في ميزان المواقف العربية من العدوان
الموقف الجزائري: أقل مما هو معهود وأشرف مما هو موجود
كشف الهجوم الصهيوني على قطاع غزة، عن متغيرات جديدة في منطقة الشرق الأوسط، تؤشر على انحصار أدوار إقليمية لدول كانت تعتبر مفتاحية في المنطقة، وبروز أدوار لدول صاعدة تبحث عن وزن وإرث تاريخي مفقود، فيما يبقى صنف ثالث يراوح مواقفه المعروفة ومن بينها الجزائر.
-
لا يمكن أبدا مقارنة الموقف الجزائري بنظيره المصري أو الأردني أو المغربي.. إزاء ما يجري هذه الأيام بقطاع غزة، لأن ما ينتظره الفلسطينيون من القيادة المصرية، أكبر بكثير مما ينتظرونه من الجزائر، لعدة اعتبارات تضع الجانب المصري أمام مسؤوليات أكبر لم تعرها القاهرة ما كان منتظرا منها..
-
فمصر والأردن والمغرب وموريتانيا، وبالرغم من مرور ما يقارب الأسبوعين عن بدء الهجوم الصهيوني الإرهابي على شعب أعزل، لازال دورها مقتصرا على التفرج، بحيث لم تقدم هذه الدول أية مبادرة من شأنها تخفيف المعاناة على سكان القطاع، بالرغم من الأوراق العديدة التي تتوفر عليها، والتي بإمكانها إخراجها في أية لحظة في وجه العدو، وذلك بداعي الحفاظ على لعب دور الوسيط “غير المنحاز“ بين الطرفين.
-
إن ما قامت به الجزائر منذ بدء العدوان على غزة، والذي لم يتعد تقديم المساعدات المادية من غذاء ودواء، ودعوة سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالجزائر، لإصدار قرار بوقف العدوان، يبقى محدودا مقارنة بمواقفها التاريخية النابعة من معاناة شعبها من استعمار لا يختلف عن الاحتلال الصهيوني اليوم، إلا أنه يبقى مشرفا مقارنة بمواقف الدول السالفة الذكر، التي لم تتجرأ أي منها باستثناء موريتانيا، على استدعاء سفيرها في تل أبيب، أو طرد سفراء الدولة الصهيونية المعتمدين بعواصمها.
-
وإذا كانت المسؤوليات إزاء الشعب الفلسطيني، متفاوتة بين الدول العربية، فإن مسؤولية الشقيقة مصر، تعتبر الأثقل، بالنظر لوزن هذه الدولة، التي توصف بأنها كبرى الكيانات السياسية العربية، فضلا عن كونها دولة تتاخم حدوديا قطاع غزة، ومن ثم فهي تتحكم في أحد أهم المعابر الخارج عن السيطرة الإسرائيلية، ومع ذلك لم تتجرأ على فتح هذا المعبر الحيوي لسكان القطاع، لا في وقت السلم ولا في وقت الحرب، بحجة ارتباطها باتفاقيات سلام مع العدو، وبحجة أخرى أسخف من سابقتها، وهي أنها لا تريد تكريس الانشقاق الفلسطيني، بمعنى أنها لا تريد فتحه أمام حركة حماس، لكنها مستعدة لفتحه في حالة واحدة وهي عودة سيطرة سلطة أوسلو برئاسة محمود عباس على قطاع غزة.
-
ليس هذا تجن على دولة بعينها، بل هو التوصيف الحقيقي لدور دولة تخلت عن عمقها العربي، وسقطت في فخ التنصل من قضية كانت ولاتزال محور اهتمام الشعوب العربية والإسلامة، بداعي ارتباطها باتفاقيات سلام مع عدو لا يعرف للسلام معنى، ولا يعير لأصدقائه أدنى قيمة عندما يتعلق الأمر بمصالحه الاستعمارية وأهدافه التوسعية.