انتصار النهج القويم
لقد كاد أن يكون موقف الجزائر وحيدا في جامعة الدول العربية وهو يتصدى لمحاولات استجلاب قوات الأجانب لضرب سوريا.. كما أن موقف الجزائر كاد يكون وحيدا ضد الاستعانة بطائرات الغرب لتدمير ليبيا. وسابقا كاد يكون موقف الجزائر وحيدا ضد الحرب العراقية الإيرانية وكاد يكون وحيدا ضد التدخل الأمريكي في مشكلة يوغسلافيا.. والأمثلة على هذا كثيرة وذلك يعني بوضوح أنه من غير المسموح في عرف الجزائر التدخل في شؤون الدول وأنه لا بد من تمكين الشعوب من تقرير مصيرها وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال الاستقواء بالأجنبي.
ولعل الموقف الواضح الجلي من القضية الفلسطينية من أكثر المواقف الجزائرية خصوصية. وبتأمله نراه في جبهة الصمود القوية ضد الاختراق الصهيوني وضد التطبيع وضد الإقرار بشرعية وجود الاغتصاب في أرض فلسطين.. وهو مع الشعب الفلسطيني بمنهجية لم يجدها إلا الجزائريون.. وفي هذا الباب لم يقم الجزائريون بدعم الفلسطينيين بالمال والسلاح وميلاد الثورة الفلسطينية وحمايتها من النظام العربي الفاسد فقط بل والأهم من هذا كله أن الثورة الجزائرية وبامتدادها في الساسة والمثقفين والحكام قد أوصلت للشعب الفلسطيني مواثيق غالية، إنها العروة الوثقي التي تحقق الانتصار.
تعود الفلسطينيون على ملاحقات ومماحكات واستفزازات ومعاناة ومطاردات تصدر عن النظام العربي بكل طيفه الأيديولوجي. وكان على الفلسطيني أن يدفع ثمن فلسطينيته كلما نزل إلى واحدة من عواصم العرب وفي أحسن الاحتمالات يقبل الفلسطيني إن هو وقع بالموافقة على وجهة نظر الحاكم أو الحزب الحاكم بخصوص فلسطين.. وكانت أكثر الأحزاب والدول تعلن حبها لفلسطين فيما كانت ولا زالت تعذب الفلسطينيين إلا الجزائر التي فهمت أن الفلسطيني هو القضية وليس من المنطق ادعاء نصرة القضية الفلسطينية والاتجاه بعد ذلك “لحقرة” الفلسطينيين وإهانتهم.
من الجزائر ترى فلسطين بوضوح كما لا تراها من أي عاصمة.. هنا في الجزائر قدمت الثورة دروسا عظيمة أولها أن الفلسطيني مهما كان ولاؤه فهو صاحب قضية والتعامل معه ينبغي أن لا يكون على لونه الأيديولوجي إنما لكونه فلسطينيا مستهدفا وجوديا من المشروع الصهيوني، والثاني أن فلسطين كتلة واحدة شعبا وأرضا لا يجوز اللعب في هذه المسلمة، والثالث أنه لا ينبغي الميل ذات اليمين أو اليسار إنما الاتجاه المستقيم نحو الهدف فلسطين، والرابع أنه ممنوع أن يتدخل سوانا فينا إنما يتدخل لنا وأن لا نجعل غيرنا مرجعية لنا، والخامس أن لا تتفاوض مع عدوك إلا إن كنت تخيفه في الميدان، والسادس أن الوقوف مع المظلوم ضد الظالم مبدأ، وأن التدخلات الأجنبية في البلدان والشعوب مسألة مرفوضة.. والسابع أن لا توضع القضية رهينة اجتهاد أو جهة بل البحث عن كل من يساند من أي جهة كان.. هذه أهم الدروس التي تجعل فلسطين قريبة من الجزائر وهذا أهم الدروس التي منحتها الجزائر الثورة العظيمة الرائدة الفذة.
ولهذا كان هذا الخط خط التحرر من ربقة الاستعمار ورفض التدخل الأجنبي منتصرا رغم قلة المناصرين من الأنظمة في الوطن العربي وهو صحيح وناجع وهو بلا شك يحمي الجزائر من الفوضى ويحرسها من الاختراق.