بورصة “السكوار” الكلمة لـ “الشكارة” بالأورو والدولار
لم تعد قضية السوق الموازية للعملة الصعبة في بور سعيد بالعاصمة، تتعلق بجريمة اقتصادية، بل تعدتها إلى قضية أخرى تتعلق بمدى قدرة الدولة على فرض القانون. ومعه بات التساؤل أكثر من مشروع عن خلفيات هذا الإشكال؟ وما إذا كانت الحكومة تريد فعلا القضاء على الظاهرة أم إنها تتعمد غض الطرف عنها، والتدخل في حالات محدودة لتحجيمها والحد من خطورتها؟ ولماذا ترفض تقنين هذا النشاط، كما في الدول الأخرى؟ ومن يحمي بارونات “الدوفيز” من قوة القانون. هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها الملف السياسي لهذا الخميس.
الحكومة عاجزة أم ترفض تطبيق القانون؟
أزمة “السكوار” وهيبة الدولة المفقودة
كشفت عملية مداهمة الشرطة سوقَ العملة الصعبة الموازي بساحة بور سعيد بالعاصمة، عن حقيقة مفادها أن الحكومة مسؤولة عن تنامي هذا النشاط غير الشرعي. وهي التي تحرص على ضبطه من حين إلى آخر، لأسباب غير واضحة ولا علاقة لها بالقانون.
وليست هي المرة الأولى التي تداهم الشرطة “بور سعيد” والشوارع المحاذية لها، غير أن حدة المداهمات سرعان ما تختفي شيئا فشيئا، ليعود الأمر إلى ما كان عليه في السابق، وكأن الأمر لا يتعلق بفرض سيادة القانون، وإنما بنزوات مصدرها جهات غير واضحة، ولا علاقة لها البتة بهيئات رسمية يفترض فيها السهر على تطبيق القانون.
فبيع العملة الصعبة خارج البنوك المعتمدة، ممنوع بحكم النصوص سارية المفعول. ومع ذلك، لم يتوقف تداول العملة الصعبة داخل الأطر القانونية. والغريب في الأمر أن الشرطة وكافة الأجهزة المكلفة بحماية الاقتصاد الوطني من الجرائم التي تستهدفه، لا تدرك فقط أن اليورو والدولار والجنيه، وغيرها من العملات الأجنبية، تسوق أمام الملإ في “السكوار”، بل هي على دراية تامة حتى بالأقبية والمقاهي والمطاعم وأرقام السيارات المتورطة في هذا النشاط الممنوع والمدمر للاقتصاد.. غير أن مداهماتها تبقى موسمية ونادرة.
والغريب في الأمر أن الحكومة قادرة، وبإجراء بسيط، على القضاء على هذه الظاهرة المدمرة للاقتصاد الوطني، من خلال تقنين صرف العملة الصعبة، بما يسمح ببروز صرافات خاصة، مثلما هو معمول به في الأغلبية الساحقة من بلدان العالم. وهو أمر من شأنه أن يجعل هذا النشاط يسير في شفافية تامة، بما يحمله من انعكاسات إيجابية، ليس فقط على الاقتصاد الوطني (كونه يصبح خاضعا للضريبة)، ولكن أيضا على المواطن البسيط، لأن قيمة الدينار مقابل العملة الأجنبية، سوف لن تبقى في المستويات الخيالية التي وصلتها من الانهيار.
لكن تمادي الحكومة في الإبقاء على هذا النشاط بعيدا عن الشفافية، من خلال عدم إخضاعه للقانون، يؤكد حقيقة مفادها أن هناك أطرافا وجهات نافذة قادرة على تعطيل القانون المتعلق بهذا الجانب. وهنا يبرز التساؤل المحير عن هوية هذه الجهات، وكذا مصدر القوة التي تستمدها والتي جعلتها أقوى من الدولة ذاتها؟
ولم يعد صعبا على الكثير من المتابعين لسوق العملة الموازية، تفكيك طلاسم غياب سلطة الدولة في “السكوار” وفي بعض “المحشاشات”، حيث يباع اليورو والدولار والجنيه.. فبارونات “الدوفيز” معروفون بالاسم، كما أن الجهات النافذة التي يتلقون منها الحماية معروفة أيضا.. ما يعني أن القضية تتجاوز بكثير القرار بإنزال شرطي، وترتقي إلى أن تكون قضية دولة.. إما أن تكون الدولة سيدة على جميع ترابها أو فاقدة للسيطرة على بعض أجزائها، وفي ذلك أكبر خطر على استمرارها.
