المعاملة بالمثل قانون يحكم العلاقات.. والقيم الاجتماعية والدينية على الهامش
تبنى العلاقات الاجتماعية السليمة على جملة من القيم والمبادئ، التي تضمن استمرار الود، وتحفظ كرامة الفرد وراحته.. مقومات، يجدها البعض في التعامل على أساس مبادئ شخصية وأخلاق متواضع عليها، بينما يتصرف آخرون بناء على ما يجدونه من معاملة في علاقاتهم الاجتماعية مع القريب والبعيد، فيزورون من زارهم، ويهدون من أهداهم، ويقطعون من قطعهم
مبدأ “شدّ- مدّ” يفسد العلاقات الاجتماعية
تدريجيا، يتحول الطمع من طبع منبوذ إلى عادة اجتماعية يتبناها الكثير من الجزائريين، في إطار علاقات الجيرة والصداقة، وحتى صلة الأرحام.. يظهر أكثر في المناسبات، فرحا كانت أم قرحا، حين أصبح الناس ينتظرون العطايا والهدايا، ليقيسوا عليها قيمتهم الاجتماعية. يقول الأستاذ لزهر زين الدين، الخبير في الشأن الاجتماعي: “لم تعد الهدية التي تقدم في المناسبات المختلفة، أيا كان شكلها، ذات قيمة معنوية فقط، وإنما تحولت إلى معيار مادي، يحدد به الأشخاص ما يجدر بهم تقديمه كهدية في المستقبل، في إطار المعاملة بالمثل، و”أعطيك.. بقدر ما أعطيتني”. ولا بد من أن يكون لهذا السلوك تأثير على البنية الاجتماعية، يظهر في انتشار طباع وعادات سيئة، لا تتوافق مع شريعتنا الإسلامية، ولا مع فضائل الإنسانية”.
وفي السياق ذاته، تتحدث السيدة وسيلة: “في الماضي القريب، كنا لا نزال نقدم ما يدعى بـ”الزيارة”، مالا أو مواد استهلاكية أو هدايا متنوعة، كل بحسب مقدوره المادي.. البعض يعتبرها صدقة تدخل السرور على أهل البيت الذي تتم زيارته، والبعض الآخر يعدها واجبا كتسبيق عن حسن الضيافة
مقاطعة الأرحام.. أين ذهبت قيمنا الدينية
لأن فلانا لم يعُده وهو مريض، أو إن فلانة لم تحضر عرس ابنها البكر.. تتوجب المقاطعة لرد الاعتبار. مبدأ، بات ساري المفعول، حتى مع الأقارب والأرحام، جعل عائلات برمتها تتفكك من هذا المنطلق..
تقول إحسان، 26 سنة: “بسبب ظروفنا المادية القاهرة، تفضل أمي عدم حضور الأفراح والمناسبات العائلية.. وتتحجج بمرضها. فهي لا تملك ما تقدمه كهدايا مادية، في حين، استغنى الجميع عن خدماتها في الطبخ والمساعدة في الإطعام في أعراسهم. ولهذا السبب، لم يحضر من عائلتي في حفل زفافي، سوى بعض أفرادها فقط، شعرت بالصدمة والخجل، مع أنني كنت أعرف أن سلوك أمي غير سوي.. لم أتقبل ردهم علينا، مع علمهم بظروفنا، لا أخوال ولا أعمام شاركوني فرحتي، على كثرتهم.. وقد قاطعوا منزلنا منذ فترة
متى تجب المعاملة بالمثل؟
مع أن المعاملة السيئة بالمثل، في بعض العلاقات، تكون سببا في القطيعة، وتؤثر سلبا على الروابط والقيم الاجتماعية والدينية، إلا أنها قد تكون مفيدة في علاقات أخرى، حين يكون على الفرد رد التجاهل، أو الحد من وصل الأشخاص الانتهازيين والطفيليين في حياته. وفي هذا، تؤكد الأخصائية النفسانية، نادية جوادي، أن: “المعاملة بالمثل، تعتبر إحدى أدوات العلاج النفسي وتقويم السلوك. وقد تتطلب من الشخص متابعة طبية وعملا متواصلا على الشخصية، للوصول إلى مرحلة المعاملة بالمثل، خاصة على مستوى الشعور. فالأشخاص الذين يتعمق لديهم الأذى من معاملة الآخرين، ويصابون بالاضطرابات النفسية جراءها، هم الأشخاص غير القادرين على معاملة طرف آخر بنفس ما يتلقون منه من إهانة أو تجاهل أو إهمال..”. هذا، وتؤكد الأخصائية أنه ليس دائما تفعيل الأخلاقيات والقيم مفيدا للنفس. فقد يسبب لصاحبه الأذية. ذلك، أن البشر مختلفون في قناعاتهم ومستوى أخلاقهم، التي تعتبر محركات لسلوكهم مع الآخرين. من أجل هذا، يجب الفصل بين المعاملة بالمثل عن وعي وقصد من غيرها، مع اعتبار مكانة الأشخاص والعلاقات