-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

انهيار جاذبية الجامعات الأمريكية

انهيار جاذبية الجامعات الأمريكية
ح. م

عندما ننظر إلى الجامعات الأمريكية ندرك أنها مؤسسات تعليمية بحثية تحولت على مدى قرن من الزمن إلى رمز عالمي للتميّز الأكاديمي والبحثي، وصارت تشكّل مراكز جذب لأذكى العقول وأكثرها طموحًا من كل القارات. فمن هارفارد إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومن ستانفورد إلى بيركلي، نجد الشهادة الجامعية بوابة إلى عالم الابتكار. لكن هذه الحقيقة تُبدي اليوم بعض المعاناة نظرا للتقلبات في السياسة الداخلية للبلاد، وللتشديدات في منح التأشيرات، وتراجع الانفتاح الذي اشتهرت به الولايات المتحدة. ومن ثمّ، بدأت جاذبية جامعاتها تفقد بريقها تدريجيًا، وتحولت الكثير من الأنظار اليوم إلى بلدان أرحب لا سيما في أوروبا وآسيا وكندا وأستراليا. ولا يستبعد المتتبعون أن يتحوّل الأمر إلى نزيف حقيقي في أعداد الطلبة الذين طالما شكلوا رافدا ماليا وبحثيا لا غنى عنه في الولايات المتحدة.

يكشف هذا التراجع، الذي ترصده تقارير موضوعية، عن أزمة أعمق بكثير من الأرقام: أزمة في صورة أمريكا كوجهة تعليمية أولى، وأزمة ثقة في استقرار بيئة أكاديمية كانت تُعتَبر الأكثر حيوية: فهل نحن أمام أزمة عابرة، أم على شَفا منحدر طويل يُعيد رسم خريطة التعليم العالي عالميًا؟

تُعدّ “رابطة المُربِّين الدوليين” (NAFSA) أكبر رابطة مهنية غير ربحية في العالم تُعنى بالتعليم الدولي وتبادل الطلبة والباحثين. تأسست الرابطة سنة 1948 بالولايات المتحدة، وتضم اليوم عشرات الآلاف من الأعضاء من أكثر من 170 دولة. ومصطلح “التعليم الدولي” يعنى مجال تبادل المعرفة والطلبة والأساتذة بين البلدان، وتطوير برامج ومناهج ذات بعد عالمي تؤهل للعمل في بيئات دولية مختلفة.

تقرير الرابطة

خلال صيف هذا العام أصدرت هذه الرابطة تقريرًا بعنوان “توقعات الطلبة الدوليين والتأثير الاقتصادي [في الولايات المتحدة] لخريف 2025″، وتوقعت فيه انخفاضًا حادًا في أعداد الطلبة الدوليين المسجلين بالجامعات والكليات الأمريكية خلال الفصل الدراسي المقبل. ويُقدَّر هذا الانخفاض بنسبة تتراوح بين 30 و 40%، أي بما يقارب 80 ألف طالب دولي مقارنة بالعام الدراسي 2024-2025. وبذلك سيصل إجمالي المسجلين  الوافدين من الخارج إلى نحو مليون و795 ألف طالب، وهو رقم أدنى بـ50 ألفًا مما كان عليه عقب جائحة كورونا سنة 2022-2023.

المثير أن هذا التوقع يتناقض مع تقديرات الرابطة نفسها الذي صدر في مطلع 2025 إذ توقعت آنذاك زيادة طفيفة أو على الأقل استقرارًا في الأرقام. ووفقًا للتقرير المذكور، فإن هذا التراجع سيُؤدي إلى خسائر اقتصادية تبلغ 7 مليارات دولار من أصل 46.1 مليار تمثّل عوائد الطلاب الدوليين الحالية، إضافة إلى فقدان 60 ألف وظيفة.

وهنا يرصد التقرير أربعة أسباب رئيسية لهذا التراجع الكبير في التسجيلات الدولية. أولها تعليق مقابلات التأشيرات الطلابية بين 27 ماي و18 جوان 2025، وهو ذروة موسم إصدار التأشيرات للمعنيين بالدراسة في الولايات المتحدة. وما زاد الأمر تعقيدًا ما ورد من قيود في برقية أرسلها وزير الخارجية إلى سفاراته، ولم تُرفع بعض تلك القيود إلا في 18 جوان. كما أُدخل شرط جديد بفحص حسابات التواصل الاجتماعي للمتقدمين، دون تقديم معايير واضحة أو آليات محددة لهذه العملية، مما أدى إلى بطء في معالجة الطلبات وإرباك لدى الطلاب.

