-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النقاط الميتة والتوازن القاتل

عمار يزلي
  • 42
  • 0
النقاط الميتة والتوازن القاتل

من دلائل الأزمات التي تتربص بالديمقراطيات الغربية، سواء في أوروبا أو أمريكا، ومن بينهم دويلة الكيان، حالة الاستقطاب السياسي، الحاد أحيانا. هذه الوضعيات السياسية التي كنا نشهدها من حين لآخر عبر تجارب غربية، وكانت “تُحلّ” مؤقتا، بما سماه وقتها الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران “الاضطرار إلى التعايش”، لم تعد مجدية اليوم في كثير من الحالات أيضا: صار التعايش في بعض التجارب غير ممكن ومنغِّصا للحياة السياسية ومعمّقا للتوتر والاستقطاب الحاد بين المعارضة والأحزاب الائتلافية الحاكمة. لقد انتهى عصر القوى الكبرى المهينة والقوى الناشئة المعارضة، ولم يعد بإمكان أي حزب أن يحكم وحده.

تجارب الائتلافات تبدو اليوم نمطا تحالفيا ظرفيا، وتجارة سياسية رائجة في ظرف هائج: عندما لا تفلح قوة سياسية في الفوز بالأغلبية المطلقة، تضطر عمليا، وأحينا بطريقة ماكرة وخادعة أو حتى خبيثة للدخول في ائتلاف يبدو تحالفا، مع أنها مجرد استراتيجية لقطع الطريق أمام الخصم اللدود، الذي يكون هو الآخر قد جمع أشتات الكويكبات السياسية القريبة منه سياسيا، وبالطريقة ذاتها: تعهدات بمناصب ومقاعد وزارية، حتى هذه، يجري الاختلاف بشأنها: المقاعد السيادية، والوزارات الثقيلة أو الاستراتيجية. ما يحدث في هذه الحالة السياسية التي يمكن التعبير عنها بحالة علبة السرعة في “نقطة الصفر”، “نقطة الموت”، هي تجارة المقاعد، بيع وشراء للمواقف، مناورات ودسائس، بالمحصلة، تَعطُّلٌ للبلد، وجمود سياسي، وإخفاق في التقدم نحو الأمام: والمثل الفرنسي يقول: “من لا يتقدم، يتأخر”. هكذا أيضا تكون حالة حركة السيارة في وضعية “النقطة الميتة”: تدور في الفراغ، في حالة ثبات، لا تتقدم ولا تتأخر، وهنا أيضا، يثبت القول أن “الثبات يعني التأخر” أيضا. وضعية الثبات مضيعة للوقت وهدر للطاقة بلا فائدة، ومولدة لحالة تجاذبات تنتهي باصطفاف، وفوضى شعبية، تُنكِر على الحكومة والدولة وضعية الجمود هذه، والتي من شأنها أن تولد الأزمات، وغلق المؤسسات وانخفاض في الإنتاج وأزمات من كل نوع، من بينها ارتفاع الأسعار وانكماش سوق العمل، ونمو ظاهرة العنف، والسرقات والاعتداءات والإقبال على الادخار وسحب الأموال من البنوك وخلق حالة من الاختلال والاختناق التي تؤدي إلى اضطرابات داخلية وأحيانا إلى شبه حروب أهلية.

هذه هي وضعية كثير من دول الديمقراطيات الغربية اليوم: ليس هناك حسم قوة على حساب قوة أخرى، والتي من شأنها أن تدفع نحو التقدم إلى الأمام والخروج من دائرة الثبات والدوران في الفراغ.

في وجود قوى كبرى، يجري التغيير المبرمج، لكن في غياب قوة قادرة على إحداث التغيير المدروس، تحدث انتكاسة تدفع إلى الفوضى والتمزق والاضطراب المؤدي إلى تغيير فوضوي، غالبا ما يكون شديد المفعول على التنمية الاقتصادية لجيل أو أكثر.

دلائل الأزمات كثيرة، والمؤشرات أكثر، لكن نهاية الثلاثينيات من هذا القرن، تنذر بحالة ترقب لما يحدث في هذه البلدان، لاسيما الكيان، بعد حالة الاستقطاب غير المحسوم، والذي قد يجيّش الشارع. عمليا، هذا الوضع، وضع رابح لأصحاب الأرض ومن عاشوا ويلات الاحتلال، فكل الأطراف في هذا الكيان، تعمل وتمجّد الاحتلال والعدوان، ولا أحد أشفق منهم من الآخر على دم الفلسطيني وأرض فلسطين وزيتون فلسطين، فالكل يتهافت لخنق “شعب الأرض المحتار”، على اعتبار أنهم “شعب الله المختار”، لكن وضعية الانسداد هذه، هي بؤرة الموت التي يخشاها الجميع، ولكن الكل يعمل من دون إدراك، أو حتى بإدراك أنهم ذاهبون نحن الهلاك من خلال حالة الانسداد والتضييق هذه. هذا قد يحصل في أمريكا أيضا وفي فرنسا وغيرهما والقائمة قد تطول.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!