باعة “التين الشوكي” يسيطرون على تجارة الطرقات
بعد أن فسح باعة الطرق، المكان لتجارة الذرى الموسمية في الأسابيع الماضية، عاد وبقوة تجار “الهندي” أو التين الشوكي، في الفترة الأخيرة وبالضبط خلال الاسبوع الأول من شهر أوت، حيث لا يخلو طريق وطني ولا ولائي أو فرعي، وحتى في بعض جنبات الطريق السار بولاية ميلة، من باعة الهندي، وكل طفل أو شاب يعرضه بطريقته الخاصة ما بين المُقدم كما هو بقشرته، وما بين من يعرض على زبائنه تقشيره، وبلغ سعر الحبة الواحدة هذا الموسم، ما بين 15 دج و20 دج.
أطفال بين الشمس والشوك
في الطريق الرابط ما بين بلدية تلاغمة بولاية ميلة، وعين اسمارة التابعة لولاية قسنطينة، جلس مجموعة من الأطفال في نفس المكان يعرضون المئات وربما الآلاف من حبات الهندي، تحت شمس لافحة، ولكن بأسعار متباينة ما بين 15 و20 دج، يقول صغيرهم ريان بأن هندي هذه السنة، تم قطفه قبل الموعد، فلهفة البيع سبقت نضجه، ويشرح صديقه نونو، وهو كبيرهم سنا بعد أن قارب العشرين ربيعا العملية بتفصيل ودقة: “في سنوات سابقة كان والدي يمنعني من قطف الهندي إلا بعد أن تتساقط عليه الأمطار، فيقلّ شوكه ويبدو طازجا وشهيا، وتغلب حلاوته لدغات شوكه، ولكن في السنتين الأخيرتين غابت الأمطار، وانتظارها قد يفقدنا تجارتنا الموسمية وقد يسمح للآخرين بقطفه، أنا مثلا أتنقل مع أصدقائي إلى جبل فلتان التابع لجبال شطابة بنواحي ولاية قسنطينة، فقد شاع منذ ما قبل الاستقلال بأن هندي فلتان هو الأطيب، ولا يكاد يحوي على بذور، وقيل بأن الفرنسيين كانوا يصدرونه إلى شمال أوربا كأغلى فاكهة سعرا على الإطلاق في هذه البلاد”.
ويتدخل صديقه رمزي ليكمل الحديث ببراءة عارف بالنبتة الشوكية: “كل الشباب صاروا يعرفون طريقة قطفه بواسطة القصبة الممتدة، ولكن لحد الآن لم نتمكن من تفادي شوك التين الشوكي، نتمنى فعلا تساقط الأمطار لمساعدتنا، ولكن الجفاف فعل فعلته، وجعل قطف الهندي وبيعه من المهن الشاقة جدا وحتى الخطيرة”. رمزي على صغر سنه، وتوقفه عن الدراسة في الخامسة ابتدائي، إلا أنه عدّد لنا فوائد الهندي، أغلبها متعلق بالعظام والعضلات حسب قناعاته.
الغريب أن الهندي وبرغم إجماع الجزائريين على أكله، من بداية أوت إلى غاية نهاية سبتمبر لشهرين متتاليين، أو ربما أكثر، إلا ان تجارته بقيت مقتصرة على أطفال الطرقات، وعلى جوانب الأسواق الشعبية وقرب المساحات الكبرى أو في الشاحنات الصغيرة، بسعر 800 دج لكل مائة حبة حاليا، في فوضى عارمة، ولا يوجد تجار في أسواق مغطاة ومحلات الخضر والفواكه يجلبون هذه الفاكهة التي بقيت خارج مجال التجارة النظامية.
نبتة تعطي ولا تأخذ منا شيئا
يقول نصر الدين بريش وهو من تجار الجملة في سوق وادي العثمانية الجديد للخضر الفواكه بالجملة بولاية ميلة، بأن قرار بعث السد الأخضر الذي لا يعني الصحراء فقط، وإنما أيضا بعض المناطق السهبية القاحلة في تبسة وسوق اهراس وخنشلة وباتنة، من خلال التركيز على نبتة الصبار أو التين الهندي، هو إجراء رائع، سيعيد هذه النبتة بقوة، بعد أن كانت للطبيعة فقط، لا أحد يعطيها الماء ولا أحد يعالج مرضها، خاصة أن الدودة الشوكية أو القرمزية تفعل بها الأفاعيل، وتقتل حباتها بالكامل أحيانا، وحتى مهرجان التين الشوكي الذي كان يقام لهذه الثمرة كل سنة في سوق اهراس، توقف نهائيا.
يقول نصر الدين: “كبار التجارة في السن والخبرة، أخبروني بأن التين الهندي كان يشكل رفقة البرتقال أول سفير ثمري للجزائر خارج الوطن، وأكل الهندي الجزائري كان حلما في أوربا”.
وثمار الهندي لم تعد حبات للأكل فقط، فقد صار يستعمل في الكثير من الأدوية وفي المراهم الصحية والتجميلية ويعتبر حاليا “شامبوان” الهندي أو الصبار، أكثر مبيعا من كل السوائل المستعملة لغسل الشعر، ليس في الجزائر فقط، وإنما في كل بلاد العالم.
ومن خلال تجوالنا ما بين طرقات ولاية ميلة، لاحظنا أنواعا مختلفة من حبات التين الهندي، حسب المنطقة الجبلية أو السهبية، وحسب المناخ الجاف والمتوسط وأيضا في حجم الحبة الواحدة، وطبعا من حيث طعمه، ويبقى المتحدث عنه فقط أطفال صغار في غياب مختصين في هذه النبتة، حيث مازال الحديث عن تحويله إلى صناعة قائمة بذاتها، كما هو الحال في بلاد شمال إفريقيا دون المطلوب، ولا يفهم الجزائريون عدم وجود الهندي في المساحات الكبرى عندنا، وكل من يحط قدماه في متاجر مارسليا وباريس وليون يجده مقشّرا ومعروضا للبيع، في مساحاتها الكبرى.
تصدير التين الشوكي في المتناول
في تونس مثلا توجد أكثر من ستين شركة كبرى تهتم بالاستثمار في ثمار التين الشوكي، وتستخرج منه الزيوت التي تعتبر غنية بالفيتامينات، وما بين هذه الشركات الستين توجد عشرين منها مهتمة بتصدير التين الشوكي، ومشتقاته بنسبة 100 بالمائة، ولا يقل إنتاج زيوت الهندي سنويا عن عشرة آلاف لتر، تحول كلها إلى الأسواق الأوروبية والآسياوية، تؤشر عليه زيوت من بذور التين الشوكي وتدخل للخزينة التونسية ما لا يقل عن خمسة ملايين دولار سنويا.
كما أن مصر تصدر أكثر من أربعة آلاف طن من التين الشوكي، وتجني من تصديره قرابة ثلاثين مليون دولار، وتوجد في مختلف المحافظات المصرية مؤسسات تابعة لوزارة الفلاحة تقوم بتطوير النبتة، ومنها ما تمكنت من بلوغ أقل شوك، في التين الشوكي وهي مصرّة على البقاء في الريادة.
هناك ألقاب قديمة جدا منذ قرابة قرن، عن مختلف أنواع التين الشوكي في الجزائر خاصة في منطقة شرق البلاد، وجميعها تؤكد بأن التين الهندي الجزائري هو الأطيب والأكثر وفرة، ولكن تسويقه والاهتمام به دون مستوى طبيعة نبتته التي تبقى بعيدة عن المنافسة في قلب الأسواق الأوروبية.