بشتكنا يا ريّس !
راعني أن أحد المترشحين أو المتحرّشين بمنصب رئيس الجمهورية، يعد الجزائريين في معرض برنامجه الانتخابي، بـ”النجاح في إلغاء تأشيرة الدخول إلى أوروبا لكلّ الجزائريين في مدّة لا تتجاوز 6 أشهر!”
إذا ما استوعبت ما ورد في العبارة التي بين قوسين، فإن الباحث عن منصب “الريّس”، يُريد تسفير أو ترحيل “كلّ الجزائريين” إلى خارج الجزائر خلال مدة لن تتجاوز نصف السنة، ليبقى هو وجماعته في الجزائر لما تبقى له من عُمر العهدة الانتخابية، أي أربع سنوات ونصف كاملة!
أليس هذا يا جماعة الخير، مؤشر من مؤشرات البؤس السياسي، والضحالة التي وصلت إليها الطبقة السياسية والنقاش السياسي؟ وهل الجزائريون فعلا بحاجة إلى من يسفـّرهم خارج بلدهم، أم أنهم بحاجة إلى من يُعيدهم إلى بلدهم التي غادروها بالحُرقة و”الحرڤة”، ومنهم من تركها مخيّر أو مضطرّ !
نعم، نحن جميعا بحاجة إلى من يواصل “جمع شملنا”، وإلى من يُعيد “الهاربين” و”المهرّبين” واليائسين والمرغمين على الفرار بجلدهم، وليس إلى من يسهـّل لنا عمليات الهروب بالتأشيرة أو عن طريق التسخيرة!
الجزائر بحاجة إلى من يملؤها ويسدّ فراغاتها، وليس إلى من يُفرغها ويهزها ويملئ البواخر والطائرات، ويعزز الطوابير عبر الحدود بحالمين و”طماعين” باحثين عن الفردوس الذي لن يتأتى إلاّ بعد أن يرث الله الأرض ومن عليها وتقوم السّاعة!
لو شيّد هذا المترشح ليس كشخص، وإنـّما كنموذج، برنامجه أو نداءه إلى ذوي القلوب الرحيمة، على أساس إعادة الجزائريين المتواجدين بالخارج لعدة أسباب ومبررات، لربـّما تهافت عليه مساندون ومتعاطفون، ولتمكـّن أيضا من جمع 60 ألف توقيع، لكن خطته لترحيل الباقي المتبقي من الجزائريين إلى أوروبا بإلغاء التأشيرة، فهذا سيجعل السحر ينقلب على الساحر!
مصيبة الكثير من السياسيين والشبيهين والمتشبّهين والممثلين ومنتحلي الصفة، أنهم لا يضعون أيديهم على الجرح، ولا يعرفون مراحل وكيفية تشخيص الداء لإيجاد الدواء، حتى وإن كان آخر العلاج الكيّ، ولذلك، فإنهم يُخطئون في كلّ مرّة، والأخطر من هذا، فإنهم يرتكبون خطايا وحماقات تجعلهم يؤدون دور البهلوان بدل المترشح!
اللهم لا شماتة ولا إساءة ولا إهانة، لكن على كلّ “فـُطحل” أن يعرف أين يُفرغ “فطحلته” حتى لا يُصيب قوما بجهالة ويصبح على ما فعل من النادمين، والأهم في المهمّ، أن الترشح سواء للرئاسيات أو التشريعيات أو المجالس “المخلية”، لا يكون بالاستعراض والفلكلور والصخب، وإنـّما بالإقناع والإبداع والقدرة على التفريق بين العدوّ والصديق، وبعدها مبروك على الرابح، ويُلهم الخاسر جميل الصبر والسلوان!