المهرّبون.. “إرهابيون” يستهدفون أمن واقتصاد وصحّة الجزائريين
أنهت اللجنة الخاصة المكلّفة بمراجعة الإجراءات العقابية، التي يتضمنها الأمر المتعلق بمكافحة التهريب عملها، حيث ستستمع الحكومة في اجتماعها غدا الأربعاء، إلى قراءة أولية يقدمها وزير العدل حافظ الأختام، محمد شرفي، عن تشديد ورفع العقوبات التي تسلّط على المهربين إلى المؤبد، ورفع قيمة الغرامات المالية، مع تكييف فعل التهريب كفعل يهدد الأمن والاقتصاد الوطنيين.
ينظر اليوم، أعضاء الحكومة في مشروع قانون يعدل الأمر رقم 05-06 المتعلق بمكافحة التهريب، وذلك في قراءة أولية حسب جدول أعمال اجتماع الحكومة، وذلك نزولا عند أوامر استعجالية أنتهى إليها مجلس وزاري مشترك الأسبوع الماضي، درس ظاهرة التهريب بصفة عامة وتهريب الوقود بصفة خاصة، بعد أن زحفت أزمة الندرة الناتجة عن التهريب المفضوح لكميات ضخمة من الوقود من الولايات الحدودية إلى ولايات الوسط والهضاب.
وحسب مصادر من وزارة العدل، فإن حالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها الحكومة على فعل التهريب، الذي ألحق ضررا بليغا بالاقتصاد الوطني، وجعل الشعبين التونسي والمغربي يزاحمان الجزائريين على أموال الدعم والتحويلات الاجتماعية التي تغطي كلفة المواد الاستهلاكية المدعمة، جعلت وزارة العدل، ترفع الإجراءات الردعية إلى أقصاها سواء ما تعلق بعقوبة السجن والغرامة المالية والإجراءات العقابية التكميلية، كتحديد الإقامة ومنع الإقامة، فبين السجن المؤبد وغرامة تصل إلى 20 مرة قيمة البضائع المصادرة إلى عقوبات تلحق المتسترين على فعل التهريب، والمتواطئين من أصحاب المسؤوليات على الردع، قررت الحكومة تضييق الخناق على الحلابة الذين تحولوا إلى شبكات “مافوية” وبارونات ينشّطون شبكات فرعية للتهريب، تلجأ أحيانا حتى لتجنيد المواطنين.
الحكومة التي قدّرت نسبة الوقود المهرب نحو الجيران على الحدود الشرقية والغربية بـ25 بالمئة من الإنتاج الوطني، قررت إدراج فعل التهريب كفعل خطير يهدد الأمن الوطني أو الاقتصاد الوطني أو الصحة العمومية. فحسب المشروع التمهيدي للقانون المعدل والمتمم للأمر المتعلق بمكافحة التهريب، الذي اطلعت عليه “الشروق” فتحسين أطر التنسيق ما بين القطاعات ومراقبة تدفق البضائع التي تكون محل عرضة للتهريب، ووضع نظام للكشف عن مواصفات البضائع ومصدرها، وتعميم استعمال وسائل الدفع الإلكتروني، تعد أولوية ذلك لما تمثله آليات الرقابة كأسلوب قبلي واحتياطي، إلى جانب دعم الترتيب الأمني للشريط الحدودي وبشكل خاص في المناطق البعيدة عن مراكز المراقبة، وتدعيمها بتعداد كبير يضمن انتشارها في مسالك المهربين.
كما يقرّ النص معاقبة كل من يتستّر ولا يبلّغ السلطات العمومية، عن أفعال التهريب وشبكات توزيع وبيع البضائع المهربة، إلى جانب الاعتماد على التحفيز المالي أو غيره للأشخاص الذين يقدمون للسلطات المختصة معلومات من شأنها أن تفضي للقبض على المهربين، مع تفعيل الديوان الوطني لمكافحة التهريب، الذي لم ينشط أبدا رغم وجود الإطار القانوني لميلاده. وسيتم إنشاء على مستوى كل ولاية لجنة محلية لمكافحة التهريب تلحق بسلطة والي الولاية، تتولى هذه اللجنة مهمة تنسيق نشاطات مختلف المصالح المكلفة لمكافحة التهريب .
