انتصار المعارضة للعهدة الرابعة
لست متأكدا من حاجة دعاة العهدة الرابعة إلى تكثيف حملة الترويج لصاحبهم، مع غياب منافس يخشى منه، من بين من بادر حتى الآن إلى الترشح من أقطاب المعارضة، ومع حالة التخشب التي سقطت فيها تشكيلات وقيادات المعارضة، والرعاش الحميد عند ثلاثة من أبرز من ترشح حتى الآن.
منطق السياسة كان يفترض أن تسعد المعارضة بفشل النظام حتى الآن في تصنيع خليفة مقبول للرئيس، واضطراره إلى الاستنجاد بالرئيس مجددا كمنقذ للنظام وللحاشية المستفيدة.
فالمعارضة سوف تكون، في حال ترشح الرئيس، أمام رئيس مثقل بحصيلة من ثلاث عهدات، فيها الكثير من المثالب، والنقائص، والأخطاء، وسوء تسيير المال العام، وافتراسه بالفساد، فضلا عن حصيلته السياسية المروعة، التي نجح فيها في تفكيك الحياة السياسية وتسطيحها، وفشل أو امتنع عن صناعة بديل يجدد مكونات المشهد.
ثم إن ترشح الرئيس – إن حصل – سوف يوفر فرصا كثيرة لمن يريد ان يتقوت على أخطاء الآخرين وفشلهم، بدل منافستهم بالبديل المبدع المقنع، وبإغراء الناخب بحلول مبتكرة لأمهات مشاكل البلد، يأتي على رأسها تحجيم الفساد المستشري في جسد الدولة، المنتقلة عدواه إلى المجتمع برمته.
إلى ذلك، سوف تجد المعارضة نفسها أمام رئيس، قد اثقله مرور السنين، وألزمه المرض حمية تمنعه من النشاط السياسي التقليدي، وقد استنزفت السلطة ذخيرته النفسية والمعنوية، وهو فوق ذلك في حالة إشباع من جهة شهوة السلطة وإغراءاتها، المحفزة دائما على القتال بشراسة.
لأجل هذا وغيره، قد يكون ترشيح الرئيس – الذي ما زلت أستبعده – هو أفضل فرصة ممكنة تتاح للمعارضة منذ بداية العمل بالتعددية، حتى وإن كانت مخاوفها من إدارة الاستحقاق القادم بأدوات التزوير مشروعة ومبررة، لكنها لن تكون العامل الحاسم، إن هي استطاعت التوصل إلى تحقيق إجماع حول شخصية أو اثنتين، تتجند حولهما، وتسندهما بحملة مكثفة وذكية، تراهن فيها على عقل المواطن وتطلعاته، وليس على خطاب التدليس، والدجل بوعود كاذبة، أو التستر على العجز بالتهويل من أساليب التزوير.
فالمواطن لم يعد يثق في الخطاب المجتر بشأن تزوير المسارات، وقد أثبتت له جبهة الإنقاذ من قبل، في أول استحقاق تشريعي، أنه بوسع المعارضة أن تمنع التزوير مع توفر شرطين: التجنيد في تأطير مكاتب الاقتراع، والحق في استلام محاضر الفرز، اللذين سمحا وقتها لجبهة الإنقاذ بإعلان نتائج الدور الأول ساعات قبل أن تتوفر لوزارة الداخلية.
منطق السياسة يقول مرة أخرى: إن السلطة القائمة أيا كانت، وفي جميع أنظمة الحكم الحديثة والقديمة، سوف تقاتل بشراسة للاحتفاظ بما بين يديها من سلطان، ولا يجوز الرهان على كرمها وسخائها، وهي لن تسهل مهمة خصومها ومنافسيها، إلا إذا كانت قد أصيبت بالخبل والحمق، وليس هذا مطلوبا منها في كل الأحوال، وهذا ما تطالب به المعارضة، وهو محض وهم، لن يتحقق حتى يشيب الغراب، ويبيض الديك، ويبتكر أحدهم طريقة سحرية تسمح للجمل بولوج سم الخياط.