النائب بالغرفة السفلى ناصر حمدادوش
جهات نافذة في الدولة وراء عدم رفع منحة السفر
اتهم النائب في المجلس الشعبي الوطني عن تكتل “الجزائر الخضراء”، ناصر حمدادوش، جهات نافذة في الدولة، دون أن يسميها، بالوقوف وراء عدم إعادة النظر في مبلغ قيمة الصرف المعتمدة من قبل الحكومة الموجهة إلى المسافرين إلى الخارج، وهي المنحة التي وصفها بالمهينة للجزائر والجزائريين، على حد قوله.
وقال النائب والقيادي في حركة مجتمع السم: “هناك جهات نافذة في الحكم معنية بشكل مباشر بالأسواق الموازية لصرف العملة، ومتمسكة بزمام الأمور فيها، حيث يتم تداول كتلة نقدية تقدر بحسب مصادر متطابقة بنحو 5 ملايير دولار سنويا، خارج أطر الرقابة”. وهو ما يعتبره المتحدث خطرا حقيقيا على الاقتصاد الوطني.
ويرى حمدادوش أن الرغبة في الربح الشخصي والسريع على حساب الاقتصاد الوطني والمنفعة العامة، جعل هذه الجهات تعمل خارج القانون، وتتصدى لأي محاولة لتقنين هذه العملية في إطار الشفافية المالية، سواء من خلال فتح مكاتب صرف رسمية، أم رفع منحة السفر، أم التعاملات المالية عن طريق البنوك.
وذكر النائب البرلماني أن عدة أحزاب، ممثلة في الغرفة السفلى للبرلمان، طالبت في عدة مناسبات، خاصة خلال مناقشة قوانين المالية، بضرورة مراجعة التشريعيات المتعلقة بقيمة صرف العملة الموجهة إلى المسافرين نحو الخارج، باعتبار أنها لا تليق بحجم الجزائر وإمكاناتها المالية والاقتصادية، خاصة عندما تتم مقارنتها بدول مجاورة ليس لها نفس الإمكانات التي تتوفر عليها الجزائر.
وبخصوص تحميل الحكومة مسؤولية رفع منحة السفر لبنك الجزائر المركزي، بحجة أن السلطة النقدية هي سلطة مستقلة بذاتها، ولا تخضع لوصاية الحكومة، يقول حمدادوش إن المسألة ليست مسألة صلاحيات، بقدر ما هي إرادة سياسية، على اعتبار أن محافظ بنك الجزائر حتى وإن كان لا يخضع إلى وزارة المالية فهو خاضع لرئاسة الجمهورية.
ويعتقد النائب عن حركة مجتمع السلم أن التأخر في رفع هذه المنحة راجع أساسا إلى عجز الحكومة عن التحكم في ارتفاع فاتورة الاستيراد، التي تصل إلى 60 مليار دولار، وهي تلتهم 80 من المائة من مداخيل الجزائر من العملة الصعبة، فضلا عن إخفاقها في توفير ميكانيزمات لتسيير العملة الصعبة، وعدم تلبيتها لأبسط حاجيات المواطن الجزائري، الذي يلجأ إلى السوق السوداء لصرف العملة، بغرض السفر قصد الدراسة أو العلاج أو حتى السياحة، باعتبار أن البنوك لا تمنح سوى 130 أورو أي ما يعادل 15 ألف دينار، علما أنه برز في وقت سابق محاولة لرفع قيمة القيمة القابلة للصرف على 600 أورو للشخص في السنة، إلا أن المحاولة انتهت إلى طريق مسدود.
