بديل التكامل.. أفضل مخرج للمستقبل!
بدل أن نسير باتجاه التكامل، نميل في أغلب الأحيان إلى التنافر، وفي أحسن الأحوال نطمح إلى التداول وفي اعتقادنا أننا أفضل من الآخرين، الأمر الذي مَنَعَنا من الانطلاق نحو عمل موَحَّد يُمكِّننا من الخروج مما نحن فيه مِن مشكلات ومِن تخبُّط في البحث عن حلول لهذه المشكلات…
لعلها خلاصة تبدو لي صحيحة للإجابة عن سؤال كثيرا ما طرحناه: لماذا نتجه باستمرار نحو تشخيص المشكلات ونتمادى أحيانا في توصيف المرض ونعجز على تقديم العلاج أو الحل؟ لماذا يحكمنا منطق احتكار الحقيقة بدل أن يحكُمنا منطق أننا نمتلك جزءا منها فقط، والآخرون لديهم البقية؟ لماذا نسير باستمرار ضمن خطوط متوازية تصر على أن لا تلتقي، بدل أن نسلك خطوطا تسعى للالتقاء في نقطة واحدة هي خدمة الوطن وبنائه؟
يبدو لي أن مشكلتنا وحلّها في ذات الوقت يكمنان هنا. متى سرنا باتجاه العمل التكاملي تمكّنا من اختيار أفضل طريق ومتى بقينا ضمن الحلول التنافرية أو حتى التداولية التي تُفيد ضمنيا، سأفعل بك ما فعلت بي، لن نتقدم خطوة إلى الأمام.
لماذا نتجه باستمرار نحو تشخيص المشكلات ونتمادى أحيانا في توصيف المرض ونعجز على تقديم العلاج أو الحل؟ لماذا يحكُمنا منطق احتكار الحقيقة بدل أن يحكُمنا منطق أننا نمتلك جزءا منها فقط، والآخرون لديهم البقية؟
بدت لي هذه الفكرة صحيحة وأنا أحاور بعض الزملاء في مسألة لِمَ نعجز باستمرار عن إيجاد حلول لمشكلاتنا رغم قدرتنا الكبيرة أحيانا على تشخيصها وفهمها ودراستها من مختلف الأوجه. وتبين لي أن المسألة تتعلق باعتماد ذلك الأسلوب الخاطئ القائم على أنه يمكن ممارسة السياسة أو بناء الوطن بالاتجاه الواحد أو الرأي الغالب حتى، أو بالخيارات التي تراها جهة معينة أنها صحيحة، أو بوجهة نظر مجموعة معينة تعتقد أنها تعرف كيف تُحسِن الاختيار في مختلف المجالات، في حين أن بناء الوطن يحتاج إلى اعتناق فلسفة مخالفة لذلك تماما، تقوم على التكاملية في جميع المجالات والاقتناع بها وممارستها عمليا لا صوريا.
لو أخذنا أكثر الاتجاهات السائدة في الوطن: التاريخيون الذي يُقِيمون سياستهم على الشرعية الثورية، والإسلاميون الذين يرون أن الحلول لن تتم إلا بالعودة للذات الحضارية ولقيم الدين الإسلامي، واللائكيون الذين يعتقدون أن لا حل إلا في اعتماد منطق العصرنة والتخلي عن كل تلك “الخرافات” المتعلقة بالشرعية التاريخية أو التبرير الديني للسلوك، لوجدنا أنننا بمنطق التنافر سنصنع ـ كما حدث لنا في العقود السابقة، دائرة للصراع الأبدي لا تنتهي إلا بالقضاء على طرفين وانتصار أحد الاطراف، وقد حدث ذلك في العشرية السوداء عندما تحالفت الشرعية التاريخية مع اللائكية الرافعة لشعار العصرنة وعملت بكل الوسائل إما على القضاء على الاتجاه الاسلامي الذي كانت تصفه بالتطرف، أو تدجين ذلك الفصيل الآخر منه الذي كانت تصفه بالمعتدل أو القابل للعصرنة.. وكانت النتيجة أن فشلت المحاولتان معا، فلا الاتجاه الأول تمت تصفيته نهائيا ولا الاتجاه الثاني تم تدجينه. ونتج عن ذلك ما نعرفه اليوم من جو انعدام الثقة المانع لتوحيد القوى المختلفة من أجل تحقيق النهضة والتقدم.
وفي جانب آخر لم يشفع منطق التداول الذي رُفع كشعار في فترة من الفترات أو ما سُمّي بالمشاركة في إيجاد المخرج للأزمة التي نعيش من أجل انطلاقة حقيقية نحو المستقبل، وبات شعارا لا يُصدِّقه أحد، حيث احتوى ضمنيا فكرة أكثر من خطيرة تقول: عندما تحين مرحلتي سأتصرف بنفس المنطق الإقصائي الذي تصرفْتَ به من قبل، وسأكون الأوحد في الميدان كما كنتَ أنت، وهو الإحساس الذي ما فتئت تشعر به السلطة الحاكمة، ومازالت، وهي “تشك” في أن تمكينها للآخرين ولو لجزء من الحكم باسم التداول، سيمنحهم الفرصة التامة للقيام بما كانت تقوم به إن لم يكن للانتقام ما فعلته تجاههم.