أما السبب الثاني فهو تقليص عدد المقابلات القنصلية المتاحة. على سبيل المثال، يمثّل الطلبة الراغبون في التسجيل من الهند (331602 طالبًا) والصين (277398 طالبًا) نحو نصف مجموع الطلبة الدوليين. وقد واجه هؤلاء، خصوصًا في كبريات المدن الهندية، تأخيرات طويلة وغير منتظمة في ضبط المواعيد، حتى بعد استئناف الخدمات. وفي بعض الحالات تختفي تلك المواعيد خلال ثوانٍ من فتحها، مع إمكانية بلوغ مدة التأخير 60 يومًا. والسبب الثالث هو انخفاض معدلات قبول التأشيرة. والواقع أن هذا الانخفاض بدأ قبل عودة الرئيس ترامب إلى السلطة، لكنه تفاقم مع رجوعه إلى السلطة. وأما السبب الرابع فيتمثل في حظر التأشيرات الذي فرضته إدارة ترامب على 19 دولة من بينها أفغانستان، ليبيا، السودان، اليمن، وإيران. ووفق بيانات الرابطة فإن طلبة هذه الدول يساهمون بنحو 3 مليارات دولار في الاقتصاد الأمريكي ويوفرون 25 ألف وظيفة.

خسائر علمية قبل أن تكون اقتصادية

يحذر المتابعون من أن استمرار هذه الأزمة، خاصة مع الهند، قد يضرب الجامعات الأمريكية في صميم جاذبيتها. ولهذا وجّه 15 نائبًا في الكونغرس نداءً لوزارة الخارجية مطالبين بالإسراع في معالجة المشكل. وتؤكد الأصوات الداعية إلى التحرك أن التأخيرات والرفض في منح التأشيرات يسيئان إلى سمعة الولايات المتحدة على المدى الطويل، في وقت يزداد فيه التنافس عالميًا على استقطاب الطلبة الدوليين. فهذه السمعة –كما يقولون– لا يمكن إعادة بنائها بين عشية وضحاها، بل تتطلب وقتًا وجهودًا لاستعادة الثقة.

وفي هذا السياق، تكشف بيانات منصة أكبر بوابة توجيه تعليمية عبر الإنترنت في العالم “ستاديبورتالز” (Studyportals) التي يوجد مقرّها بهولندا عن انخفاض الاهتمام بالدراسة في الولايات المتحدة بنسبة 52% بين مطلع جانفي 2025 ونهاية جويلية. ويشير الملاحظون إلى أن الخسائر لا تقتصر على البعد المالي، ذلك أن الطلاب الدوليين يشكلون، كما أسلفنا، رافدا للبحث والابتكار في الجامعات الأمريكية، كثير منهم يتحولون لاحقًا إلى باحثين ورواد أعمال داخل السوق الأمريكية. وعليه فإن تراجع أعدادهم يعني تقلصا في إنتاج الأبحاث وتراجعًا في مجالات حيوية، مثل التكنولوجيا والطب والهندسة. ومن تداعيات هذا الوضع احتمال حدوث نزيف في الطاقات البشرية التي كانت ستدفع بالاقتصاد المعرفي إلى الأمام. ولهذا نجد تقارير حديثة للرابطة تحذر من أن هذه الاتجاهات “تخنق النمو”، وتضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة في سباق عالمي محموم على استقطاب الأدمغة.

وفضلا عن ذلك، تُظهر بيانات بوابة “ستاديبورتالز” أن التراجع لا يقتصر على الطلاب الأجانب بل يمتد إلى الطلبة الأمريكيين أنفسهم الذين صاروا يبحثون عن بدائل تعليمية أقل كلفة وأكثر مرونة خارج بلادهم. توحي الأرقام الحالية بأزمة آنية، لكن ثمة مخاوف حقيقية تتعلق بآثارها التراكمية في المستقبل التي تؤدي إلى تآكل الرصيد الرمزي للجامعة الأمريكية وتفتح المجال واسعا أمام منافسين، مثل الصين وكندا وأستراليا وأوروبا.

وهكذا، تبدو أزمة جاذبية الجامعات الأمريكية أبعد بكثير من أن تكون مسألة تأشيرات أو خسائر مالية آنية. إننا أمام تحدٍ يمس بمكانة الولايات المتحدة في سباق المعرفة والابتكار العالمي. فالمليارات التي ستخسرها المؤسسات الأكاديمية يمكن تعويضها بمرور الوقت، لكن الخسارة الحقيقية تكمن في فقدان الأدمغة والطاقات التي كانت ترفع عاليا نشاط مخابر البحث ومراكزه، وتغذي الشركات الناشئة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!