اليمن الشقيّة
في الركن الجنوبي الغربي لما كان يسمى شبه الجزيرة العربية، التي كانت حينا من الدهر عربية الوجه واليد واللسان والأخلاق؛ توجد منطقة اليمن التي كانت في فترة من التاريخ تسمى “سبأ”، التي خلّدها القرآن الكريم بحمل إحدى سوره اسمها، ووصفها بأنها “بلدة طيبة”، ذات جنتين عن يمين وشمال، ولكن أهلها كفروا نعم الله، فأرسل عليهم سيل العرم، وأبدلهم بجنّتيهم جنّتين “ذواتي اكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل”، وبلغ من سفاهتهم أن دعوا على أنفسهم، “فقالوا ربّنا باعد بين أسفارنا”، ومن سفاهة بعضهم اليوم- اقتلاع شجر “البن”، وغرس نبتة “القات”، وهي ذات تأثير سيئ على الصحة ومنظر قبيح، ولا أسوأ ولا أقبح منها إلا ما ابتُلينا به نحن الجزائريين من هذه النبتة الخبيثة المسماة “الشّمّة”، التي يغرسها بعض سفهائنا بعد أن يقتلعوا الطيب من المغروسات.
وفي مرحلة من مراحل التاريخ حكمتهم بلقيس، امرأة كانت أرجح عقلا، وأنضج فكرا، وأبعد نظرا، وأزكى نفسا من قومها الذين كانوا يسجدون للشمس من دون الله، ومن هذه “الأصنام البشرية” التي تسلطت اليوم على الأمة العربية، فراحت– هذه الأصنام– تطاول في الآجال، ظنا منها أنها ستخلد في الحكم، سمّاعة للأعداء، وللشيطان، وللأهواء.
لقد جاء طائر الهدهد بخبرها إلى نبي الله سليمان– عليه السلام– فأرسل إليها كتابا يدعوها وقومها إلى الإسلام، فجمعت الملأ من قومها، ولم تقل لهم: “ما أريكم إلاّ ما أرى” كما يفعل “أصنامنا” اليوم؛ بل قالت لهم: “ما كنتُ قاطعة أمرا حتى تشهدون“، فمنحوها حرية التصرف مع استعدادهم لتنفيذ ما تأمر به، فهم– كما قالوا– “أولو قوة” وأولو بأس شديد“..
فكرت بلقيس وقدّرت فرأت أن “ترشُو” سليمان– عليه السلام– حيث ظنّته “قابلا للرشوة والفساد” كأغلب الحكام قديما وحديثا، فبعثت إليه بـ “هدية” شراء لذمته، واستنزالا لهمته، واختبارا لرجولته.. وحسبته من أشباه الذكور الذين يسيل لعابهم، وتزيغ أبصارهم، وتمتد أيديهم إلى هذه “السّفاهات“، فكان رده ردا رجوليا شريفا، نظيفا، عفيفا: “أتّمدّونني بمال، فما آتاني الله خير مما آتاكم..”، فأنتم أشبه بالأطفال إذ “بهديتكم تفرحون“، ولم يقل ردّها عن رده، إذ كانت حرة، كريمة، فقالت: “ربّ إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين“.
وجاء الإسلام فدخل أهل اليمن– بعدما تبين لهم الرشد من الغي– في دين الله، وسبحوا بحمد ربهم، واستغفروه، وقد شهد لهم رسول الله– صلى الله عليه وسلم– بالإيمان والحكمة فـ “الإيمان يمان، والحكمة يمانية“.
وبقوا كذلك ما استمسكوا بالعروة الوثقى، واهتدوا بالنورين– القرآن والسنة– فإذا وسوس لهم الشيطان، ونزغ بينهم، وألقى بينهم العداوة والبغضاد رجعوا “كفارا” يضرب بعضهم رقاب بعض، وخربوا بيوتهم بأيدهيم، وبأيدي “المسلمين” وغير المسلمين، فلا ترى إلا أغربة سوداء على دمن، وووجوها غبراء، وأجساما هزلى.. وخرابا شاملا..
من أسوإ عهود اليمن هذا العهد المعاصر، سواء في فترته “الإمامية” أم في فترته “الجمهورية“، وقد لخصه الإمام الإبراهيمي في قوله: “واليمن السعيدة شقية بأمرائها مقتولة بسيوفها (1)، حيث– كما يقول– “أضنى (عليها) الزمن فأبدلها صابا بمنّ (2)، (و) سموها “السعيدة فشقيت بمن ولدت، وما سعدوا وما سعدت (2)”.
لقد ابتُليت حديثا بشخص يحمل أسماء كلها من أسماء الأضداد، لم يصدق منها إلا لفظ “عبد” ولكنه ليس لله؛ ولكن لأهوائه كأنه جسد قوله تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه“، أما الصلاح المنسوب إليه فهو “صالح” على مذهب المنافقين، الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون“، وقد حذره اللّه– عز وجل– بما وقع له من “حرق وجهه” ولكنه لم يحذر ولم يعتبر، وحيل بينه وبين قلبه، وأبى إلا أن يكون على قومه كأشقى ثمود، متحالفا مع من سبق له أن حاربهم، زاعمين أنهم “أنصار الله“، وما هم إلا كمن يراءون الناس، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
الهلم إن علمت– وأنت علام الغيوب– أننا ليسنا أهلا لدينك فاستبدل بنا قوما غيرنا، ينصرونك وينصرون دينك، ولا يسوّدون وجه نبيك– عليه الصلاة والسلام– فأنت على كل شيء قدير.
—-
1) البصائر. في 16 / 7 / 1951.
2) البصائر. في 21 / 3 / 1949.