-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الموازنة بين المبادئ والمصالح.. الجزائر والصَّحراء الغربية نموذجًا

ناصر حمدادوش
  • 519
  • 0
الموازنة بين المبادئ والمصالح.. الجزائر والصَّحراء الغربية نموذجًا

على غير عادات “ترامب” الجنونية في محاولاته الخيالية لتغيير مجرى التاريخ المعاصر – عبر جنون العظمة والنرجسية الطاغية – فقد لجأ في قضية الصحراء الغربية إلى استصدار قرارٍ من مجلس الأمن، وأن يُذكر اسمُه فيه، حتى يسترجع نوعًا من عذرية أمريكا المغتصبة صهيونيًّا، ومحاولة العودة إلى المركزية الأممية لأمريكا في العالم، فقد تمكَّن من استصدار قرارٍ جديدٍ بخصوص الصحراء الغربية، رقم: 2797 يوم 31 أكتوبر 2025م.

بعيدًا عن السياق السياسي والديبلوماسي لهذا القرار، ومدى اتّساقه مع القرارات الأممية السابقة، والمقارنة بين المسودة الأمريكية –صاحبة القلم– والقرار النهائي، ودور الدول المعارضة لذلك، وعلى رأسها الجزائر، وبغضّ النظر عن مواقف الدول الأخرى، وجدلية التعارض بين المبادئ والمصالح لها، فقد اتَّجهت الأنظار إلى موقف الجزائر، والذي كان سياديًّا ومتميِّزًا بعدم المشاركة في التصويت، وإنْ كان في صورة عدم الرفض والقبول معًا، فهو ليس حياديًّا أيضًا، فقد اعتبره البعض ثورةً جزائريةً ديبلوماسيةً احتجاجيةً على مجلس الأمن والدول الكبرى على ذلك الانحياز المفضوح، فقد جاء القرار غير ملزِم، ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، مما يجعله غير قابلٍ للتطبيق، وجاء رماديًّا وتلفيقيًّا لإرضاء الجميع، في محاولةٍ فاشلةٍ للتوفيق بين “الواقعية السياسية” و”الشرعية الدولية”، دون الفصل في الخيار الواقعي والنهائي والوحيد المزعوم، وهو الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، فلم يفصل في هذا الاعتراف – كما كان يَتمنَّاه المغرب وفق الخطوة الأحادية، بل نصَّ على المفاوضات والتوافق بين طرفي النزاع (المغرب والجمهورية الصحراوية) ضمن المسار الأممي، دون إقحام الجزائر في هذا الصِّراع، مع التمديد لبعثة “المينورسو” لمدة سنةٍ كاملة ضمن آلية المراجعة السنوية المعتادة، وإجهاض محاولات إعدامها خلال 03 أشهر فقط بالتمديد إلى غاية 31 جانفي 2026م، والتي تشتغل في إطار مبدأ “تقرير المصير”، وهو ما نصَّ عليه القرار: “ضرورة التوصل إلى حلٍّ سياسيٍّ واقعيٍّ ودائم ومقبول للطرفين، يضمن حقَّ تقرير المصير”، وليس عبر الحلول الفوقية والخارجية، وهو ما نصَّ عليه القرار كذلك، باعتماد جميع المرجعيات السابقة، وعلى رأسها: القرار 690 لسنة 1991م المتعلق بإجراء الاستفتاء على تقرير المصير، وليس على قراري 2602 لسنة 2021م، و 2654 لسنة 2022م فقط، مع فتحه المجال أمام مقترحاتٍ ممكنةٍ أخرى.

جاء القرار غير ملزِم، ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، مما يجعله غير قابلٍ للتطبيق، وجاء رماديًّا وتلفيقيًّا لإرضاء الجميع، في محاولةٍ فاشلةٍ للتوفيق بين “الواقعية السياسية” و”الشرعية الدولية”، دون الفصل في الخيار الواقعي والنهائي والوحيد المزعوم، وهو الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، فلم يفصل في هذا الاعتراف – كما كان يَتمنَّاه المغرب وفق الخطوة الأحادية، بل نصَّ على المفاوضات والتوافق بين طرفي النزاع (المغرب والجمهورية الصحراوية) ضمن المسار الأممي، دون إقحام الجزائر في هذا الصِّراع.

ولذلك فإنَّ هذا القرار –رغم مزاعم الانتصار الديبلوماسي المغربي الوهمي- لن يمنح “الشرعية السِّيادية على الصحراء الغربية” للمغرب بمثل هذا القرار الاسترضائي للجميع، والذي لن يصبَّ إلا في وعاء مصالح القوى الصهيونية والغربية، لأنهم يريدونها أن تكون صحراء “غربية” وليست “مغربية”، فهم لا يتنفَّسون إلا الصَّفقات على الثروات، ولا يخوضون هذه المعارك الدولية إلا لخدمة المشروع الصُّهيوني في المغرب العربي هذه المرَّة.

