تحرير العقول قبل تحرير الأرض
عاتبني أحد القراء لأني أهملت الملف السوري، مع ما كان له من تداعيات على مستقبل المنطقة العربية، وعلى إعادة توزيع أوراق النفوذ في العالم. والحقيقة أني لم أتجاهل الملف السوري، بل كنت أول من ادعى مبكرا أن “أم المعارك” التي سوف تحسم المواجهة المفتوحة بين الإمبراطورية الأمريكية المتراجعة، والقطب الآسيوي الناشئ، إنما ستجري في بلاد الشام، في وقت كان عرابو الربيع العربي يعدون بسقوط النظام السوري في بحر أسابيع قليلة.
غير أن الطابع المذهبي الذي ركب ببراعة للأحداث في سورية، كان يمنع وصول أي خطاب أو تحليل عقلاني إلى عقول كثير من القراء، وأنه إذا كان قد استعصى علينا إقناع الجمهور العربي السني بخطيئة “الثوار” في ليبيا، وقد سخّروا كوقود لحملة عسكرية أدارها حلف النيتو، فكيف نصل إلى عقل القارئ العربي، وقد سوقت له أحداث سورية كمعركة فاصلة بين السنة والشيعة، من أولائك الذين سلموا العراق على طبق من ذهب لإيران.
في الملف السوري تحديدا، لم يكن من الصعب تحديد الموقف، بعد أن تم الاصطفاف الدولي بين معسكرين: معسكر موال للنظام السوري، تمثل في إيران، وحزب الله، وروسيا، والصين، ومعسكر ادعى نصرة الشعب السوري الثائر، قد تشكل من خليط من الدول الإقليمية التي كانت دوما تحت التبعية الغربية ولا تزال. وقد كان من الحكمة أن نعتبر بالمثل القائل “عدو عدوي صديقي” وما يعلمه كل عربي ومسلم، من أي مذهب كان، أن الغرب هو العدو الأصلي لجميع العرب والمسلمين، قد تركز عداؤه في صناعة الكيان الصهيوني والتمكين له بكل الوسائل.
على الطرف الآخر، نعلم أن الدولة الصفوية الشيعية قد استعملت طيلة ثلاثة قرون لضرب الخلافة الإسلامية، كما استدرج الاتحاد السوفييتي في حرب قذرة في أفغانستان، كانت مقبرة له، لكن الاتحاد الروسي من بعده، لم يكن في خصومة أو عداء مع العرب، بل كان بوسع العرب أن يصطنعوا من روسيا الجديدة، ومن الصين، حلفاء لا يبتزونهم في سيادتهم، مثل ما يفعل الغرب الحاقد.
وفي كل الأحوال، فالفرصة مازالت قائمة لما بقي من الكيان العربي لكي يعيد حساباته، ويتعلم كيف يميز بين العدو والصديق، وأن يتأكد أن الغرب المتصهين بجميع مؤسساته، هو العدو الذي لا ينبغي أن تغفل عنه أعيننا، وأن تحرير الأرض العربية المحتلة يبدأ في اللحظة التي تقتنع فيه الشعوب والدول العربية بواجب فك الارتباط مع المعسكر الغربي: سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، خاصة وأن العولمة، التي صنعها الغرب لغاية في نفس يعقوب، تتيح اليوم آفاقا رحبة لمن يريد أن يتحرر من التبعية الغربية.
ولمن شاء أن يعتبر، فليتابع هرولة دول الخليج نحو طهران، والبعثات الأمنية الغربية التي تحظر الآن في دمشق لعودة السفارات الغربية، وسوف تنسى الشعوب العربية بسهولة المئة وخمسين ألف قتيلا من السوريين، كما نسيت المليون قتيل من ضحايا العدوان الأمريكي على العراق، بشراكة من نخب إسلامية وعلمانية: شيعية وسنية، وتواطؤ من قادة الخليج السني وإيران الشيعية.