بريد الجزائر .. البنك المفضل للإرهابيين والمافيا
اتهم تقرير سري حديث للبنك المركزي مؤسسة “بريد الجزائر” بالعمل تماما خارج التدابير المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وقال أن مسؤولي المؤسسة التي تحصي نحو 12 مليون حساب مالي، لم يمتثلوا لأي من الإجراءات الرقابية التي يفرضها القانون لأجل فحص وتحديد مصدر وحجم الإيداعات والتحويلات المشبوهة ضمن نحو مليون عملية مالية تتم يوميا ما بين الحسابات البريدية الجارية، كما أهملوا التدابير التي تسمح بالتعرف الدقيق على هوية ملايين الزبائن الذين يتوافدون شهريا على مختلف مراكز الصكوك البريدية عبر التراب الوطني.
-
التقرير الذي اطلعت عليه الشروق كاملا، قدم بنك الجزائر من خلاله حصيلة مهمة رقابة إجراءات الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتها التي قام بها مفتشوه لدى المصالح المالية لبريد الجزائر خلال السنة الماضية، وقالت مصادر مسؤولة معلقة على الموضوع أن التقرير حوله محافظ بنك الجزائر نهاية العام الماضي إلى الوزير الأول، احمد أويحيى، وأعقبه الأخير بسلسلة من التعليمات لمسؤولي المؤسسة تلزمهم باتخاذ تدابير عاجلة ومحددة لمعالجة الخلل الموجود وتضعهم تحت طائلة المتابعة القضائية في حالة التخلف عن ذلك، ضمن أجل أقصاه نهاية شهر جوان القادم.
-
وجاء في التقرير أن مكمن الخطورة في المسألة يبدأ من حجم مؤسسة بريد الجزائر نفسها، حيث يمر من خلالها 97 بالمائة من الأموال التي تخرج من بنك الجزائر، وتوظف المؤسسة نحو 30 ألف مستخدم وتسير 12 مليون حساب بنكي لصالح 9 ملايين زبون، كما تعالج ما يقرب من مليون عملية مالية يوميا.
-
وبالرغم من ذلك يقول مفتشو البنك المركزي أن مؤسسة بريد الجزائر “تفتقد لخريطة المخاطر” التي يفترض أن تحدد بدقة التهديدات التي يمكن من خلالها أن تتسرب عمليات مالية مشبوهة وغير قانونية لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ويربطون بين ذلك وبين غياب منصب مراسل خلية معالجة المعلومات المالية في الهيكلة الجديدة للمؤسسة، الذي “لم تعينه المؤسسة”، مخالفة بذلك نص القانون، كما وصف المفتشون الآليتين اللتين اعتمدتهما المؤسسة، أولاهما لحفظ الوثائق والبيانات الخاصة بمختلف العمليات المالية، وخصصت الثانية لتعريف الزبائن والعملاء بأنهما “غير كاملتين، وغير مهيأتين ولا فعالتين” في أداء مهماتهما.
-
لا أثر لتدابير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب
-
ويشير مفتشو البنك المركزي إلى أن غياب التحيين والمعالجة المستمرين للبيانات الخاصة بالعمليات المالية على مستوى مختلف المراكز والشبابيك المالية لبريد الجزائر لا يمكن وصفه سوى كونه “مخالفة صريحة لنصوص المادة 07 من القانون 05-01 والمادتين 05 و06 من نظام بنك الجزائر رقم 05-05 الخاص بالوقاية ومكافحة تبييض الأموال”، كما تفتقد مراكز الصكوك البريدية لنظام مراقبة يخضع للمعايير الواجبة، ولم يسبق لمسؤولي المؤسسة أن قدموا، إلى غاية مجىء المهمة التفتيشية لبنك الجزائر، أي تقرير خاص بمهمة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، التي تشملهم مثل أي مؤسسة مالية أو بنكية وطنية أخرى، كما انهم لم يبذلوا أي جهود تذكر لتكوين إطارات المؤسسة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وإعدادهم للاضطلاع بهذه المهمة الحساسة، ويؤكد التقرير أن إطارا واحدا فقط داخل مؤسسة بريد الجزائر التي تحصي 30 ألف مستخدم استفاد من تكوين في هذا المجال، مقابل مئات الإطارات استفادت من التكوين في باقي المؤسسات البنكية والمالية العاملة في البلاد.
