-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بني يزڤن… أيقونة في عقد وادي مزاب

بني يزڤن… أيقونة في عقد وادي مزاب

التقيتُ صدفة – والصدفة أحيانا خير من ألف ميعاد- بالدكتور سليم بحيو بسوق الشراقة بالجزائر العاصمة منذ وقت قصير. بعد التحية قدَّم نفسه وأخبرني أنه طبيبٌ من آث يزجن (بني يزڤن) بوادي مزاب حيث يملك عيادة. أدركت من خلال تجاذب أطراف الحديث أنه مثقفٌ كبير، يتابع نشاطي الثقافي، فكان أن عرض عليّ زيارة قصر (أغرم) آث يزجن بوادي مزاب، لإلقاء محاضرة في إطار نشاط الجمعية الثقافية القطبية التي يترأسها الشاعر صالح، على أن اختار الموضوع الذي أراه مناسبا، فوافقت على عرضه في الحين على أن تكون المحاضرة بعنوان: “التاريخ وأهميته في بناء الأمة”. وافترقنا على أمل أن يتجدد التواصل هاتفيا لتحديد تاريخ إلقاء المحاضرة، فكان أن جرى الاتفاق على يوم السبت 20 جوان 2026م بعد صلاة المغرب.

محتوى المحاضرة

شرحتُ في محاضرتي ماهية التاريخ وفلسفته، مركّزا على ما قاله عبد الرحمن بن خلدون: «التاريخ ظاهره خبر وباطنه نظر»، ثم أوضحت حاجة البشرية إلى استقراء التاريخ لاستخلاص العبر من الانتصارات والانكسارات الماضية في حياة الشعوب، لجعلها نبراسا تنير طريقها لفهم الحاضر ولبناء المستقبل. أوضحت أن الغاية من تدريس التاريخ ليست في حشو الأذهان بالأخبار، بل يهدف استقراء التاريخ إلى إدراك سنن الله في الكون (القوانين) التي تتحكم في صعود الأمم وفي انحطاطها؛ فالظلم -على سبيل المثال- إذا وقع في مجتمع ما نزل العذاب وأسرع إليه الخراب، وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون بقوله: “الطغاة يجلبون الغزاة”.

جاء في المحاضرة أيضا أنه خلافا للقراءة السقيمة التي تختزل التاريخ في كونه مجرّد أحداث سادت ثم بادت، فإن التاريخ حاضرٌ بقوة في حاضرنا من خلال المنجزات الحضارية السابقة التي تؤطر حياتنا في جميع المجالات، وقد أكّد ذلك  الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي أوضح في كتابه: “فلسفة التاريخ”، أن الأموات هم الذين يسيرون حياة الأحياء: «… فمن روح الأموات تكوّنت روح الأحياء، وفينا -لا في المقابر- يرقد من زالوا بالحقيقة. ويوجد كثيرٌ من القرون خلف كلّ موجود أتى إلى النور، ويبقى هذا الموجود متأثرا بماضيه. ص77».

رغم أهمية التاريخ في حياتنا باعتباره “كتاب العبر”، فإن المبالغة في استهلاك التاريخ مضرّ بالإحياء كما قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، وقد يتحول إلى سياج دوغماتي  يعرقل التكيف مع الواقع بعقلانية، ويجعلنا نختزل الحاضر في الماضي.

كيف نكتب التاريخ؟

أ- الكتابة الرسمية: تعطي الأولوية لتحصين الناشئة بحبّ الوطن، ولبناء الذاكرة الجمعية، وتشكيل الوعي الوطني لدى الأجيال، عبر مناهج المنظومة التربوية التي تركِّز على الجوانب المضيئة في التاريخ (البطولات والأمجاد) وتعظيمها، وتتفادى ذكر الجوانب السلبية في التاريخ الوطني، خوفا من أن تغذي الخلافات في المجتمع. لذلك تشكِّل “الوطنية” معيارا لتقدير الكتابة التاريخية، ويطغى عليها أسلوب الذاتية والحماس. وقد تهدف الكتابة الرسمية أحيانا إلى تعزيز شرعية الأنظمة.

ب- الكتابة الأكاديمية: تتميز بالموضوعية الخالية من العواطف، غايتها البحث عن الحقائق التاريخية لإنتاج معرفة محايدة، مستعمِلة طرائق علمية دقيقة أساسها النقد والتمحيص، في دراسة الوثائق والآثار والمقابلات الشفوية، دون اعتبار للآثار الجانبية التي قد تثيرها في المجتمع.

