-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بركة الأعمار

سلطان بركاني
  • 982
  • 1
بركة الأعمار

ربّما لو سئل كثير منّا عن أغلى ما يملكون في هذه الدّنيا، بعد دينهم، لقال قائل إنّهم أهله وأولاده، وقال آخر بلسان الحال: إنّه ماله… وهكذا، لكن لعلّ قليلا منّا ينتبهون إلى أنّ أغلى ما يملكون في هذه الدّنيا بعد دينهم هي أعمارهم.. السنوات والأيام التي نعيشها في هذه الدّنيا يفترض أن تكون أغلى ما نملك، ويفترض أن نحرص عليها أكثر من حرصنا على أبنائنا وأموالنا.. أعمارنا قد تكون كنوزا نفرح بها يوم نلقى الله، وقد تكون وبالا وحسرة علينا يوم الوقوف بين يدي قيوم الأرض والسّماوات.

قد يعيش الإنسان في هذه الدّنيا سنين عديدة وعقودا عديدة ويعمّر طويلا، لكنّه يرحل عن هذه الدّنيا كأنّه لم يكن، ولا تمرّ سوى بضعة أيام أو أسابيع حتّى ينساه النّاس ولا يبقى له أثر ولا خبر في دنياهم، بل ربّما يرتاح النّاس منه ويحمدون الله على قبض روحه، وقد يقف هذا العبد بين يدي الله ليسأل عن عمره الطّويل فيمَ أفناه وعن شبابه فيمَ أبلاه فلا يجد جوابا إلا أن يحني رأسه خجلا وحياءً، ويأتيه التقريع الذي يقطّعه حسرة وألما: ((أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ))، أو لم تعش في الدّنيا ستين أو سبعين أو ثمانين سنة، وسمعت الدروس والخطب وعاينت موت الأقارب والأصدقاء والخلان وجاءك نذير الشّيب فما تبت، وجاءك نذير المرض فما ارعويت، حتّى جاءتك سكرة الموت التي كنت منها تحيد؟

قد يعمّر الإنسان في هذه الدنيا ثمانين سنة أو أكثر ويرحل ولم يقدّم شيئا لأمّته ولا لأسرته، بل لم يقدّم شيئا لنفسه، لا لدنياه ولا لآخرته.. يرحل عن الدنيا كما خرج إليها من دون أثر أو زرع.. خطواته إلى الأسواق والمقاهي أكثر من خطواته إلى المساجد، وكلماته في الغيبة واللغو أضعافُ أضعافٍ نصائحه وكلماته في الخير. معظم أوقاته أحرقها في العبث والقيل والقال، وأمواله التي أنفقها في بناء بيوت الله وفي إغاثة الفقراء والمساكين لا تمثل واحدا في المليون من أمواله التي أنفقها في الكماليات وربّما في المحرّمات.. يموت ويترك زوجةً قلبها معلق بالدّنيا والمظاهر، ويخلّف ذرية تائهة حائرة. ربّما يبني لنفسه بيتا ولأبنائه بيوتا ويترك كلّ واحد منهم في وظيفته وبيته، لكنّه يتركهم وقد نشبت العداوات بينهم لأجل الدّنيا، ويتركهم ولا حظّ لهم من قيام ولا صيام ولا صدقة.. في المقابل، ربّما يعيش الإنسان في هذه الدّنيا عمرا قصيرا، لكنّه يكون عمرا مباركا، كلّ يوم من أيامه مثل أيام العشر الأواخر من ذي الحجّة، وكلّ ليلة من لياليه مثل ليلة القدر، له في كلّ خير نصيب وفي كلّ عمل صالح سهم، في كلّ عام يزيد نفعه ويزيد قربه إلى الله.. يرتفع له في كل ليلة من لياليه من الأعمال الصالحة ما لا يرتفع لغيره في شهر كامل.. وقد صدق من قال: “رُبَّ عُمْر اتسعت آماده وقَلَّتْ أمْدادُه، وربَّ عمر قليلةٌ آماده كثيرة أمداده”.

من الناس من يموت ولا يذكره أحد، حتى رفاقه الذين كان يجاملهم على حساب دينه وأسرته ويمنحهم من وقته وماله من دون حساب، ينسونه بعد أن ينفضوا أيديهم من دفنه، وحتى جيرانه يستريحون من أذاه وظلمه وشرّه، بل حتّى أهله ينسون ذكراه بعد مرور أسابيع أو أشهر قليلة، لأنّهم ملّوا من جبينه المقطّب وعتابه اللاذع وخصوماته التي لا تنتهي.. وفي المقابل هناك من النّاس من إذا مات بكته الأرض والسماء والشجر والدواب، وبكاه الفقراء والمساكين وبكته الأرامل واليتامى ولهجت ألسنتهم له بالدّعاء، وبكاه أهل المسجد، وبكاه مكانه الذي كان يصلّي فيه، وبكته طريقه التي كان يحثّ عليها الخطى إلى بيت الله، وبكته سجادته التي كان يقوم عليها الليل.