وهكذا أفرغ مفهوم التداول من محتواه وأصبح مرادفا لانتظار الفرصة لأكراه الآخرين وإقصائهم وتهميشهم وفرض المنطق الواحد إذا ما وصلت إلى المكان الذي كانوا فيه. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحنا لا نُصدِّق أنه سيكون هناك تداول في إطار التكامل، إنما هناك تداول واحد ـ إذا حدث ـ سيكون في نطاق الانتقام والإقصاء.
وهي مشكلة نفسية ـ سياسية أصبحت تعيشها الأطراف الأساسية التي أفرزها المجتمع ولا علاج لها إلا بإرساء منهجية جديدة في تسيير الشأن العام هي منهجية التكامل.. من دون هذه المنهجية ستستمر الصراعات وسيستمر هدر الإمكانيات المُتاحة ولن نضع أقدامنا على الطريق الصحيح للتقدم، وستستمر الأطراف الخارجية المستفيدة من هذه الوضع في تغذية كل ما يُشجع على التنافر أو يطرح شكليا بديل التداول على الحكم المبطن بتبادل السيطرة والمنافع لا القائم على تصحيح الأخطاء والاستفادة من طاقات الجميع…
لذا بدا لي أننا اليوم في مرحلة تحتاج بالفعل إلى الاتفاق على رؤية مشتركة ضمن النظرة التكاملية التي تؤمن بالقدرات الإيجابية لكل اتجاه ولكل فكرة أو فرد في هذا الاتجاه، ذلك أننا اليوم في حاجة إلى أدنى القدرات التي نملك ولا نستطيع الاستغناء على أي جزء من الطاقة التي يختزنها المجتمع.
إني أرى بتعجب كيف أننا لم نتمكن من الوصول إلى استخلاص كل عناصر القدرة من جميع الاتجاهات الصانعة للمجتمع، بل ونتجه نحو استخلاص كافة عناصر الضعف والتشتت التي تزيدنا تيها وبعدا عن الطريق الصحيح.
هل من الصعب أن نتمكن ضمن رؤية وطنية شاملة من الجمع بين ما نراه متناقضا اليوم في إطار واحد يكون في خدمة الصالح العام؟ هل من الصعب اليوم أن نرى في التوجه التاريخي المحافظ القائم على الشرعية التاريخية نقاط قوته التي لا تمتلكها الكثير من الدول والأمم؟ هل من الصعب النظر إلى مواطن قوة الاتجاه الإسلامي بما يحمل من مشروع للعودة إلى الذات وإلى سيادة القيم السامية الروحية وإلى الأصالة الحضارية في مختلف الميادين؟ هل من الصعب النظر إلى تلك العناصر التطورية في مجال بناء الدولة العصرية والتخلي عن تلك الطقوس البالية التي هي نتيجة عصور ما بعد الانحطاط في العالم الإسلامي كما يطرح اللائكيون؟ هل من الصعب إيجاد توليفة نظرية وتطبيقية بين هذه التوجهات الثلاث لصوغ رؤية وطنية متكاملة ومشروع وطني قابل للتطبيق يُجنِّبنا الكثير من الصراعات المحتملة في المستقبل؟
يبدو لي أنه علينا فعل ذلك، وهذا ليس من المثالية ولا الطوباوية ولا اللاّوقعية في شيء، ذلك أنه بإمكاننا أن نتكامل في نطاق التنوع، وبإمكاننا أن نجد صيغة مشتركة بين ما يبدو أنه عناصر متناقضة لطرح البديل الذي كثيرا ما بحثناعنه دون جدوى نتيجة بقائنا باستمرار ضمن تلك النظرة الأحادية التي ترى أن النجاح يكمن في الحكم من وجهة نظر واحدة، وأن التداول يعني انتظار تبدل وجهة النظر السائدة اليوم بوجهة نظر جديدة لم تحكم بعد، أما التكامل فلا سبيل له باعتباره يخرج عن نطاق الواقعية ولا يمكن تحقيقه. وهي نظرة بلا شك خاطئة ينبغي أن تُصحَّح من خلال تعميم نقاش التكامل على أكثر من صعيد وربطه بتلك المفاهيم المتقاربة وإن لم تحمل ذات المعنى مثل التعايش والتسامح والتآخي التي تأخذ في غالب الأحيان صبغة أخلاقية لا علاقة لها بواقعية الطرح وبإمكانية تجسيده في الواقع؟
إننا نكاد نجزم اليوم أننا من بدون أن نسعى في هذا الاتجاه التكاملي، فإن الاتجاه التنافري سيؤدي بنا إلى الصراع لا محالة، والاتجاه التداولي إذا حدث لن يزيد عن استبدال حكم الاتجاه الواحد والرأي الواحد، بآخر من نفس الصنف وإن حمل اسمًا مختلفا عمّا عرفناه في السابق.