دور المؤرخ في استنهاض الهمم

هذا ومن الطبيعي أن أشير في محاضرتي إلى دور المؤرخ الجزائري في استنهاض الهمم، وفي دعم الحركة الوطنية الاستقلالية وثورة أول نوفمبر 1954م، وقد برز في هذا المجال المؤرخ  مبارك الميلي الذي نشر كتابه الرائع (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) سنة 1928م، والمؤرِّخ أحمد توفيق المدني الذي نشر مؤلَّفه بعنوان: “كتاب الجزائر” سنة 1931م أي عقب احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر، وغاية الكتاب زرع الوطنية في قلوب الشباب.

حاجتنا إلى مدرسة تاريخية جزائرية

أشرتُ في المحاضرة أيضا إلى ضرورة تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية، من أجل بناء سردية وطنية جامعة تعزِّز وحدة المجتمع في إطار التنوُّع الثقافي واللغوي باعتباره مصدر ثراء لا أداة للفرقة، وتمجِّد بطولات أجدادنا في كل حقب التاريخ دون إقصاء لأي مكوِّن من مكوِّنات الهوية الجزائرية. والغاية منها هي تمتين اللحمة الوطنية وتخليص تاريخنا من القراءة الإيديولوجية العرقية المتطرفة المهدّدة لاستقرار المجتمع وتماسكه، ومن ذهنية احتقار الذات الثقافية الأصيلة.

وقد فُتح المجال للنقاش عقب المحاضرة، شارك فيه الكثير من الحاضرين، وأثرتْ مداخلاتهم موضوع المحاضرة، وأبانت عن مستواهم الفكريّ العالي وعن حرصهم على الوحدة الوطنية في إطار التنوع الثقافي.

زيارة بعض معالم القصر

من الطبيعي أن أستغل وجودي في بني يزڤن للقيام بزيارة معالمه الثقافية، وقد جئت وذهني يطفح بعدد من أسماء علمائه، منهم على سبيل المثال لا الحصر؛ عبد العزيز الثميني المتوفى سنة 1808م، مؤلف “كتاب النيل وشفاء العليل”، وهو عبارة عن موسوعة للمذهب الإباضي، والشيخ محمد بن يوسف أطفيش (قطب الأئمة) شارح كتاب النيل، المتوفى سنة 1914م، والشيخ إبراهيم طلاي، والشاعر الوطني الكبير مفدي زكريا، وغيرهم. وقد زرتُ رفقة السيد بلقاسم بن كيح مقبرة بني يزڤن (با أمحمد) للترحُّم على أرواح هؤلاء العلماء. لاحظتُ أن معظم القبور لا تحمل أسماء أصحابها، بل اكتفى الأحياء بوضع شواهد حجرية لها، لذلك وجد مرافقي صعوبة في تحديد قبر العلَّامة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش. وشاهدتُ على كل قبر جرّة ماء. أمّا المجاهد  الشاعر مفدي زكريا فقبره معروف كُتب عليه اسمُه كاملا، مع وضع صحن معدنيّ مرسوم عليه العلم الجزائري بدل جرة ماء.

زيارة المسجد العتيق

قمت بجولة رفقة الدكتور سليم بحيو والسيّد قاسم بن كيح (جيولوجي)، ومرشد سياحي، في أزقة قصر بني يزڤن (أغَرَمْ ناث يَزْجَنْ بالنطق الأمازيغي أي نصف سكان تاغَرْدايَتْ)، ويقدَّر عمره بأكثر من 750 سنة. وكانت البداية من المسجد العتيق الذي بُني بمواد محلية في القرن 14م، حيث أدّيتُ صلاة العصر على طريقة المذهب الإباضي الذي لا يختلف عن غيره من المذاهب إلَّا في بعض الجزئيات (عدم رفع الأيدي عند تكبيرة الإحرام، وعدم التلفُّظ بكلمة “آمين” عقب قراءة الفاتحة من طرف الإمام، وعدم تحريك السبابة أثناء قراءة التشهُّد).  ولا يزال المسجد على شكله القديم رغم التوسيعات التي عرفها عبر التاريخ. وتُنجَز عمليات الترميم بمواد بناء محلية حفاظا على أصالته. لاحظت وجود فوهة (نافذة صغيرة) في حائط المسجد، قيل لي إنها تستعمل لتمكين النسوة من تقديم شكواهنّ للإمام دون أن يراهنّ أحد. والجدير بالذكر أن المجتمع المزابي الإباضي يخضع في تسييره منذ قرون عديدة لنظام “العزّابة” الذي أسّسه أبو عبد الله محمد بن بكر الريغي الفُرْسُطائي (يقال إن أصله من جبل نفوسة بليبيا)، دفين بلدة أعمر (ثاله نَعْمَرْ باللسان الريغي الأمازيغي) قرب تماسين بولاية تڤرت، ولـ”مجلس عمّي السعيد” -الوافد من جربة بتونس حسب رواية مرافقي- الذي دعّم نظام العزّابة بمجلس الطلبة المسمّى بالأمازيغية “إرْوَانْ”، وجلب معه حرفيين كثيرين أسهموا في تمدين قصر بني يزڤن. ولا يزال التنظيمان فاعلين في المجتمع المزابي، يعملان بانسجام مع قوانين الدولة الجزائرية.