وفي الجانب الردعي العقابي فعقوبة السجن على تهريب المحروقات والوقود أو الحبوب أو الدقيق أو المواد المطحونة المماثلة، أو المواد الغذائية أو الماشية أو منتجات البحر أو الكحول والتبغ والمواد الصيدلانية والأسمدة التجارية أو التحف الفنية أو الممتلكات الأثرية أو المفرقعات أو أي بضاعة أخرى، ستتراوح من 5 سنوات إلى 10 سنوات وغرامة مالية تساوي 10 مرات قيمة البضاعة المصادرة، وعندما ترتكب قضايا التهريب من 3 أشخاص وأكثر تكون العقوبة من 5 سنوات إلى 15 سنة وغرامة تساوي 15 مرة إلى 20 مرة قيمة السلع المصادرة لصالح الدولة .
ويعاقب بالحبس من سنة إلى 10 سنوات وبغرامة تصل إلى 500 ألف دينار كل شخص ثبت علمه بوقوع فعل من أفعال التهريب ولم يبلّغ السلطات العمومية، وتضاعف العقوبة إذا كان الشخص قد تحصّل على المعلومات بحكم وظيفته أو مهنته، وترافق هذه الإدانة مجموعة من العقوبات التكميلية كتحديد الإقامة ومنع الإقامة وإغلاق المؤسسة نهائيا إذا كان المهرب صاحب مؤسسة، والإقصاء من الصفقات وسحب رخصة السياقة ومنع صدورها ثانية لكل من يتورط في فعل التهريب، ولا يستفيد الشخص المدان في فعل التهريب من ظروف التخفيف التي يتضمنها قانون العقوبات.
وحسب مصادرنا دائما، فوزارة العدل تفكر في إقرار عقوبات أكبر وأشد لقطع دابر التهريب، واستنزاف أموال التحويلات الاجتماعية التي أصبحت تساهم في خلق بارونات تغوّلت وجنّدت شبابا يدعون الحلابة يسترزقون من التهريب ويرفضون أي صيغة عمل مهما كانت أهميتها .
مواطنون يحتجون ويطالبون بتشديد الخناق عليهم
“الحلابة” يلغمون ولايات الغرب
عرفت مؤخرا، مختلف ولايات الغرب، أزمة حادة في التزوّد بالوقود، بسبب تنامي ظاهرة التهريب عبر الحدود المغربية وزحف “الحلابة” نحو كافة محطات التوزيع لاستنزافها.
وظهرت مؤشرات ارتفاع مستوى تهريب الوقود، سريعا على الحياة اليومية للمواطنين تحديدا أصحاب المركبات، حيث اشتدت أزمة التزود بالوقود لتشمل مختلف محطات التوزيع بكافة ولايات الغرب مؤخرا، بسبب نقص التموين واختلال التوازن بين العرض والطلب، وأرجع السبب الرئيس في هذه الأزمة للكميات المعتبرة من الوقود التي يتم تهريبها عبر الحدود نحو المغرب، إذ وأمام التضييق على “الحلابة” على مستوى مغنية وتلمسان وعين تموشنت، لجأ هؤلاء إلى ولايات مجاورة مثل سيدي بلعباس وغليزان، لاقتناء كميات معتبرة من الوقود، منها شاحنات مزودة بخزانات ضخمة يتم شحنها بالوقود لتهريبه.
