-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الهروب أعطيناك عهدا.. فاشهدوا؟!

محمد حمادي
  • 4337
  • 9
الهروب أعطيناك عهدا.. فاشهدوا؟!

الأبطال الذين أقسموا بالنازلات الماحقات ورووا ساحة الشرف بالدماء الزاكيات وعزفوا نغمة الرشاش لحنا في الجبال الشامخات؛ فبصموا على أعظم ثورة في تاريخ البشرية في الفاتح نوفمبر 1954، لم يحرّروا البلد من المستعمر الفرنسي الغاشم كي يمارس أبناء الاستقلال ظاهرة الهروب فرادى وجماعات إلى أوطان أخرى، بحثا عن حياة أفضل وغد مشرق، بل ليبقوا فيه آمنين مطمئنين، منتفعين بخيراته ومزهوين بنجاحاته!

لكن هيهات! لقد ارتمى الجيل الحالي في أحضان اليأس ولم تعد الألسن تردّد سوى خطاب التشاؤم وتوزعه على نطاق واسع، بعد ما أوصدت كل الأبواب، وتقلّصت مساحات الأمل في الأفئدة، التي غدت كئيبة مستسلمة لواقع مرير صنعه أشباه المسؤولين والمنتخبين، الذين لم يكونوا في حجم أمانة ثقيلة اسمها إدارة شؤون الرعية؛ فعاثوا في القطاعات التي أداروها فسادا، موسعين بذلك دائرة الإحباط واليأس لدى ساكنة هذا البلد.  

الخطاب السياسي الهزيل الذي سقط في فخ الوعود الكاذبة وأحيانا المستحيلة أفقد مكونات المجتمع الثقة في القائمين على إدارة شؤونها، وأدى إلى تمييع المشهد السياسي ومعه العملية الانتخابية برمتها، التي أضحت مجرّد مواعيد ينتظرها الشعب كل خمس سنوات، ليسمع الوعود ذاتها والخطابات القديمة المتجدّدة، المستنسخة بحبر الأكاذيب المغلفة بالوعود المستحيلة، التي أبت إلا أن تحافظ على رتابتها وانحدارها، في مجتمع لم يعد يؤمن بشيء وفقد الثقة في كل شيء!

في الوقت الذي كان يتحدث فيه الأمين العام لجبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس عن مرشح الرئاسيات المقبلة، الذي لن يخرج إلا من عباءة الحزب العتيد على حدّ قوله، كان العشرات من اليائسين يتزاحمون على شواطئ الوطن ليقلعوا في رحلات عبر قوارب للموت، تشقُّ بهم عباب البحر نحو الجنة الموعودة أوروبا، مستحضرين الشعار القديم المتجدّد: “ياكلني الحوت وما يكلنيش الدود”. وفعلا، تحولت جثث كثير منهم إلى لقمة سائغة للحيتان، في حين كُتب على الناجين منهم الإقامة في محتشدات سميت بهتانا مراكز لتجميع المهاجرين السريين، في وضعية غير إنسانية ولا تمت بصلة إلى الكرامة البشرية.

قبل أن يخبرنا ولد عبّاس أنه درس مع المستشارة الألمانية إنجيلا ماركل في جامعة “ليبزغ”، سبقه الآلاف من الطلبة إلى المركز الثقافي الفرنسي بالجزائر العاصمة، لاجتياز اختبار اللغة والظفر بتأشيرة نحو البلد الذي استعمرنا قرنا و32 سنة. هؤلاء الطلاب أيضا، أرادوا أن يقولوا لولد عباس إنهم يرغبون في الدراسة بالجامعات الفرنسية، وربما يحالفهم الحظ أن يتقاسموا مقاعد الدراسة مع أحد المحظوظين الذي سيكون يوما ما رئيس حكومة أو رئيسا لفرنسا لاحقا.

هؤلاء الطلبة يريدون الهروب بطريقة حضارية، حتى ولو كان هدف كثير منهم تحسين مستواهم التعليمي وتلقي تكوين عال يضمن لهم منصب عمل محترم وينقذهم من براثن الفاقة والغبن، لكن الصورة التي صنعوها عبر تلك الطوابير المكتظة أمام مبنى المركز الثقافي الفرنسي، عشية الاحتفال بالذكرى الثالثة والستين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، أثلجت صدور الساسة وصناع القرار في باريس، الذين صدحت حناجرهم بعبارة واحدة: “الفرنسية بخير في الجزائر”.

