بقايا.. الزلط والتفرعين!
لم يعد لزردة الفاتح ماي، أيّ معنى، بالنسبة للباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا “الخدامة” الذين أصبحوا ينتفون ما تيسر من رزقهم أناء الليل وأطراف النهار، ولم يعودوا يدركون ماذا يفعلون لمواجهة تدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الواسعة الانتشار، خاصة في ظلّ أزمة البترول التي بدأت ولا تريد أن تنتهي!
بقايا العمّال خائفون، خاصة وأن رمضان المعظم على الأبواب، فهم خائفون من تحوّل التجار “عديمي الذمة” إلى مصّاصي دماء، فكلما عاد شهر الرحمة والتوبة والغفران، تصاعدت السرقة وتفنن سرّاق المواسم في كيفيات إدخال أيديهم في جيوب بقايا الزوالية ومحدودي الدخل!
عمليات “نهش” بقايا العمال، أفقدتهم شهية الاحتفال وتذكـّر مأدبة الفاتح ماي، وأصبحت أيام الشهر ومختلف الشهور القمرية والشمسية، متشابهة ومتطابقة بالنسبة لعمال أنهكهم التعب و”الحقرة” وسيدهم السعيد، وأكمل عليهم “الأفامي” وتسريح العمال وتشميع المؤسسات والخوصصة!
لم يبق أمام بقايا العمال سوى البكاء على الأطلال، التي دمّرها الأفامي سنوات الأزمة الاقتصادية والمالية والأمنية، بداية التسعينيات، وها هو يعود بعد نحو 20 سنة، محاولا توجيه “نصائحه” وإرشاداته لضحاياه الذين منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا!
الضربة القاضية بالنسبة لبقايا العمال، هي انهيار الدينار أيضا، فبعد ما كان بـ”شلاغمو” لم يعد كافيا لتوفير لقمة العيش، أمّا الحديث عن منافسته للأورو والدولار في بورصة “السكوار”، أو على الأقل التصدّي لهما، فحدّث ولا حرج، ولذلك انقرض العمال، ولم يعد العمل، وسيلة، ولكنه تحوّل إلى غاية، وهذه هي مصيبة المصائب، التي فضحت العورات التي كانت تسترها “البقرة الحلوب” ببترولها منذ الاستقلال!
عندما يتزاحم و”يتشاحم” نحو 4 ملايين جزائري على الموقع الالكتروني للتسجيل في مسابقة التوظيف في قطاع التربية، ويتسابق هؤلاء الملايين على 28 ألف وظيفة أو منصب فقط، فهنا تفهم المعادلة، وتتأكد أن الأمر يتعلق فعلا ببقايا عمال وموظفين ومستخدمين، وأن الأغلبية الساحقة قاعدة في بيوتها، أو متكئة على “الحيطان” أو معتكفة بالمقاهي، أو أنها تعمل، لكنها لا تعمل، ولذلك تبحث عن منصب تعمل فيه!
كنا نسمع من الجيل القديم، خلال الزمن الجميل، أن سيارة الحكومة كانت تتوقف فجأة أمام مقهى أو شارع، فتسأل القاعدين عن أسباب هذا التقاعد المسبق والاستباقي والسابق واللاحق، فيُخبرون السائلين بأنهم “شومارة”، فيتم “اعتقالهم” نحو مناصب الشغل الشاغرة ويعملون رغما عنهم، لكن وفق مبدأ “أعط الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه”!
الآن، الجيل تغيّر، والوقت كذلك تغيّر، العقليات تغيرت أيضا، فالمناصب المتوفرة، إمّا أنها لا تسدّ الطلب، أو لا تسيل اللعاب، أو أنها توزع تحت الطاولة وبالهاتف والتمييز والمفاضلة، وإمّا أن نوعا من البطالين يبحثون عن وظيفة على المقاس، وبالتالي انقرضت الكثير من المهن العريقة، مثل الفلاحة والحرف الحرّة، وأصبح هؤلاء وأولئك، ينتظرون “خديمة” تنزل من السماء أو تخرج من تحت الأرض!
لم يعد الاحتفاء بذكرى “عيد العمال”، مستنسخا ومشابها لاحتفالات كلّ سنة، فقد تبدلت المعطيات، فهناك آلاف العمال أصبحوا من “الموتى-قاعدين”، وآخرون بطالين، وآخرون يبحثون عن وظيفة ثانية يزوّدون بها مدخولهم، من باب إن في الإعادة إفادة، خاصة في زمن التقشف وشدّ الأحزمة وربط السراويل، حتى لا تسقط وتصبح “الفضيحة بجلاجل”!
صحيح أن الأزمة تلد الهمة، ولن يتسع الأمر إلاّ إذا ضاق، لكن أغلب العمال الذين أصابتهم الشدّة و”الهردة”، استقالوا معنويا ونفسيا وكرهوا العمل والعمالة، ولم يعودوا يفكرون سوى في كيفية الحفاظ على “الصوردي” الذي بقي في جيبهم المثقوب، علّه يكفي لسدّ حاجة اليوم، وهم يعيشون بعقلية “الدورو ألـّي يجيبو النهار ياكلو الليل”!
تآكل الشركات العمومية وتفريخ شركات “صارل” وذات الشخص الوحيد، قتل روح المبادرة في دواخل الكثير من العمال، حتى وإن كان القطاع العمومي علـّم الرعيل الأول من العمال فنون الإهمال والاتكال والأكل من “قرن الشكارة”، وعمّم ظاهرة العبث بـ”ملك البايلك”، لكن بالمقابل، فإن القطاع الخاص لقّن الكثير من الهاربين من العمومي، دروسا مجانية في “الحقرة” و”الهفّ” وأحيانا التعامل بعقلية “اخدم يا التاعس على الناعس”!
لا فرق بين القطاعين العام والخاص، عندما يقرّ العامل وربّ العمل، بالحقوق والواجبات، وهذا وحده كفيل بنجاح أيّ مؤسسة، وهو ما يعود بالربح والفائدة والخير و”الخمير” على العمال ويحفظهم ويُبعدهم من التحوّل رغما عنهم إلى مجرّد بقايا لا “تنشّ ولا تهشّ”، تتقاذفها الطوارئ والضائقات المالية والأزمات الاقتصادية.. فبأيّ حال عدت يا عيد؟