الهروب أعطيناك عهدا.. فاشهدوا؟!
الأبطال الذين أقسموا بالنازلات الماحقات ورووا ساحة الشرف بالدماء الزاكيات وعزفوا نغمة الرشاش لحنا في الجبال الشامخات؛ فبصموا على أعظم ثورة في تاريخ البشرية في الفاتح نوفمبر 1954، لم يحرّروا البلد من المستعمر الفرنسي الغاشم كي يمارس أبناء الاستقلال ظاهرة الهروب فرادى وجماعات إلى أوطان أخرى، بحثا عن حياة أفضل وغد مشرق، بل ليبقوا فيه آمنين مطمئنين، منتفعين بخيراته ومزهوين بنجاحاته!
لكن هيهات! لقد ارتمى الجيل الحالي في أحضان اليأس ولم تعد الألسن تردّد سوى خطاب التشاؤم وتوزعه على نطاق واسع، بعد ما أوصدت كل الأبواب، وتقلّصت مساحات الأمل في الأفئدة، التي غدت كئيبة مستسلمة لواقع مرير صنعه أشباه المسؤولين والمنتخبين، الذين لم يكونوا في حجم أمانة ثقيلة اسمها إدارة شؤون الرعية؛ فعاثوا في القطاعات التي أداروها فسادا، موسعين بذلك دائرة الإحباط واليأس لدى ساكنة هذا البلد.
الخطاب السياسي الهزيل الذي سقط في فخ الوعود الكاذبة وأحيانا المستحيلة أفقد مكونات المجتمع الثقة في القائمين على إدارة شؤونها، وأدى إلى تمييع المشهد السياسي ومعه العملية الانتخابية برمتها، التي أضحت مجرّد مواعيد ينتظرها الشعب كل خمس سنوات، ليسمع الوعود ذاتها والخطابات القديمة المتجدّدة، المستنسخة بحبر الأكاذيب المغلفة بالوعود المستحيلة، التي أبت إلا أن تحافظ على رتابتها وانحدارها، في مجتمع لم يعد يؤمن بشيء وفقد الثقة في كل شيء!
في الوقت الذي كان يتحدث فيه الأمين العام لجبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس عن مرشح الرئاسيات المقبلة، الذي لن يخرج إلا من عباءة الحزب العتيد على حدّ قوله، كان العشرات من اليائسين يتزاحمون على شواطئ الوطن ليقلعوا في رحلات عبر قوارب للموت، تشقُّ بهم عباب البحر نحو الجنة الموعودة أوروبا، مستحضرين الشعار القديم المتجدّد: “ياكلني الحوت وما يكلنيش الدود”. وفعلا، تحولت جثث كثير منهم إلى لقمة سائغة للحيتان، في حين كُتب على الناجين منهم الإقامة في محتشدات سميت بهتانا مراكز لتجميع المهاجرين السريين، في وضعية غير إنسانية ولا تمت بصلة إلى الكرامة البشرية.
قبل أن يخبرنا ولد عبّاس أنه درس مع المستشارة الألمانية إنجيلا ماركل في جامعة “ليبزغ”، سبقه الآلاف من الطلبة إلى المركز الثقافي الفرنسي بالجزائر العاصمة، لاجتياز اختبار اللغة والظفر بتأشيرة نحو البلد الذي استعمرنا قرنا و32 سنة. هؤلاء الطلاب أيضا، أرادوا أن يقولوا لولد عباس إنهم يرغبون في الدراسة بالجامعات الفرنسية، وربما يحالفهم الحظ أن يتقاسموا مقاعد الدراسة مع أحد المحظوظين الذي سيكون يوما ما رئيس حكومة أو رئيسا لفرنسا لاحقا.
هؤلاء الطلبة يريدون الهروب بطريقة حضارية، حتى ولو كان هدف كثير منهم تحسين مستواهم التعليمي وتلقي تكوين عال يضمن لهم منصب عمل محترم وينقذهم من براثن الفاقة والغبن، لكن الصورة التي صنعوها عبر تلك الطوابير المكتظة أمام مبنى المركز الثقافي الفرنسي، عشية الاحتفال بالذكرى الثالثة والستين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، أثلجت صدور الساسة وصناع القرار في باريس، الذين صدحت حناجرهم بعبارة واحدة: “الفرنسية بخير في الجزائر”.
وباختصار، فإنّ اليائسين في هذا الوطن قطعوا عهدا على أنفسهم بهجران مرابع الصبا وقلوبهم تخفق بحبّها، ولسان حالهم يقول: “الهروب أعطيناك عهدا.. فاشهدوا”. فما أقسى الهروب في اليوم الذي أعلن فيه الثوار البقاء وطرد الاستدمار!