انهيار سعر .. الإنسان؟
الحضارة الفرعونية شُيدت، وعلّت بنيانها وأهراماتها وحنّطت موتاها من دون بترول، والحضارات السومرية والبابلية والإغريقية والرومانية والعربية الإسلامية حققت إنجازات علمية مازلنا نغرف منها لحد الآن، قبل أن يعرف الإنسان ثروة البترول أو غيره من الثروات الباطنية. كل الدول المتطورة في العصر الحديث التي أعلنت ثوراتها الصناعية الكبرى، وانفجارها التكنولوجي، حتى طمعت في أن تنفذ من أقطار السماوات والأرض، لم تعتمد على البترول، بل إن كل الدول العلمية والاقتصادية الكبرى حاليا في العالم، لا تمتلك بترولا، وحتى اندونيسيا التي كانت في فقرها عضوا في أوبيك، عندما افتقدت هذه الثروة، دخلت ضمن العشرين بلدا الأقوى في العالم.
وكل دول منظمة النفط الدولية _ من دون استثناء _ التي منّ عليها الله بالذهب الأسود، غير مصنفة ضمن الدول المتقدمة، بل إن جميعها متخلفة.
اليابان والصين وألمانيا والنمسا وكوريا الجنوبية والهند، جميعها دول متقدمة ولا تمتلك قطرة بترول واحدة، بينما يمكن لأي إنسان، تصنيف الجزائر وليبيا ودول الخليج العربي والمكسيك ونيجيريا التي تسمّى بالنفطية، في الخانة التي تعرفونها ونعرفها.
“البترول”… أجزم بأن لا أحد يعرف معناه، ومن أي لغة مشتقة هاته الكلمة، لأنها بالمختصر المفيد، لم تكن من الأزل ولن تؤول إلى الخلود.
“البترول” غير مذكور في القرآن الكريم، ولا في الأحاديث النبوية الشريفة، ولا في أي كتاب سماوي أو معتقد، ولا في أي ركن شرعي مفروض أو سنة، ولن يكون بالتأكيد ضمن نعم الله في الجنة، ولا في أي فكر وضعي أو علم ومعرفة ضمن معادلات الخوارزمي وانشتاين أو فلسفة نيتشه أو أفكار لينين أو آدم سميث، أو ضمن أطروحات الفائزين بجوائز نوبل، خلال قرون.
يعيش على الكرة الأرضية التي اختصرنا باطنها وسطحها في البترول، حاليا، أكثر من سبعة مليارات نسمة، ستة مليار وتسع مائة وستون مليون نسمة منهم، يعيشون ويمرحون من دون هذا الذي يسمى البترول، ومع ذلك “نكرّر” بأنهم يعيشون ويمرحون.
لا أذكر أننا قرأنا في ملايين الروايات والأساطير ودواوين الشعر من معلقات زهير بن أبي سلمى ورفاقه إلى روائع محمود درويش وأحمد مطر، عن مفردة بأحرف البترول، لا أذكر أن رساما عالميا أو هاو أو كاريكاتيري، رسم لنا بقعة سوداء في إشارة للبترول، لا أذكر أن موسيقارا كلاسيكيا أو من جيل “الراب” و”الراي” ذكر بين نغماته كلمة البترول، وأجزم أن لا أمة من عهد آدم عليه السلام إلى يوم الدين، بنت مشاريعها أو اقتصادها أو حتى قانون ميزانيتها على ما يسمى بالبترول.
شيء واحد مؤكد.. وهو أن بعض الكلمات، ستنقرض عندما لا يصبح لها معنى مع مرور الزمن، وأخرى تبقى للتاريخ أو في متاحف الذاكرة، ومنها الوثنية والتحنيط والعبودية و… و”البترول”.
دعونا نعاود الآن مرة أخرى طرح نفس السؤال.. من الذي انهار سعره؟