جولة في أزقة بني يزڤن

بجنب المسجد العتيق مدرسة قرآنية تحمل اسم “المعهد الجابري القرآني” نِسبة إلى الشيخ جابر بن زيد مؤسس المذهب في نظر الإباضيين. لاحظتُ أثناء تجوالي في أزقة قصر بني يزڤن (أغرم آث يزجن) وجود آبار كثيرة، وبجنب كلّ بئر نخلة تستفيد من قطرات الماء الضائعة أثناء استخراجه بالدلو، لذلك صارت تلك النخلات للرائي من بعيد تدلّ على وجود بئر. وشاهدت لافتة قديمة في أحد الممرات يشير إلى منع استعمال ماء النبع للغسل أو للبيع. مررتُ أثناء تجوالي بمكان شاهدت فيه قطعة حجر على جدار أحد المنازل نُقشت عليها عبارة “مكتبة الشيخ عمّي يحيى المتوفى سنة 1202هـ/ 1788م”. كما شاهدت في حيّ  آخر لافتة مكتوبا عليها “مسجد تافيلالت أسِّس في القرن الخامس الهجري”. من الطبيعي أن أزور برج المراقبة ذا الطوابق الأربعة الواقع في أعلى القصر، وهو يشرف على بساتين النخيل الواسعة.

زيارة نموذج للمنازل التقليدية

قمت أيضا بزيارة منزل تقليدي لوادي مزاب الذي يضم في العادة طابقا أرضيا للحياة اليومية، وطابقا علويا للنوم، وسطحا مخصصا لأغراض متعددة منها تبريد الماء ليلا على عمود في جرة مزيّنة وملفوفة بقطعة قماش مبللة، وللسطح فتحةٌ واسعة تسمح بدخول أشعة الشمس إلى وسط الدار. وكانت نهاية جولة يوم السبت بزيارة  ساحة “لالا عَشُو”  التي يشرف عليها المسجد، وهي عبارة عن فضاء اقتصادي واجتماعي وثقافي في حياة قصر آي يزجن،  للتجارة ولتجاذب أطراف الحديث وللنظر في قضايا العائلات والعشائر، ولبيع المنتجات التقليدية المحلية التي تنسجها أنامل المرأة المزابية عن طريق المزاد العلني (دلالة)، ما بين صلاة العصر وصلاة المغرب.

كيفية استغلال الموارد المائية

من المجالات التي برزت فيها العبقرية المزابية، حسن استغلال مساه وادي مزاب وروافده التي تفيض في فصلي الخريف والشتاء بصفة خاصة. وشاهدت عدة حواجز مائية على امتداد وادي بن يزڤن ذات منافع كثيرة، فهي تساعد على تفادي الفيضانات المدمِّرة، وفي ملء الآبار التي تُحفر داخل سرير الوادي، وكذا في تغذية المياه الباطنية. وتوزَّع هذه المياه على مزارع النخيل بطرائق تقليدية عجيبة توفر العدل لأصحاب البساتين. وقد خصصت الفترة الصباحية ليوم الأحد 21 جوان 2026م رفقة السيد قاسم بن كيح (جيولوجي) لزيارة وادي بني يزڤن وحواجزه القديمة والحديثة. لاحظت وجود أبراج المراقبة على امتداد الوادي لتنبيه السكان في حالة وجود خطر الفيضانات. كما تجولت في الأحياء السكنية الموجودة في البساتين، وهي مخصصة في العادة لقضاء أيام الصيف طلبا للبرودة.