رئيس جمعية الاقتصاديين الجزائريين سعدان شبايكي:
وضع الاقتصاد لا يسمح بفتح وكالات لصرف العملة الصعبة
قال رئيس الجمعية الوطنية للاقتصاديين الجزائريين، شبايكي سعدان، إن القضاء على السوق الموازية للعملة الصعبة، يشكل تحديا اقتصاديا باعتبار الأهمية القصوى لهذه السوق لدى المواطن، وستكون نتائجه سلبية على المدى القصير، ليس فقط على الاقتصاد الوطني، وإنما على المستوى الشعبي وعلاقته بالوضع العام في البلاد.
ويرى الخبير الاقتصادي أن الدولة ملزمة بحل استعجالي لهذه المعضلة، يتمثل في تغيير الميكانيزمات التي تتعامل بها البنوك العمومية، وفي مقدمة ذلك رفع قيمة الصرف الموجه إلى السياحة، التي تبقى دون مستوى تطلعات الجزائريين، لا سيما أن دولا أقل إمكانات من الجزائر، مثل المغرب وتونس، تعطي تسهيلات أكثر.
وأوضح مسؤول جمعية الاقتصاديين أن النقد الأجنبي ينطوي على أهمية كبيرة بالنسبة إلى اقتصاد البلاد، وكان يتعين على السلطات العمومية أن تتدخل لتنظيم هذا النشاط، كما قال، وعدم ترك الحرية المطلقة لبارونات العملة الصعبة في السوق السوداء، التي أدت، برأيه، إلى وصول قيمة السيولة المتعامل بها خارج التداول الرسمي، إلى نحو ثلاثة بالمائة من الناتج الداخلي الخام.
وبرأي المتحدث، فإن عدم تنظيم هذا السوق الحساس، أدى إلى حدوث اختلالات كان من بين نتائجها بروز مستوى عال من المضاربة، ما خلف تأثيرا كبيرا على القيمة الرسمية للعملة الوطنية، كما أن من شأن استمرار تداول العملة الأجنبية في السوق الموازية، يمكن أن يؤثر على الجانب السياسي بخلق قوة داخلية قد تخدم جهات أجنبية.
وهنا يطالب رئيس جمعية الاقتصاديين الجزائريين: “الدولة مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تطوير بنوكها والتعامل مع قضية العملة الصعبة بجدية من خلال التقرب من المواطن وتمكينه من الحصول على ما يحتاجه منها”، فيما رفض فتح وكالات الصرف الخاصة بحكم أن الجزائر لم تصل إلى درجة تطور اقتصادي كبير يسمح بفتح شبابيك خاصة للصرف خارج البنوك العمومية.
وتابع: “هناك تخوف كبير من نتائج القضاء على السوق السوداء للعملة الصعبة، خاصة في المرحلة الحالية”. وأضاف: “أنا لا أعتقد أن الدولة ستقف مكتوفة الأيدي، خاصة أنها تعلم جيدا التأثير الكبير لهذه السوق على الجزائريين في غياب تسهيلات من البنوك وتدني منحة السفر التي لا تكفي لوجبة في مطعم راق في الخارج”.
وتوقع المتحدث أن ترتفع قيمة العملة الصعبة بنسبة 20 بالمائة مقارنة بالدينار بعد الحملة التي استهدفت سوق العملات الأجنبية من طرف الأمن، وقدّر بأن “الوضع يزداد تأزما على المدى القريب، ولكنه يتحسن تدريجيا على المدى المتوسط”.
أما المستفيد من اختفاء العملة الصعبة في السوق الموازية حاليا، فهم المهربون وبعض المضاربين، مما يسمح بظهور ممارسات لتبييض الأموال وهو ما يحتم على الدولة الترصد لهؤلاء والتحلي بأقصى درجات الحيطة، خاصة على الحدود الشرقية للبلاد وفي المطارات، في هذا الوقت.
الخبير في الشؤون المالية والبنوك كمال رزيق
90 ٪ من العملة المتداولة في “السكوار” تهرب إلى سويسرا وشنغهاي
ربط كمال رزيق، الخبير في الشؤون المالية والبنوك، بين سوق العملة الموازي في “بور سعيد” بالعاصمة وبين فضائح التهريب الأخيرة التي تورط تفيها شخصيات معروفة، فيما عرف بـ “سويس ليكس”. كما كشف عن وجهات جديدة لتهريب العملة الصعبة، قال إنها لم تعد تقتصر على بنوك سويسرا، بل وصلت إلى بنوك شنغهاي وبكين، في أقصى الشرق.