إنّ من تعاسة العبد أن يطول عمره ولا ينتفع به، ومن سعادة العبد أن يطول عمره ويبارك له فيه ويحسن عمله، عن نفيع بن حارث الثقفي -رضي الله عنه- أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: “من طالَ عمُرهُ وحسُن عملُه”، قال: فأيُّ الناسِ شرّ؟ قال: “من طال عمُرهُ وساء عملُه” (الترمذي). لهذا كان الأوّلون لا يهتمّون كثيرا بطول الأعمار لكنّهم يهتمّون بحلول البركة فيها.. فهذا مثلا صحابيّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- سعد بن معاذ، رضي الله عنه، لم يعش بعد إسلامه غيرَ 6 سنوات، وحين مات وهو في الـ37 من عمره استبشرت به الملائكة ونزل 70 ألف ملك يشيّعونه واهتزّ عرش الرّحمن لوفاته.. وهذا صحابيّ آخر هو معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أعلم الأمّة بالحلال والحرام، بعثه النبي قاضيا ومعلما إلى اليمن ولمَّا يتجاوز الـ28 من عمره، توفي في السّنة الثامنة عشر للهجرة ولمّا يتجاوز الــ36 من عمره.. وهذا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي أحيى سيرة الخلفاء الراشدين وكان العلماء بين يديه كالتلامذة، ورُسم اسمه على صفحات كتب السير بأحرف من ذهب، وكان ولا يزال غرة في جبين الأمّة المسلمة، هذا الخليفة مات في الأربعين من عمره.. وهذا الإمام ابن أبي يعلى الفراء مات في السادسة والعشرين من عمره، بعد أن أتقن القراءات وكان عالما محدثا، رحمه الله، وهذا الإمام ابن البرزالي الفقيه توفي في الثامنة عشر من عمره.. وهذا الإمام ابن عبد الهادي، تلميذ ابن تيمية، توفي في الأربعين من عمره.. وهذا أعجوبة زمانه الإمام النووي رحمه الله، لم يعش في هذه الدّنيا غير 46 سنة، لكنّه ترك من المؤلفات ما لو قسم على سنين حياته لكان نصيب كل يوم كراستين.. وهذا العلامة حافظ الحكمي من المتأخّرين توفي في الـ36 من عمره، وترك من المؤلفات الرائعة والمنظومات الرائقة، ما أعجب العلماء وأمتع الأدباء والبلغاء… وغيرُ هؤلاء كثير، وقد ألّف أحد الدّعاة المعاصرين كتابا عنوانه “العلماء الذين لم يتجاوزوا سنّ الرّشد (أي الأربعين)” جمع فيه أسماء 148 عالمٍ، رحلوا عن الدّنيا قبل أن يتمّوا الأربعين، لكنّهم تركوا أثرا كبيرا وخيرا عميما، رحمهم الله تعالى.

في زماننا هذا عاينا كثيرا من العلماء والدّعاة ألقى الله في أعمارهم البركة، فكانوا بحقّ من آيات وأعاجيب هذا الزّمان؛ فهذا مثلا العلامة عبد العزيز الطريفي، الحافظ المحدّث الفقيه الحكيم، الذي لم يتجاوز الـ46 من عمره، لكنّه يُذكر مع كبار العلماء، وعلى الرّغم ممّا يعانيه من التضييق إلا أنّه سطر ما لا يقلّ عن 20 مؤلفا من أروع ما كتب في التفسير والحديث والفقه والعقيدة والدعوة، فضلا عن كلماته ونصائحه التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت نبراسا لشباب الدّعوة في هذا الزّمان.. وقريب منه العلامة إبراهيم السكران، الذي لم يتجاوز من عمره الـ46.. ومثلهما الجهبذ الدكتور سامي عامري، المتخصص في تعرية الإلحاد والعلمانية والرد على النصارى، لم يتجاوز هو الآخر الـ46 من عمره، لكنّه أثرى الوسط الدعوي بعشرات الكتب التي أحدثت زلازل مدمّرة في أوساط الملحدين والنّصارى.. وهكذا الدكتور الصيدليّ إياد قنيبي، الذي لم يتجاوز هو الآخر الـ46 من عمره، ومع ذلك سجّل اسمه بأحرف من عزّة وقوة في ميدان الرد على الإلحاد والعلمانية وفي ميدان الدّعوة والإصلاح.. دون أن ننسى الدكتور هيثم طلعت، الطبيب الجراح، الذي لم يشغله الطبّ عن محاورة الملاحدة والعلمانيين؛ لم يتجاوز الـ40 من عمره، لكنّه دبج أكثر من 10 مؤلفات في فضح الإلحاد وبيان تهافته، فضلا عن فيديوهاته النافعة المبثوثة على الشبكة العالمية.

هؤلاء الذين ذكرنا، بشر مثلنا، ولكنّ الفرق بينهم وبيننا أنّهم حزموا الأمر مع أنفسهم وشغلوها بما ينفعها، وأعلوا هممهم في نفع أمّتهم في هذا الزّمان العصيب، وفي طلب الدّرجات العالية عند الله، بينما رضينا نحن بالقليل واليسير حتّى أصبح الواحد منّا يظنّ أنّه بمحافظته على صلاة الصّبح في وقتها قد بلغ الغاية والمنتهى!

ليس بالضرورة أن نكون جميعا في الميدان الذي دخله هؤلاء الدعاة، لكن ينبغي لكلّ واحد منّا ما دام مسلما يعلم أنّ لديه سجلا للحسنات سيقف به أمام الميزان، وأنّه لن ينفعه بين يدي الله إلا ما قدّم، وأنّه ربّما يرى يوم القيامة أناسا ماتوا قبله في أعمار قصيرة لكنّهم حصّلوا درجات عالية فوق درجته، ينبغي لكلّ واحد منّا ما دام يعلم ويتوقّع هذا أن يحاسب نفسه بعد أن يحسب عمره، وينظر ماذا قدّم من خير ونفعٍ لنفسه وأسرته وإخوانه من حوله ولأمّته، ماذا لو أتته منيته اليوم، أيّ عمل يدّخره ليوم العرض؟ وأيّ حسنة يظنّها المنجية؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • الجزائري

    شكرا استاذ على الذكرى..