القصر الجديد.. أصالة ومعاصرة

في مساء يوم السبت قمتُ بعد صلاة العصر بزيارة القصر الجديد لبني يزڤن الواقع في مرتفعات تافيلالت، بمعية السيد يعقوب الحاج عمر عضو مؤسس لمؤسسة “أميدول” لقصر تافيلالت، قدّم لي شروحا وافية حول كيفية إنجاز هذا الحيّ الراقي الجامع بين الأصالة والمعاصرة، وأنجِز بفضل تضافر جهود أخيار المجتمع المدني الذين أسسوا مؤسسة أمِيدُولْ  المكلفة بإنجاز هذا المشروع العمراني. ومُوِّل المشروع بجهود المستفيدين وبدعم من الدولة.

أنجِز القصر الجديد وفق النمط المعماري المزابي: طابق أرضي، وطابق علوي، وسطح المنزل ذو فتحة تسمح بدخول أشعة الشمس إلى وسط الدار..  بطريقة هندسية تراعي الحشمة واحترام الجار، مع إدخال تعديلات فرضتها الحداثة، كتوسيع الطرقات والساحات واستعمال مواد بناء حديثة. وقد انبهرتُ بجمال القصر الجديد وبرونقه ونظافته وهدوئه. وممّا زاد في حُسنه إقامة حديقة للتسلية بمقاييس عالمية، تقصدها العائلات للتنزه في أحضان الاخضرار، يتمتع فيها الأطفال بالألعاب المتنوعة، ويستمتعون بمناظر الحيوانات الأليفة والحيوانات البرية التي تعج بها الحديقة، ولم أصدِّق أن تسييرها الرائع يقوم به عمالٌ تشرف عليهم مؤسسة القصر الجديد. وإن دل هذا النجاح على شيء فإنما يدل على قوة المجتمع المدني في قصور وادي مزاب، والاعتماد على النفس، والتضامن والتكاتف الاجتماعي بطريقة عجيبة تبهر الزائر.

تحفة معمارية في بستان معشاب

قضيت ليلة يوم السبت في منزل تقليدي مريح، بناه الدكتور الحكيم سليم بحيو وفق معايير العمران المزابي بلمسة حداثية رائعة، يتوسط  بستانا وافر الاخضرار، أحياه في إطار سياسة استصلاح الأراضي، وكان المكان من قبل مجرّد أرض صخرية جرداء، فحوّلها إلى جنة خضراء غرس فيها أشجارا محلية وأخرى مجلوبة من خارج وادي مزاب، كأشجار الزيتون والأعشاب النفعية المتعدّدة والخضر والفواكه والزهور والورود. وممّا زاد البستان رونقا استقطابه لأسراب من الطيور (خاصة المسمى محليا بوعود)، والفراشات بأعداد كبيرة. ولا شك أن توسّع الاخضرار بفعل سياسة استصلاح الأراضي سيؤثر ايجابيا في البيئة الصحراوية عن طريق تلطيف الجو. هذا ومن عادة سكان وادي مزاب أنهم ينزحون صيفا نحو المنازل الموجودة في أحضان البساتين طلبا للجو المنعش وللنسيم العليل. ونظرا لشاعرية المكان فهو يصلح ليكون “خلوة” للأدباء لتدوين ما تجود به قرائحهم من إبداعات وفرائد أدبية.

تخرّج حمَلة شهادة الليسانس في اللغة الأمازيغية

تزامن وجودي في قصر بني يزڤن يوم السبت 20 جوان 2026م، مع تخرّج الدفعة الأولى من حمَلة شهادة الليسانس في اللغة الأمازيغية من الجامعة الحرة المسماة “المعهد العالي للآداب واللغات الغفران” بغرداية، التي تشرف عليها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وقد أشرف السيد والي ولاية غرداية، عبد الله أبو نوّار، بمعية السيد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية سي الهاشمي عصّاد على هذا الحدث العلمي. وتعاقب على المنصة السيد الوالي، ومدير المعهد، ورئيس قسم الأمازيغية أ. د. عبد الله نوح، وعدد من الأدباء والشعراء باللسان الأمازيغي، والسيد الأمين العام لمحافظة السامية للأمازيغية. وكان مسك الختام توزيع شهادات التكريم على العديد من الأساتذة والطلبة الذين أسهموا في الماضي والحاضر في بعث الثقافة الأمازيغية بالمتغيّر المزابي.

شاهدت خلال هذه الزيارة عيّنات من حذاقة سكان بني يزڤن ومهارتهم المتجلّية في قطاعات الفلاحة والتجارة والحياة الاجتماعية، وعبقريتهم في استغلال المياه الباطنية والسطحية بطرائق عجيبة، تقيهم من شرور الفيضانات، وتجعلهم يستفيدون حتى من الأتربة التي تحملها الفيضانات لتخصيب التربة. وشاهدت نظام تقسيم المياه بدقة متناهية، ميزته العدل والإنصاف. ولا شك أن قيم التعاون والتعاضد المتأصلة في المجتمع المزابي قد مكّنت السكان من تطويع البيئة القاسية، فحوّلوها عبر القرون إلى جنان وبساتين غناء حقّقت لهم الأمن الغذائي.