وبلغ الأمر بتلمسان التي تعرف طوابير طويلة على مستوى محطات البنزين، إلى تنظيم أصحاب المركبات لاعتصام أمام مقر الولاية احتجاجا على نقص التموين وتزايد نشاط التهريب، وبسيدي بلعباس احتج مواطنون أيضا على توجه “الحلابة” نحو محطات الوقود ونقل الأزمة إلى هناك، مطالبين بتشديد الخناق عليهم.
هذه الاضطرابات لحقت بعدة ولايات من الغرب، حيث دامت الأزمة أكثر من أسبوعين، أمام استياء كبير من قبل زبائن مؤسسة نفطال الذين بلغ بهم الأمر، الانتظار ساعات طويلة من أجل الحصول على لترات من الوقود، ومست الأزمة على وجه الخصوص أصحاب سيارات الأجرة الذين تضرروا من التذبذب في التوزيع. فيما نقلت مصادر من المناطق الحدودية، هيجان “الحلابة” ليلا ونهارا، عبر مختلف الوسائل لتهريب كميات معتبرة من الوقود انطلاقا من خزانات تملأ عن طريق التردد على محطات التوزيع من مختلف الولايات وبتجنيد عدد معتبر من السائقين.
تحوّلت إلى إمارة نفطية تستهلك ثمانية أضعاف حصة العاصمة
البنزين والمازوت للبيع في المحلات والفيلات بتبسة
لا يمكن دخول مدينة تبسة، دون ملامسة اختلاف المنطقة عن بقية المدن الجزائرية، فالثراء الفاحش الذي يظهر على الكثير من سكانها، دون أن تكون في الولاية مؤسسات اقتصادية أو فلاحية أو سياحية، يجعلك تفهم بسرعة بأن الولاية أقرب ما تكون إلى إمارة نفطية، فالمهرّب لا يمتلك بطاقة زيارة ولا يحتاج لتقديم نفسه، لأنه يظهر جليا أنه من كبار المهربين، وحتى النزوح الريفي وهجرة أهل الشرق إلى تبسة في السنوات الأخيرة حتى أن عدد سكان الولاية قد فاق 800 ألف نسمة، إنما لأجل العمل في عالم التهريب.
وتقول إحصاءات غير رسمية أن ثلث سكان ولاية تبسة يعيش من تهريب الوقود، وانتعشت هاته المهنة الممنوعة منذ نجاح الثورة التونسية في إزاحة الرئيس السابق زين العابدين بن علي، فبعد أن كانت عائلة الطرابلسي هي قائدة أكبر عمليات تهريب الوقود من الجزائر إلى داخل الأراضي التونسية تشعبت مهنة التهريب بين التونسيين وطرقت جميع الفئات، خاصة في المناطق الغربية لتونس.
وتعتبر تبسة الولاية الوحيدة في الجزائر التي تمتلك قطارا يزودها بالوقود مباشرة من مركب تكرير النفط بالمنطقة الصناعية بسكيكدة، وهو قطار لم يعد يكفي رغم أن الولاية تستهلك ثمانية أضعاف ما تستهلكه العاصمة، مما خلق أزمة لدى كل الولايات المحيطة بتبسة مثل أم البواقي وخنشلة منذ سنوات، وطال في الفترة الأخيرة مدنا أبعد عن تبسة مثل قسنطينة وعنابة وسكيكدة عاصمة الوقود، ورغم أن التهريب أقل نشاطا في ولاية الطارف، إلا أن مجرد التفكير في وجود البنزين أو المازوت في محطات بلديتي أم الطبول أو العوينات الحدوديتين أشبه بالأحلام، وتعجز مصالح الدرك الوطني عن التعامل مع المهربين، لأن ظهور الشاحنات العملاقة من نوع داف التي يبلغ سعرها قرابة الثلاثة مليارات ولها خزّانات عملاقة للوقود، حيث يدخل أصحابها إلى قلب تبسة ويمرّون بآبار من النفط عبر الحواجز الأمنية دون أن يجد رجل الأمن طريقا لتوقيفهم، لأن المهرب يدخل بشاحنته فارغة وتخرج وهي خاوية على عروشها بعد ان يبيع محتواها على الحدود.