لكن الغريب في الأمر، هو محاولات البعض النَّيْل من الجزائر، والهجوم عليها بشتى أنواع اللوم والمناكفة والتشفِّي، بأنها قد خسرت هذه المعركة الديبلوماسية، وضيَّعت سنواتٍ من الجهود والإمكانات والكُلَف الباهظة على مواقفها المبدئية والتاريخية في مناصرة هذه القضية.

ومن جملة التشفِّي في الجزائر: الزعم أنها ضحيةٌ لمواقفها التقليدية، بإصرارها على المبادئ، بينما لا تُبنى المواقف عند الأمم إلا على المصالح، لأنَّ الدول ليست جمعياتٍ خيرية، إذْ لا توجد صداقاتٌ دائمة بل هناك مصالح دائمة، وكأنَّ هؤلاء لا يرون في ثنائية المبادئ والمصالح إلا التعارض، ولا يرقى علمهم إلى مستوى إمكانية الجمع بينهما في إطار التكامل والتوازن.

ويعتقد البعض أنَّ هناك تعارضًا حتميًّا بين المبادئ والمصالح، وهو احتكامٌ إلى وَهْمٍ تعميميٍّ خاطئ، لأننا لم نتفق ابتداءً على حقيقة المصالح، بل هناك خلافٌ حتى على المبادئ، ولذلك وجدنا علماء الأصول قد قسَّموا المصالح عندنا إلى ثلاثة أقسام، وهي: المصالح التي شهد الشَّرعُ باعتبارها، والمصالح التي شهد الشَّرع ببطلانها، والمصالح التي لم يشهد الشَّرع باعتبارها أو بطلانها، وهي التي تُسمَّى: المصالح المرسلة.

وقد اعتنوا بتعريف المصلحة وشروطها، للتمييز بين المصلحة الحقيقية والمصلحة الوَهمية، فالمصلحة الشرعية من حيث الأصل هي جلب المنافع ودفع المفاسد، والمقصود بها، هي المحافظة على مقاصد الشَّرع من الأحكام، ومقصود الشَّرع من الخلق، هو المحافظة على الكليات الخمس المعروفة، وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وأنَّ المحافظة على هذه الكليات هو عين المصلحة، وتضييعها هو عين المفسدة.

ويتَّضح ممَّا سبق أنَّ الشَّرع الحكيم هو مَن يحدِّد حقيقة المصلحة والمفسدة، فليس هناك تلازمٌ بين المصلحة والمفسدة في عُرف الناس وعُرف الشَّرع، فقد يكون ما يراه الناس مصلحة قد يكون في حكم الشَّرع مفسدة.

والمصلحة الشرعية، هي التي يُشترط فيها – وفق نظر الإمام الشاطبي- أنْ تكون معقولةً في ذاتها، بحيث إذا عُرِضت على العقول تلقَّتها بالقبول، وأنْ تكون ملائمة لمقاصد الشَّرع في العموم، فلا تُنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من أدلته القطعية، وأنْ تكون المصلحةُ حقيقيةً لا وَهْمية، فلا يكون للهوى والشهوة والوَهْم وسوء التصوُّر مدخلٌ، بالانتباه إلى الاعتبارات الشخصية والظرفية والمحلية والمادية في معرفة حقيقة المصلحة والأخذ بها.

ولذلك، فإنَّ الأخذ بالمصالح الحقيقية هو عيْنُ الشرع والمبادئ الفعلية، فقد اعتبر فقهاؤُنا “الاستصلاح” أصلاً قائمًا ودليلاً مستقلاً، يُحتجُّ به في الفتوى والقضاء والتشريع، كالنص والإجماع والقياس، ووضعوا قاعدتهم: “أينما تكون المصلحة فَثَمَّ شرع الله”، وأنَّ المصلحة الحقيقية والقطعية لن تتعارض مع النصوص قطعية الثبوت والدلالة، وإذا كانت هناك دعاوى التعارض فهي وَهْمية، ترجع إلى القصور في الفهم البشري، لا إلى النصوص والمصالح في ذاتها، وهو ما يعني أنَّ دعوى تعارض المبادئ الثابتة مع المصالح المعتبَرة ليست حقيقية وعامة ومطلقة.

ومن عجائب آخر الزَّمان أنْ يكون صاحب المبادئ –فردًا أو دولةً- غريبًا، وحالة شاذة يجب أنْ يقع عليها اللَّوم في هذا العالم الظالمِ أهلُه، مع أنَّ الثبات على المبادئ مفخرة، وهو عين الحكمة في تحقيق المصالح.

لقد أصبح من المعلوم من التاريخ والسِّياسة بالضَّرورة في قضية الصَّحراء الغربية ما يلي:

1/ أنَّ الصَّحراء الغربية كانت تحت الاحتلال الإسباني منذ أنْ أقرَّت الدولُ الأوروبية في مؤتمر برلين سنة 1884م ذلك، واعتراف فرنسا بسيادة إسبانيا عليها سنة 1900م، وأنَّ المغرب قد استقلَّ عن الاحتلال الفرنسي سنة 1956م، ولم ينل شرف الجهاد ضدَّ الاحتلال الإسباني، ولم يطلق رصاصة واحدة من أجل الصَّحراء، وأنَّ جبهة “البوليساريو” هي التي فرضت على إسبانيا –عبر الكفاح المسلَّح– الاعتراف بالحقِّ في الاستفتاء من أجل تقرير المصير سنة 1975م.