ومن مميّزات سكان قصر بني يزڤن، التعلق بأرض الأجداد، فرغم اضطرارهم إلى الهجرة طلبا للرزق والعلم، فإنهم سرعان ما يعودون إليها للاستقرار والاستثمار، كما فعل الطبيب الدكتور سليم بحيو الذي بنى عيادة عصرية (Clinique El-Ksours) في غرداية، وفَّرت للسكان عناء السفر طلبا للعلاج، واستصلح مساحة أرض كلفته أموالا طائلة، لكن كل شيء يهون أمام التعلق بأرض الأجداد التي تتجلى فيها الهوية والتاريخ.

يُعدُّ قصر بني يزڤن قلعة من قلاع العلم في وادي مزاب، وكان أهله في القديم يتجشَّمون  مشاق السفر لطلب العلم في جبل نفوسة وجربة وجامع الزيتونة، لكن الأوضاع الثقافية لم تلبث أن تغيّرت، فصار قصرُ بني يزڤن منارا يشعّ منه العلم ويستقطب الطلاب من كل حدب وصوب.

لا يزال سكان قصر بني يزڤن يتميّزون بالحرص على عاداتهم وتقاليدهم وعلى موروثهم الثقافي المتميّز في اللباس وأطباق مأكولات (أحْضاضِيضْ (شربة)، اُوشُو أي الكسكسي، مشروب تاكرْوَايْثْ) والعمران والتكافل الاجتماعي، وبفضل هذه المَحْمَدة أنجب المجتمع المزابي “قدوة  اجتماعية حسنة” جديرة بأن تُعمّم على أرجاء الوطن. وأكثر من ذلك فهم يجسّدون الهوية الجزائرية L′ Algérianité  بكل مكوناتها (الأمازيغية- الإسلام- العربية). كما أن هذا التميّز الثقافي والاجتماعي، قد جعل قصرَ بني يزڤن أيقونة السياحة في الجزائر.

أشرتُ في المحاضرة أيضا إلى ضرورة تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية، من أجل بناء سردية وطنية جامعة تعزِّز وحدة المجتمع في إطار التنوُّع الثقافي واللغوي باعتباره مصدر ثراء لا أداة للفرقة، وتمجِّد بطولات أجدادنا في كل حقب التاريخ دون إقصاء لأي مكوِّن من مكوِّنات الهوية الجزائرية. والغاية منها هي تمتين اللحمة الوطنية وتخليص تاريخنا من القراءة الإيديولوجية العرقية المتطرفة المهدّدة لاستقرار المجتمع وتماسكه، ومن ذهنية احتقار الذات الثقافية الأصيلة.

 بجنب المسجد العتيق مدرسة قرآنية تحمل اسم “المعهد الجابري القرآني” نِسبة إلى الشيخ جابر بن زيد مؤسس المذهب في نظر الإباضيين. لاحظتُ أثناء تجوالي في أزقة قصر بني يزڤن (أغرم آث يزجن) وجود آبار كثيرة، وبجنب كلّ بئر نخلة تستفيد من قطرات الماء الضائعة أثناء استخراجه بالدلو، لذلك صارت تلك النخلات للرائي من بعيد تدلّ على وجود بئر. وشاهدت لافتة قديمة في أحد الممرات يشير إلى منع استعمال ماء النبع للغسل أو للبيع.

شاهدت خلال هذه الزيارة عيّنات من حذاقة سكان بني يزڤن ومهارتهم المتجلّية في قطاعات الفلاحة والتجارة والحياة الاجتماعية، وعبقريتهم في استغلال المياه الباطنية والسطحية بطرائق عجيبة، تقيهم من شرور الفيضانات، وتجعلهم يستفيدون حتى من الأتربة التي تحملها الفيضانات لتخصيب التربة. وشاهدت نظام تقسيم المياه بدقة متناهية، ميزته العدل والإنصاف. ولا شك أن قيم التعاون والتعاضد المتأصلة في المجتمع المزابي قد مكّنت السكان من تطويع البيئة القاسية، فحوّلوها عبر القرون إلى جنان وبساتين غناء حقّقت لهم الأمن الغذائي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!