برامج الأحقاد
تقول نكتة جزائرية خفيفة الظل، ثقيلة المعنى: أن أربعة رجال من جنسيات مختلفة من بينهم جزائري، سألهم هاتف غيبي عن أمنياتهم حتى يحققها لهم في لمح البصر، فتمنى الأمريكي أن يصعد علماء الفضاء في بلاده إلى كوكب المريخ بعد أن تمكنوا من القمر، فتحقق طلبه، وتمنى الفرنسي أن يلحق علماء بلاده بالأمريكان فتطأ أقدامهم القمر فتحقق أيضا طلبه، وتمنى الزامبي أن يمنح الله لسكان بلاده البشرة البيضاء بدلا عن اللون الإفريقي الأسمر فربما لحقوا بالركب الأبيض فكان ما تمناه، فلما بلغ دور الجزائري تمنى أن يعود اللون الأسود لبشرة الزامبيين ولم يتمن أي حسنة من حسنات الدنيا لنفسه؟
- ما يحدث هذه الأيام من تهافت التهافت على كعكات انتخابية مستقبلية يكاد يجسّد هذه النكتة، ويوحي بأننا مازلنا بعيدين عن أحزاب سياسية تبني نفسها من دون تهديم الآخرين، وتقنع ببرامجها من دون النيل من الآخرين.
- في عام 1991 انتخب بعض الجزائريين لصالح جبهة التحرير الوطني إنتقاما وحقدا على إسلاميي الحزب المحظور، وانتخب جزائريون لصالح الحزب المحظور إنتقاما من حزب عتيد هرِموا به ومنه ولم يهرم، وانتخب جزائريون من منطقة القبائل لصالح جبهة القوى الاشتراكية إنتقاما من سعيد سعدي، وانتخب آخرون لصالح حزب التجمع من أجل الثقافة الديموقراطية انتقاما من آيت احمد، ولم ينتخب كثيرون انتقاما من الجميع.
- هذه الطباع البائسة جعلت من الانتخابات عندنا أشبه بالأسواق الشعبية، مزيج بين الألبسة المستعملة والدجل والضحك على أذقان الناس، حيث “المكاس” صاحب السوق هو الفائز الوحيد من هذه “الزردة”، فما يحدث هذه الأيام في المشهد السياسي المحلي يؤكد أن ما نحن مقبلين عليه في التشريعيات القادمة لن يختلف عن الانتخابات السابقة التي لبست الثوب التعددي شكلا، ولكنها في المضمون لا تقدم أي حركية أو ديموقراطية أو بصيص أمل من المترشحين ومن المنتخبين ومن السلطة، فرؤساء الأحزاب وكلهم من دون استثناء وجوه قديمة، فاقدة للكاريزما الظاهرية، فما بالك بالباطنية، باشروا سفرياتهم وتجمعاتهم من أموال الدولة، وشغّلوا الشريط السابق الذي لا برامج فيه ماعدا انتقاد الآخرين وعدّ عيوبهم، فبلخادم حدثنا عن النسبة التي سيحصل عليها الإسلاميون ولم يحدثنا عن النسبة التي سيحصل عليها حزبه، وبعض الأحزاب الإسلامية تحدثت عن علاقة حزب العمال بالسلطة ولم تحدثنا عن علاقتها بالسلطة، ولويزة حنون تحدثت عن رد فعلها في حال فوز الإسلاميين ولم تتحدث عن رد فعلها في حالة فوز حزبها، ولا أحد من هؤلاء حدّثنا عن البرنامج الذي سيقدمه والاجتهادات الممكنة للقضاء على الصداع الاجتماعي المزمن الذي تعاني منه الجزائر بسبب صمتهم في زمن الحديث، وضجيجهم في زمن الهدوء، ولا أحد حاول أن يقنع الجزائريين ليمارسوا حقهم في الإنتخاب بتقديمهم لرجالات علم وثقة ولو باستقدام علماء الجزائر الكبار من أمثال إلياس زرهوني الذي اقترحت عليه أمريكا الترشح لمجلس شيوخها بعد أن نجح في الرقي بمنظومتها الصحية، أو كمال صنهاجي الذي تمنته فرنسا في برلمانها بعد أن صار أملها في أن ينقذ العالم من مرض السيدا، أو غيرهما من علماء الاقتصاد والاجتماع من الذين هرّبتهم مختلف السياسات ليكون لنا برلمان مستواه أحسن من البرلمانات السابقة والمجالس المحلية التي استوحى منها الممثل عثمان عريوات مشاهد فيلمه كرنفال في دشرة.
- كل الجزائريين مقتنعون بأن الانتخابات القادمة لن تهبّ عليها عواصف التزوير كما سبق وأن حدث، وسيكون لكل حزب ولكل شخص نصيبه الحقيقي من الأصوات من دون تزوير، ولكن كل الجزائريين يشكّون في أن التزوير لن يمسّ نسبة المشاركة؟!