-
“وستيرن يونين” في قفص الاتهام
-
وضمن عدة حالات ناجمة عما أسماه تقرير بنك الجزائر “الإهمال الخطير في متابعة العمليات المالية عن كثب” أنه أدى إلى 3 تحويلات مالية إلى الجزائر كان مصدرها إسرائيل عن طريق خدمة “وستيرن يونين” ولم يتم اكتشافها سوى لما جاء مفتشو بنك الجزائر ليدققوا في وثائق بريد الجزائر وعملياته المالية، وكانت تلك الحالات المرصودة موضوع تقرير سري أرسل إلى خلية معالجة المعلومات المالية منتصف العام الماضي، من بين 21 تقريرا يخص عمليات مالية مشبوهة أجراها زبائن وعملاء مختلفون ما بين الجزائر ودول عدة عن طريق خدمة “وستيرن يونين”، التي بدت وكأنها تعمل خارج الرقابة وبدون أي متابعة لهوية عملائها، وهو ما يضرب في الصميم أي استراتيجية وطنية لتجفيف تمويل الإرهاب باعتبار ان تحويل مبلغ مالي عبر “وستيرن يونين” من الخارج إلى الجزائر واستلامها فعليا لا يتطلب أكثر من ساعة، وبشأن العمليات المالية الثلاث التي جرت بين الجزائر وإسرائيل لا يتحدث التقرير عن هوية العملاء المستفيدين منها ولا جنسياتهم ولا الهدف منها، لكنه يشير بوضوح إلى عاملين يدفعان إلى اشتباه المحققين فيها، الأول أن تلك التحويلات المالية تأخذ طابعا غير عادي مع كيان سياسي لا تعترف به الجزائر، وبالتالي تمنع أي معاملات معه أيا كان نوعها وشكلها، والعامل الثاني وهو الأهم، هو أن التحقيقات “لم تتوصل إلى أي مبرر اقتصادي” واضح للتحويلات المالية الإسرائيلية المصدر، وربما يوحي ذلك ان المبالغ المالية المحولة ربما تكون كبيرة، أو أن من استفادوا منها لهم نشاطات اقتصادية وتجارية في الجزائر، غير أن المهم هنا هو ما قاله التقرير بشأن التقصير والإهمال الخطير لدى مسؤولي بريد الجزائر في مراقبة تلك التحويلات التي “لم تتمكن مؤسسة بريد الجزائر من اكتشافها ولا التصريح بها”.
-
وضعية خطيرة تدعو للقلق
-
ويقول التقرير أنه على ضوء النتائج التي خلصت إليها التحقيقات التي أجراها مفتشو بنك الجزائر سنة 2010، يظهر أن مؤسسة بريد الجزائر “لم تقم بأي إجراء احترازي في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، مخالفة بذلك النصوص القانونية ذات العلاقة، ويضيف أن هذا “الغياب الكلي” لتلك الإجراءات المنصوص عليها قانونا يظهر من خلال 1448 تقرير سري تم إعداده من طرف مفتشي بنك الجزائر ترصد تلك المخالفات منها 1427 تقرير على علاقة مع العلميات المالية للزبائن في مراكز الصكوك البريدية وشبابيك صندوق التوفير والاحتياط، و21 تقريرا يخص عمليات مالية مشبوهة أجراها زبائن وعملاء مختلفون ما بين الجزائر ودول عدة عن طريق خدمة “وستيرن يونين”، وقام المفتشون بإحالة كامل التقارير حول الحالات والعمليات المشبوهة إلى خلية معالجة المعلومات المالية، وتعكس تلك الأرقام “وضعية خطيرة تعتبر مقلقة جدا لمؤسسة تغطي حجما كبيرا جدا من المعاملات المالية” بحسب تقرير بنك الجزائر الذي يصعد من لهجته ليقول أن مؤسسة بريد الجزائر لم تتوقف عند مخالفة التشريع القائم والقوانين السارية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بل تعرض نفسها بالكامل لأخطار كبيرة في هذا المجال، ويختتم نصه متسائلا “لذلك أليس من الضروري لبنك الجزائر أن يباشر عمليات عاجلة وصارمة من أجل ضمان وفرض تطبيق القانون والاحتياط من التهديدات والأخطار المتوقعة؟” في رسالة تهديدية تحاول على ما يبدو أخذ الضوء الأخضر من الحكومة لمباشرة إجراءات ردعية ضد مسؤولي المؤسسة. وربما يفسر ذلك بعض الخلاف ما بين وزير القطاع ومحافظ بنك الجزائر، الذي ظهر من خلال تبادل الاتهامات عبر وسائل الإعلام حول المتسبب في ندرة السيولة في مراكز البريد.