2/ الأطماع التوسُّعية في الصَّحراء الغربية لم ينفرد بها المغرب فقط، بل سبقته موريتانيا منذ 1957م إلى غايتها انسحابها من هذه الأطماع سنة 1979م، وكان المغرب يناقش تقاسم الصَّحراء بينهما، بعد أنْ كان له أطماع توسُّعية في موريتانيا ذاتها، ولذلك لم يعترف بها إلا سنة 1969م.

3/ أنَّ “منظمة الوَحدة الإفريقية” حسمت الاعتراف بالجمهورية الصَّحراوية منذ 1984م، كما اعترفت بها 74 دولة، ممَّا دفع المغرب إلى الانسحاب منها إلى غاية عودته سنة 2017م إلى جانب المقعد الرسمي للجمهورية الصحراوية، وهو اعترافٌ ضمنيٌّ بها، وينص الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار غداة الاستقلال، وهو ما يجعل الاحتلال المغربي قد حلَّ محلَّ الاحتلال الإسباني للصحراء الغربية، وقد صُنِّفت قضية الصحراء الغربية كقضية تصفية استعمار في الأمم المتحدة منذ سنة 1963م، ثم أُعيد التأكيد على ذلك سنة 1990م، بتطبيق إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة.

4/ لقد طرح الأمين العام للأمم المتحدة سنة 1988م حلاًّ، بقبول تنظيم الاستفتاء على تقرير المصير، والذي ينتهي إمَّا بالانضمام الكلي إلى المغرب أو بالاستقلال التَّامّ عنه، وهو ما قَبِل به المغرب أيضًا، وتمَّ إنشاء بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” على ذلك الأساس، وكانت مهمتها الأساسية تنظيم هذا الاستفتاء، ثم انقلب على ذلك.

5/ مشكلة المغرب مع الجزائر ليست مرتبطة – ابتداءً- بقضية الصَّحراء الغربية، وإنما تعود إلى الأطماع التوسُّعية له، ابتداءً من “حرب الرِّمال” على الجزائر سنة 1963م، ومطالبته بضمِّ تندوف وبشَّار، بل لا تزال هذه العقيدة التوسُّعية ثابتة إلى الآن، وقد عبَّر عنها شيوخ المخزن بخلفياتٍ دينية، وكان آخرها ما أفتى به أحمد الريسوني بـ”الجهاد” و”الزَّحف” على تندوف سنة 2022م، والذي كان يشغل منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بل زاد عليها بالاستناد إلى أوهام “خارطة المغرب الكبير” التي نشرها علال الفاسي سنة 1956م، ويُعبَّر عنها في دستور المخزن الحالي بـ”الحدود الحقَّة”، والتي تصل إلى وسط الصَّحراء الجزائرية (ما يسمُّونها “الصحراء الشرقية”، والتي تصل إلى أدرار والأغواط وعين صالح)، والتوسُّع إلى جزءٍ من مالي والسِّنغال، وكلَّ الصَّحراء الغربية وموريتانيا.

6/ لقد أصبح واضحًا بأنَّ ثمن هذا التطوُّر في المواقف الدولية لصالح الطرح المغربي في “الحكم الذاتي” بقيادة أمريكا، ولو من الناحية الشَّكلية السياسية والديبلوماسية والإعلامية، دون المنجز الحقيقي على الأرض، إنما ثمنه هو فتح المغرب وتسليم الصَّحراء الغربية للنفوذ الغربي، وأنَّ الأخطر من ذلك هو استدعاء الوجود الصُّهيوني إلى المراكز الحسَّاسة في المغرب العربي وشمال إفريقيا، لمحاصرة الجزائر واستهداف عقيدتها التاريخية في دعم القضية الفلسطينية.

ولذلك، فإنَّ الموقف الجزائري الصَّلب، والمرابِط على ثغر المبادئ الثابتة، وهي: عدالةُ القضية الصَّحراوية، والحقُّ في تقرير المصير عبر الاستفتاء، واحترام كلِّ القرارات الأممية ذات الصِّلة، وسيادة القانون الدولي، يجب أنْ يكون في توازنٍ متكاملٍ مع المصالح الحقيقية، وهي: وقف زحف الأطماع التوسُّعية للمغرب، والحدُّ من تهديد الأمن القومي الجزائري، والتنبيه إلى الحلول الواقعية والموضوعية التي تصبُّ في صالح المغرب والصَّحراء الغربية، وليست في القرارات المتناقضة والمفخَّخة، والتي تطيل الصِّراع وتستنزف الجميع في المنطقة، ولا تخدم إلا المصالح الغربية والصُّهيونية الواضحة.

فهل تُلام الجزائر على هذه المقاومة الديبلوماسية في محاولة التوازن بين المبادئ والمصالح، ومحاولة التوفيق بين المواقف التاريخية وحقيقة التحوُّلات الجديدة؟.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!