين الصم البكم، الذين كان يعهد لامثالهم بشنق ذوي المكانة الرفيعة – وبخاصةً ابناء الأسر الحاكمة، وهو “شرف” لا يحظى به إلا علية القوم.
وراقب سليمان من وراء ستار قتل ابنه المحبوب، وحين انتهى كل شيء برز الى العيان دون ان تبدو عليه اي علامة من علامات الشفقة او الندم، وهو لا يدري انه حكم على دولته بالاضمحلال حين ازاح عن المسرح أكفأ الامراء وولي العهد الحقيقي.
ولما كان مصطفى موضع حب الانكشارية لشجاعته، وموضع تقدير العلماء والشعراء بسبب حبه للأدب والشعر، فقد كتبت وقيلت في رثائه قصائد مؤثرة لم يخش مؤلفوها سطوة ابيه، وتظاهر سليمان بانه لم يقتل ابنه، فما ان عاد الى الاستانة حتى وصله خطاب من الديوان مكتوب بحبر ابيض على ورق اسود يخبره بموت ابنه. وحينئذ القى بعمامته الى الارض وامر بإقامة الحداد على ابنه.
ورغم ذلك فإن الانكشارية وفرسان الاناضول وقطاع الطرق احتجوا على قتل مصطفى. وتحالفت قوى المعارضة التي دعمت الثورة ضد حكم سليمان في الروميللي، يقودها رجل ادعى انه الامير مصطفى الذي نجا من القتل، وانضم الى “الامير المدعي” الكثيرون الذين كانوا يودون ان تستأنف الدولة حروبها في الغرب ضد اوروبا المسيحية، وسرعان ما احتل المدعي مصطفى تراقيا ومقدونيا ودبروجة. الا ان سليمان قضى على التمرد وقتل آلافًا ممن اشتركوا في التمرد، وصادر ممتلكات الفرسان المتورطين في الحركة.
.
نهاية الجارية التي سيطرت على الحكم 40 سنة
توفيت ركسلانا بعد خمس سنوات من مقتل الامير مصطفى، ولكن بعد ان حققت طموحاتها في تولي ابنها الامير سليم العرش بعد والده سليمان. بعد موتها تم اغلاق الباب الذي كان يوصل بين جناها وجناح السلطان الذي اصبح يتناول وجباته منفرداً، وقد بدت عليه علامات الشيخوخة خاصة بعدما فقد اعز احبائه. واتضحت آثار اخطائه التي ورثها عنه خلفاؤه.
حين توفي سليمان القانوني في شهر ايلول من عام (1566) تم تنصيب سليم ابن روكسلانا سلطاناً وقد عرف بـ”المنحل والكسول”. ولم تمض شهور على توليه الحكم حتى انتشرت الشائعات، ومفادها ان سليمان لم يكن والد السلطان الجديد الذي اطلق عليه اسم السكير، كما قيل ان الصدر الاعظم ابراهيم هو الاب الحقيقي للسلطان سليم، بحكم ان روكسلانا بدأت حياتها، باعتبارها احدى جواريه وانه هو الذي أهداها الى السلطان سليمان.
بقي أن نشير الى مصادرنا والمراجع التاريخية في هذه القصة، منها “قيام الدولة العثمانية” لمحمد كوبر و”أصول التاريخ العثماني” لأحمد عبد الرحيم.
.
عيوب المسلسل
لعل البارز للعيان في الجزء الاول من مسلسل حريم السلطان تصويره لمشاهد تخدش الحياء داخل القصر، منها تفتيش الجواري وفحصهن بطريقة تشبه فحص تجار المواشي لكباش العيد، وهو الأمر الذي حرك هيئة بحجم رئاسة الوزراء التركية الى اتخاذ اجراءات احترازية لباقي أجزائه.. إذ امر اردوغان مجلس النواب التركي بإعادة قراءة الجزء الثالث من المسلسل قبل التأشير عليه بالموافقة. وتشير اخبار من هنا وهناك حول ذات الموضوع ان مقص الرقابة سيمس أية احاءات “غرامية” وتفريغ سيناريو الجزء الثالث من أي “شبهة” في الحياة الخاصة للسلطان واستبدالها بالفتوحات والبطولات لرفع رأس البلاد.
.
جزائريون يرفعون راية “معاك يا الخضرة” أمام مدخل القصر
بعد عرض قناة دبي لمسلسل حريم السلطان في جزئه الاول انتعشت السياحة العربية باتجاة اسطنبول، حيث نجد أن الكثير من الجزائريين فضلوا الاحتفال براس السنة الميلادية هذه السنة امام قصر السلطان، وهو ما اوضحته الوكالات السياحية الجزائرية والتركية على السواء، حيث كشفت احدى الوكالات التركية ان ازيد من 80 الف جزائري زاروا قصر سليمان بعد اشهر من عرض المسلسل على الفضائيات العربية، وهو ما يؤشر لزيادة عدد السياح الجزائريين نحو تركيا.. في حين تبقى الرحلات اليومية باتجاه اسطنبول مرتين يوميا غير كافية لاستيعاب الآلاف من الجزائريين الذين يصرفون اكثر من 20 مليون سنتيم من اجل اخذ صور تذكارية في قصر حريم السلطان.. ومن طريف المواقف التي يتفنن فيها الجزائريون ترديدهم لهتافات “معاك يا الخضرة” امام مدخل القصر جعلت باقي السياح ينخرطون معهم في مشهد احتفالي بتوقيع جزائري خاص.
.
سوريا ترفض دبلجة المسلسلات التركية
انسحبت سوريا كليا من قائمة الدول المدبلجة للمسلسلات التركية بداعي إيواء تركيا للمعارضة السورية في حدودها ومساعدتها للاستقرار بمنحها خيما ومؤنا.. وكانت سوريا اكبر دولة تتعامل مع الجارة تركيا في الميدان الفني والتلفزيوني.. بدأ هذا التعاون يتقلص بعد تأزم الوضع الامني داخل سوريا .. لتنسحب نهائيا وتفض الشراكة والعقد المبرم بين البلدين منذ عقود، اثر موقف تركيا من الاحداث واعلانها صراحة ان ايام بشار الاسد معدودة.. الحالة هذه خدمت لبنان وجعلتها تتفاوض مع تركيا من موقع القوة وتملي عليها شروطها المتمثلة في اعلان الشركة المدبلجة مرتين في بداية الجنيريك وفي نهايته.. لكن هناك بوادر ظهور شركات سورية خاصة في الخارج بدأت تتقرب من تركيا وتعرض عليها خدماتها بعد نجاح مسلسلات “الارض الطيبة”.. “وادي الذئاب” وأخيرا “حريم السلطان”.