أثرياء تبسة برائحة الوقود.. والدولة وفّرت قطار وقود للمهربين
والي ولاية تبسة في آخر اجتماع للمجلس الشعبي الولائي عندما طرح عليه أحد الأعضاء مشكلة الطرقات المخرّبة، تنهد واعترف بأن إصلاحها لا معنى له، مادامت المئات من شاحنات التهريب العملاقة تجوب هاته الطرقات، ومن النادر أن تجد في تبسة محطة بنزين تشتغل، والتبسيون قبلوا بالأمر الواقع، لأن الكثير منهم يعيش من التهريب، بينما صار تواجد التونسيين على حافة الطريق في طبرقة أو باجة وهم يبيعون البنزين أو المازوت الجزائري كما يبيعون البطيخ أمرا عاديا، وسعر البنزين في تبسة هو 40 دج للتر الواحد وسعر المازوت 30 دج ويباع في المحلات وفي المساكن وفي الفيلات.
محطات البنزين تدخل في أزمات خانقة
الدرك يعالج 1550 جريمة تهريب و3 ولايات حدودية في خطر
سجلت قيادة الدرك الوطني خلال السداسي الأول من السنة الحالية، 1.550 قضية تهريب الوقود، حيث تمثل 66,21 % من التهريب، في حين تم تسجيل تضرر ثلاث ولايات من هذه الظاهرة التي مست الاقتصاد الوطني، وهي تلمسان وسوق أهراس وتبسة، فيما تم توقيف 159 شخص.
وأكد العقيد بن نعمان محمد الطاهر، مدير الأمن العمومي في قيادة الدرك الوطني، خلال ندوة صحفية نظمت بمقر قيادة الدرك الوطني، أن قيادة الدرك الوطني سطرت مخططا محكما لمحاربة ظاهرة التهريب التي باتت تهدد الاقتصاد الوطني، مشيرا أن القيادة لها وحدات تشكيلات مكلفة بمحاربة التهريب بكافة أشكاله، وأضاف أن تهريب الوقود هو نوع من أنواع الإجرام، وأن الخارطة الإجرامية حول مناطق التهريب يتم على أساسها تكييف الوحدات على حسب تطور الجريمة.
أما الولايات الأكثر تضررا فهي تلمسان بـ632 قضية، وسوق أهراس بـ359 قضية وتبسة بـ 329 قضية، في حين تم توقيف 159 شخص موقوف، كما تم حجز 813.178 لتر محجوزة منها 83,09 % مازوت، أين سجل ارتفاع قدره 22,03 بالمئة. وفيما يخص التهريب بشكل عام فقد تم تسجيل2.341 قضية معالجة تمثل 33,74 % من الإجرام المنظم، كما تم تسجيل انخفاض قدره 1,93 % مقارنة مع سنة 2012.
وتم إحصاء ثلاث ولايات متضررة وهي تلمسان بـ1056 قضية وتبسة بـ572 وسوق أهراس بـ467 قضية أسفرت عن توقيف 831 شخص. وعن القضايا المتعلقة بالإجرام العام، كشف العقيد بن نعمان، أن وحدات الدرك الوطني تمكنت خلال السداسي الأول من سنة 2013، من معالجة 42.761 ألف قضية منها 2.184 جناية، 35.296 جنحة، 1.275مخالفة وتنفيذ 4.006 أمر قضائي.
وأوضح ذات المسؤول، أن الأرقام المسجلة بخصوص قضايا الإجرام العام، عرفت ارتفاعا مقارنة مع نفس الفترة من السنة المنقضية 2012، بنسبة 16,62 % أي ما يعادل 36.668 قضية، وبمعدل 236 قضية في اليوم.