-
أويحيى يهدد بوقف نشاط “بريد الجزائر”
-
مصادر مسؤولة في القطاع، على علم بموضوع التقرير، قالت للشروق أنه أحدث زلزالا كبيرا قبل أسابيع، عندما وصل إلى مكتب الوزير الأول، الذي أتبعه بسلسلة من التعليمات أراد من خلالها على ما يبدو أن يوجه رسالة تحذيرية شديدة لمسؤولي بريد الجزائر، وقال أن تلك الوضعية تهدد الاقتصاد والأمن الوطنيين، وتستدعي بذلك ردا قويا من السلطات، بحسب ما نقلت مصادرنا عن الوزير الأول، لأنها توفر الأمان والسرية لعمليات مالية مشبوهة وغير قانونية للإرهابيين وشبكات المافيا والجريمة المنظمة، التي وجدت في حسابات البريد ملاذا آمنا بعيدا عن الرقابة الموجودة في بقية البنوك. كما تطعن بالتزامات الجزائر الدولية مع شركائها الآخرين في هذا المجال.
-
ووصل الوزير الأول لحد وصف حالة “الفوضى” تلك بأنها تشكل تقصيرا خطيرا يفتح الباب قانونا أمام الحكومة لتحريك متابعات قضائية ضد مسؤولي مؤسسة “بريد الجزائر”، لمحاسبتهم على مخالفة قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يحمل معنى واضحا بعقوبات شديدة بالسجن والغرامة تدخل ضمن المسؤولية الجنائية لمسير المؤسسات العمومية، وذهب الوزير الأول في تحذيره أبعد من ذلك، مهددا بتسليط عقوبات قال أنها يمكن أن تصل إلى حد تعليق نشاط مؤسسة بريد الجزائر، باعتبارها مؤسسة اقتصادية عمومية، وهو أمر حتى وإن كان يمتثل لنص القانون وصلاحيات بنك الجزائر، إلا أن مصدرنا شكك كثيرا في قدرة الحكومة على تنفيذه باعتبار الآثار الخطيرة التي يمكن أن تترب عنه “حيث يمكن أن تؤدي إلى الانهيار التام لنظام الدفع المالي للأجور وتحويلات اجتماعية أخرى كبيرة”.
-
نهاية جوان آخر أجل لمعالجة الخلل
-
وبناء على مكامن الخلل التي رصدها بنك الجزائر في تقريره، طلب الوزير الأول من وزير القطاع، أن يسهر شخصيا مع مسؤولي مؤسسة بريد الجزائر على معالجة الوضع من خلال وضع “خريطة المخاطر” لتحدد بدقة التهديدات التي يمكن من خلالها أن تتسرب عمليات مالية مشبوهة وغير قانونية لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتعيين مراسل خلية معالجة المعلومات المالية الذي كان مغيبا في الهيكلة الجديدة للمؤسسة، وتقوية وتحيين الآليتين اللتين اعتمدتهما المؤسسة لحفظ جميع الوثائق والبيانات الخاصة بالعمليات وتعريف الزبائن والعملاء، وتطهير حسابات صندوق التوفير والاحتياط حتى يتحقق التجانس المفقود ما بين بنك المعطيات ومصلحة تسيير الحسابات، وطلب الوزير الأول من وزير القطاع بن حمادي مده بتقرير شهري حول مدى التزام المؤسسة بالإجراءات والتدابير التي طلب منه تنفيذها إلى غاية جوان 2011، وهو آخر أجل للمهلة المتاحة لمؤسسة بريد الجزائر للتكيف مع القانون، يتبعها مباشرة بداية من شهر جويلية القادم، عمليات تفتيشية جديدة يشرف عليها بنك الجزائر من خلال إرسال بعثات مراقبة للتأكد من تنفيذ التعليمات المذكورة. فهل يتغير شيء إلى ذلك الوقت، ذلك ما ستثبته الأيام أو تنفيه.