برأيكم.. ما هو السبب المباشر الذي كان وراء قرار الحكومة بمداهمة الأسواق الموازية للعملة الصعبة؟
الكل يعلم الأسباب المباشرة التي جعلت الحكومة تقوم بمثل هذا الإجراء في الوقت الراهن، خاصة أنها تحدثت عن ضرورة محاربة تزوير العملة الصعبة في الأماكن التي تفتقد فيها الوسائل والتجهيزات التي تكشف عنها بسهولة كالبنوك، غير أن السبب الخفي الذي لم يعلن عنه هو تدهور العملة الوطنية جراء هذه الأسواق التي أثرت بصفة مباشرة على الاقتصاد الوطني، فضلا عن التخوف من التغلغل الكبير للمافيا، التي أصبحت تهرّب العملة بالملايير عبر هذه القنوات غير القانونية التي يقف من ورائها مسؤولون وشخصيات معروفة وبارزة.
ما هي المخاطر التي يمكن أن تسببها ورقة اليورو المزورة في هذه الأسواق؟
إن الحديث عن تداول الأوراق النقدية المزورة في سوق بور سعيد ونظيراتها، من شأنه أن يشكّل خطرا كبيرا على المواطنين الذين يسافرون إلى دول أجنبية، الأمر الذي يعرضهم للاعتقال، فضلا عن الفضيحة التي يمكن أن تنجر عن ذلك وتجعل الدولة ملزمة بالتدخل لتحمى رعاياها في هذه الدول، لا سيما أن العملة المعنية أجنبية وليست وطنية.
هل لفضيحة “سويس ليكس” والحديث عن تورط مسؤولين في تهريب الأموال علاقة بتدخل الشرطة في “السكوار”؟
الكل يعلم أن هؤلاء الأشخاص المتورطين في فضيحة سويس ليكس قاموا بوضع أموالهم في هذه البنوك عن طريق التهريب وليس عبر القنوات الرسمية التي تعتمد على قوانين ونظام معين. فسوق “السكوار” وغيرها من الأسواق الموازية، هي إحدى القنوات التي اعتمد عليها هؤلاء البارونات لتهريب هذه المبالغ الضخمة. ففضيحة سويس ليكس وفضائح أخرى على غرار عملية التهريب الأخيرة في مطار هوراي بومدين أين تم وقف محاولة تهريب 302 ألف أورو، هي دليل على أن الأمور قد تجاوزت الحكومة والأمن على حد سواء، الأمر الذي جعلها تتحرك في الوقت بدل الضائع خاصة أن هؤلاء الأشخاص لا يهمهم مصير الاقتصاد الوطني، من خلال تورطهم في ترويج الأموال غير النظيفة.
هل توجد علاقة بين سوق “السكوار” وبنوك سويسرا وموانئ شنغهاي وبكين؟
بالتأكيد، هناك علاقة كبيرة.. هناك تقديرات تشير إلى أن نحو 90 بالمائة من الأموال التي يتم تداولها في سوق “السكوار” وغيرها من الأسواق الموازية، تعمل ضمن قنوات تبييض الأموال، والباقي يتم تداوله بين المواطنين لأغراض تتعلق بالسياحة وأداء مناسك الحج والعمرة. ويمكن القول إن نصف العملة الصعبة لتي تخرج من سوق “السكوار” توجه إلى بنوك سويسرا وشنغهاي وغيرها من مناطق الاستقطاب، غير النظيفة.
كيف يمكن للحكومة أن تتصرف لتنظيم هذه الأسواق؟
الإجراء الذي قامت به الحكومة هو مجرد “مخدر”.. هي لم تفعل شيئا. فهؤلاء باعة العملة الصعبة كانوا يشتغلون في سوق مواز والحكومة بمثل هذا الإجراء حولته إلى نقطة سوداء، يختبئ فيها الباعة في المقاهي والسيارات، لذلك وجب على السلطات البحث عن سبل أخرى للقضاء على هذا المشكل بالإسراع في فتح مكاتب الصرف وتقنين التجارة الإلكترونية والتعاملات بالصك.