وباختصار، فإنّ اليائسين في هذا الوطن قطعوا عهدا على أنفسهم بهجران مرابع الصبا وقلوبهم تخفق بحبّها، ولسان حالهم يقول: “الهروب أعطيناك عهدا.. فاشهدوا”. فما أقسى الهروب في اليوم الذي أعلن فيه الثوار البقاء وطرد الاستدمار!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • بدون اسم

    وش راك تخلط
    رانا نهدروا على الفساد و هروب الشباب
    و انت تهدر على الفرنسية و العربية
    فرنسا احتلتنا 132 سنة نفتخر باننا نجيد لغتها و العربية لدينا منها عقدة
    و الله تجي تفهم تحير

  • الهاشمي

    إنها اللعنة تطارق كل مسؤول في هذا البلد العزيز الذي ضحى من أجله المليون ونصف المليون وقدموا ارواحهم رخيصة من اجل ان يعيش ابناءهم في كنف الحرية والكرامة والعزة ولكن هيهات هيهات....ضاع الحلم وثبثت خيانة امانة الشهداء ..وهاهي طوابير الفرار الى فرنسا والى مختلف البدان الاوروبية بمختلف الطرق المشينة(الحرقة) لخير دليل على ذلك....

  • صالح بوقدير

    هو فرّ ثم كرّ
    لاخوف على الذين يفرون لطلب العلم في فرنسا أوغيرهابعد أن أصبحت الجامعات الجزائرية قاحلة لا تلبي طلبا ولا تحيي عقلا ف"طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" ولن يستفاد من الكون الذي سخره الله للإنسان إلا بالعلم فما أحوج الأمةالى التسلح به والاغتراف من معينه الذي لاينضب والاستزادةمنه والاستثمارفيه فهو الذي يحيي العقل وينوره ويستأصل الدجل وينزع الوجل ويكشف الغمة عن الأمةبعد الإستعانة بالله على دحر الخائنين فويل لكل أفاك أثيم نهّال ختال قتال من كرهم بعد فرهم ويرحم الله من حرروا هذا الوطن

  • الجاهل/الأمازيغي القح

    ***السلام عليكم.في الوقت الذي يتزاحم فيه شبابنا المثقف على أبواب المركز الثقافي الفرنسي تحت أعين مسؤولينا ينتشر فيه الشباب الإفريقي المتعدد الجنسيات في كل بلدة و بليدة و ربما كل دشرة تحت أعين مسؤولينا، لا يمنع هذا و ذاك و يساوونهم في حق التحرك و التبرك ،بل و يفضلون الأجنبي (الإفريقي)لأكل خبز الدار ويدفعون بالشباب إلى الأجنبي (الأروبي) لإذلاله و يعتزون بالإفريقي.كأن الطرفين مشتركان في دم الشهداء و جهد المجاهدين.***السلام عليكم.

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا ..
    .. هنا نتوقف ! لي- يهمنا "التوقيت " - أو رونديفو لاشان -
    لي- جـااا أو تزامن مع حلول الذكرى النوفمبرية العظيمة ،
    ربي يرحم الشهداء
    وشكرا

  • نصيرة/بومرداس

    الهربة هي الحل لاننا نعيش الغربة في وطننا...لان الشعب فقد الامل في العمل في العلاج ...في الحياة الكريمة ...اخشى ان ياتي يوم وتصبح هذه البلاد خالية من سكانها نتيجة الهربة الجماعية.

  • عبدالقادر

    الشباب الهارب لم يلقى الرعايةالجيدةوالتربيةالسليمةوالتعليم الصحيح والوطنيةالقويمةوالحكم الراش..حتى لايفكرفي لهجرةكماهجر قبله من قاموا بالثورة كما تقولون وكانوامن قادتهافي الخارج وفي فرنس بالذات. المسبب في هذه الكارثةليس الشباب ولايلام لانه راى بان ليس له امل للتقدم للامام في هذه البلادوان كل الافق داكنةالظلام امامه بسبب الفسادالذي انتشرلسوءالحكم في الجزائر.فالشباب ونحن معهم ابناءالشعب واعون بان من بظلمناهم ابناءجلدتنامن ابناءشعبناوليس مستعمرين اجانب لهذا فضل الصبراوهروب ولاالمشاركةفي خراب الديار

  • عبد الحق صبيان

    هل من منقذ لهذا البلد من الطغمة الاستعمارية الجديدة اولئك الجهلة والخونة و تابعي تبع
    لقد كرهتم العباد في بلدهم ألا تستحوا من جهل برلمانييكم ووزارائكم الذين لم يقرأوا كتابا في حيانهم .
    الهاربون لهم مبرراتهم إذ لا يعقل أن يرضى جامعي بأن يحكمه جاهل .

  • يحياوي

    السلام عليكم بعض المثقفين المعربين أحد أسباب الأزمة حياتهم مبنية على التزلف والتملق لصنّاع القرار ولو ذهبت للجامعات فتجد كليات الأداب والعلوم الإنسانية اكثرها فسادا والدليل على ذلك مسابقات الدكتوراه والماجستير وأحيانا التوظيف ،والمعارضة تجدها في الجهة المقابلة الفرانكوفونيين، فلاحظ الشباب هذا التناقض الصارخ ، أتباع فرنسا اقلهم فسادا واكثرهم معارضة رغم فقدهم للسانهم العربي الأصيل، وأبناء الجزائر المعربون أكثرهم فسادهم وأقلهم معارضة ، ففعلوا كما فعلت الحركات البربرية اختارت الطريق الثالث.