انتفاضة التحرير من الاحتلال والوصايات
هي الانتفاضة الثالثة المرجوة، وقد دخلت أسبوعها الثالث بحصيلة من القتلى الصهاينة، والشهداء الفلسطينيين، فاقت حصيلة الشهور الأولى من الانتفاضة الأم، وقد بدأت بـ”بروفة” أوّلية لها منذ شهور، بتكرار حوادث استهداف المستوطنين الصهاينة بعمليات الدهس والطعن، لتكون هي العلامة المميزة في مطلع هذه الانتفاضة.
الحصيلة ليست هي الأهمّ، في زمن لم يعد العرب والمسلمون، ولا المجموعة الدولية، يلتفتون فيه إلى مئات القتلى الذين يسقطون يوميا في العراق وسورية واليمن، وقد تتحول الإنتفاضة سريعا إلى مواجهة مفتوحة، ينتقل فيها الفلسطينيون من الحجارة والسكاكين، إلى الدفاع عن النفس بما يتيسّر من وسائل المقاومة المسلحة، وليست الضفة أكثر عزلة وإغلاقا من غزة، ولن يعدم الفلسطينيون الوسيلة لتطوير الانتفاضة إلى مقاومة مسلحة، لن تكون أمرا منكرا في محيط عربي غارق في الدماء.
الأهمّ هو ما ستحدثه الانتفاضة في نفوس الصهاينة وحلفائهم، وقد ظنوا أن فلسطينيي القدس والضفة قد دجّنهم مسار أوسلو، وقيّدهم التنسيق الأمني، وأشغلتهم برامج الرباعية بمتاع الدنيا، وقد بدا الصهاينة باستشراف مآلات هذه الانتفاضة على أكثر من مستوى:
الأول : أن الانتفاضة سوف تفرض على الكيان مراجعة خططٍ كان قد بدأ يستشرفها لما بعد تفكيك دول الطوق، أو إشغالها بحروب أهلية مدمّرة، وسوف تحرمه الانتفاضة من استثمار الخراب الذي يساهم فيه الكيان وحلفاؤه من العرب، والعجم، والعلوج في الشام، وتنتهي أسطورة كان قد بدأ الكيان يسوّقها عن “إسرائيل البلد الشرق أوسطي الوحيد المستقر الآمن“.
الثاني: أن الانتفاضة سوف تفرض عليه ـ مع تصاعد وتيرتها ـ تصعيدا لأساليب القمع والقتل، التي تجعله شريكا للأسد وملالي طهران وحزب الله، وميليشيات الحشد، وتنظيمات داعش والنصرة، ومن يقتل العرب والمسلمين اليوم من البر، والبحر، والسماء: من الروس، والأمريكان، والفرنسيين، والإنجليز، بما يذكّر العالم من جديد، أنه لن يفيده كثيرا تدميرُ دول الطوق لتأمين دويلة الكيان، مادام على وجه الأرض شعبٌ فلسطيني يرفض اغتصاب أرضه بقرار أممي، وباحتلال واستيطان تدعمهما القوى العظمى من الشرق والغرب.
الثالثة: أن الانتفاضة سوف تقوّض أكثر من عقدين من الدجل على الشعب الفلسطيني ـ بتواطؤ من بعض نخبه ـ عبر “مسار أوسلو” الذي قبر نهائيا، وليس في جعبة الكيان وحلفائه بديلٌ قد يغري النخب الفلسطينية على العودة إلى ترجيح السياسة والدبلوماسية على المقاومة كخيار لتحرير الأرض.
الرابعة: أن اندلاع انتفاضةٍ ثالثة، في محيط عربي مفكك الأوصال، إن كانت القوى الداعمة فيه للقضية الفلسطينية قد تراجعت، وانخرطت في مسارات ضالة، فقد تراجعت معها في المقابل القوى العربية التي كان يوظفها الكيان وحلفاؤه لتثبيط الفلسطينيين، وقد تحرِّرهم الانتفاضة من وصاية محور “الممانعة” ومساومات محور “الاعتدال” من أشقائهم العرب والعجم.
وحده الشعب الفلسطيني هو من يجب أن يقرر كيف ينبغي له أن يطوّر الانتفاضة إلى حرب تحرير حقيقية، بقيادةٍ وطنية موحدة، وبهدفٍ صريح لا يرضى بأقلّ من تحرير الأرض قبل التفكير في الدولة، وهو وحده من يقرر شرعية وسائل المقاومة، مع عدو مجرم، قاتل الأطفال بامتياز، لا يرقب فيهم إِلاََّ ولا ذمة.